وجَّه اندلاع أزمة الديون اليونانية ضربةً قويةً إلى حلم الوحدة الأوروبية، الذي هبط من محاولة جعل الاتحاد الأوروبي قطبًا دوليًّا يصوغ أجندته الخاصة في التفاعلات الدولية، ويجمع بين أعضائه الوحدة السياسية والاقتصادية التي تتضمَّن توحيد السياسات الأمنية والدفاعية إلى مجرد كيان؛ تُشَكِّل العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) الرابط الرئيسي بين بلدانه، وحتى الأخيرة قد تصير أثرًا بعد عين من جرَّاء الأزمة اليونانية.
نبذة تاريخيَّة
وقد راود حلم الوحدة بين دول أوروبا العديد من الزعماء والقادة الأوروبيين عبر المراحل التاريخية، وكلٌّ حاول على طريقته- سلمًا أو حربًا- تحقيق هذا الحلم، فكان الإمبراطور شارلمان أول من حاول توحيد أوروبا عام800م، حتى إن خاتمه الإمبراطوري كان يحمل العبارة التالية "تجديد الإمبراطورية الرومانية".
ثم جاء نابليون بونابرت الذي كتب في مذكراته أنه "لو ربح الحرب في روسيا فإن أوروبا كانت ستصبح أمةً واحدة؛ بحيث إن أي شخص يسافر من أي مكان إلى أي مكان آخر سيجد نفسه في أرض آبائه، وكانت باريس ستصبح عاصمة العالم، والفرنسيون موضع حسد بقية الأمم".
وفي مرحلة لاحقة خرج هتلر ملقيًا خطابًا في البرلمان الألماني- الرايخستاج- عام1936م قال فيه: "لا يحتاج المرء إلى كثير من الذكاء حتى يُدرك أنه يستحيل في بيت ضيق كأوروبا أن تحتفظ إلى أمد طويل هذه الجماعات من الشعوب بأنظمة قانونية متعددة، وبمفاهيم مختلفة للنظام".
ولقد انتقل الحلم من خيال الزعماء والسياسيين إلى وجدان الشعراء والأدباء، فقال الأديب الفرنسي الشهير فكتور هوجو: "سوف يأتي يومٌ تصبحين معه أنت يا فرنسا وأنت يا ألمانيا وأنت يا إيطاليا وأنت يا بقية الأمم في القارة، ومن دون أن يفقد منكم خصائصه المتميزة جزءًا من وحدة كبرى"(1).
من الحلم إلى الواقع
بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، دخل النظام الدولي مرحلة الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والتي كان من أبرز سماتها الحرب الباردة بين الطرفين؛ حيث مثلت القارة الأوروبية إحدى ساحاتها، فقد حاولت الولايات المتحدة الهيمنة على أوروبا عبر مشروع الجنرال جورج مارشال، في حين بسطت روسيا نفوذها على شرق أوروبا بدءًا من جدار برلين الشهير.
وكان لوقوع أوروبا بين سندان أمريكا ومطرقة روسيا، أثرٌ كبيرٌ في دفع الزعيم الفرنسي شارل ديجول إلى إنزال فكرة الوحدة الأوروبية من أفق الخيال إلى أرض الواقع؛ بهدف احتواء الدول الأوروبية وإخراجها من هيمنة القُطْبَيْن.
فبادر ديجول إلى دعوة المستشار الألماني كونراد إديناور إلى صلح تاريخي عام 1958م يهدف إلى جسر هوة العداء وعدم الثقة الناجمة عن ميراث المواجهات العسكرية الطويلة بين البلدين، وعلى عاتق هذا الصلح قامت اتفاقية روما التي حوَّلت الجماعة الأوروبية للفحم والصلب- التي تأسست عام 1951م، وضمت ست دول هي: فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وهولندا، ولوكسمبورج- إلى السوق الأوروبية المشتركة، ولاختيار الأوروبيين لروما كمكان لتوقيع الاتفاقية دلالة لا تخفى لحضور التاريخ.
انهيار جدار برلين والنقلة الكبيرة
كان انهيار جدار برلين عام 1989م ثم إعلان تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991م حدثين دوليين لهما تأثيرهما الواسع والعميق على العالم عامة وأوروبا خاصة، التي وجدت أن عليها أن تعيد صياغة مشروعها الذي بدأ عام 1951م صياغة جذرية، حتى يتلاءم مع التطورات الدولية العاصفة، وتمثلت واحدة من خطوات الصياغة الجذرية في معاهدة ماستريخت عام 1992م، وهي المعاهدة المنشئة للاتحاد الأوروبي، والتي بموجبها تجاوز المشروع الأوروبي إطاره الاقتصادي كسوق مشتركة، ليصبح مشروعًا سياسيًّا أوروبيًّا مكتمل الأركان، إذ إنه وفقًا لمعاهدة ماستريخت فقد بُني الاتحاد الأوروبي على ثلاث ركائز وهي: الجماعات الأوروبية الثلاث، والسياسة الخارجية والأمنية المشتركة، والتعاون الشرطي والقضائي في المسائل الجنائية.
وفيما يتعلق بالركيزة الأولى فإنه وفقًا لمبدأ توارث المعاهدات فإن الاتحاد الأوروبي يرث حقوق والتزامات الجماعات الأوروبية الثلاث، وهي الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، والجماعة الاقتصادية الأوروبية (السوق المشتركة)، والجماعة الأوروبية للطاقة الذرية (اليوراتوم).
ويعد الإنجاز الأعمق أثرًا لاتفاقية ماستريخت هو تحقيق الوحدة الاقتصادية والنقدية لأوروبا، التي تمثَّلت في دخول (اليورو) حيز المعاملات في عام 1999م بالتوازي مع إنشاء البنك الأوروبي، وبذلك أنشَأَت معاهدة ماستريخت العملة الأوروبية الموحدة بالتوازي مع إنشاء البنك المركزي الأوروبي، وبنك الاستثمار الأوروبي، وبالتوازي كذلك مع حرية انتقال رءوس الأموال وحرية انتقال المواطنين الأوروبيين(2).
وفي عام 1995م أصبح عددُ أعضاء الاتحاد الأوروبي 15 عضوًا بعد انضمام النمسا وفنلندا والسويد، ثم صار العدد 25 عضوًا في عام 2004م بعد انضمام كلٍّ من قبرص، ومالطا، وسلوفينيا، وبولندا، والمجر، والتشيك، واستونيا، وليتوانيا، وسلوفاكيا، كما انضمت بلغاريا ورومانيا عام 2007م ليصير عدد دول الاتحاد الأوروبي 27 دولة.
وبعد أن قفز عدد الأعضاء من 12 إلى 27 عضوًا، وبغية التغلب على المشكلات التي أثارها تطبيق معاهدة نيس المنظمة لآليات العمل واتخاذ القرار داخل الاتحاد، تم الاتفاق على مشروع معاهدة الدستور الأوروبي والتي كانت تهدف إلى نقل آليات العمل داخل الاتحاد إلى مرحلة أعلى من الاندماج، وإعادة التنظيم وفق معايير جديدة، وطُرحت المعاهدة للاستفتاء في الدول الأوروبية في دولة تلو الأخرى، فوافق الناخبون في كلٍّ من: إسبانيا، وإيطاليا وألمانيا، وجاء دور فرنسا.
ففي آخر مايو 2005م فجَّر الناخبون الفرنسيون مفاجأةً كبرى برفض أغلبيتهم لقيام البرلمان بالتصديق على معاهدة الدستور الأوروبي، واكتملت المفاجأة بانضمام الرفض الشعبي الهولندي إلى نظيره الفرنسي بعدها بيومين فقط، وقد مثَّل الرفضان صدمةً واسعةً لدى الرأي العام الأوروبي.
فقد كان الهدف الإستراتيجي من إقرار معاهدة الدستور الأوروبي هو بناء نظام تصويتي مغاير لنظام معاهدة نيس، بما يسمح مع تحسينه بقدر أكبر من توافق الآراء داخل الاتحاد الأوروبي بعد توسيعه شرقًا بما يعني مؤسسيًّا الشروع في بناء أوروبا السياسية الدفاعية حلم فرنسا الأكبر، والذي لم يفارق قط أيًا من زعمائها بداية من ديجول، حتى الرئيس السابق جاك شيراك، لذا فقد مثلت نتيجة الاستفتاء صدمةً كبيرةً لدى فرنسا التي أرادت من إقرار المعاهدة وكذلك ألمانيا موازنة القوة التصويتية داخل الاتحاد لصالحها بعد توسعته شرقًا(3).
وقد دفع الرفض الشعبي لمعاهدة الدستور الأوروبي قادة دول الاتحاد إلى البحث عن معاهدة بديلة، ونجحوا في ذلك بإقرار معاهدة جديدة في القمة الأوروبية التي انعقدت بالعاصمة البرتغالية لشبونة في منتصف ديسمبر2007م، ووقف الرفض البولندي كحجر عثرة أمام إقرارها إلا بعد مفاوضات شاقة ومضنية رافقتها تعهدات من قادة الاتحاد للرئيس البولندي بالاستجابة لملاحظاته وتحفظاته.
الولايات المتحدة.. وحصان طروادة
تُعد الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر الإمبراطوريات في التاريخ، إن لم تكن أكبرها على الإطلاق، وتقوم قوة التأثير والنفوذ الأمريكية على ثلاث ركائز:
1) القوة السياسية. 2) القوة الاقتصادية. 3)القوة العسكرية.
وإبان حقبة الثنائية القطبية والحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تواجه الاتحاد السوفيتي كعملاق عسكري ولكنه قزم اقتصادي في آن واحد، وبعد انهياره وانفرادها بالمسرح الدولي حرصت الولايات المتحدة على إضعاف أي منافس محتمل لها، يَحُول منازعتها مكانتها الدولية عن طريق جمعه بين القوتين السياسية والاقتصادية؛ ما يُمكنه من أن يخط لنفسه خطًّا سياسيًّا مستقلًا يحافظ به على مصالحه، التي قد تتصادم مع المصالح الأمريكية.
وقبيل غزو العراق عام 2003م، وحيال المعارضة الفرنسية الألمانية الشديدة له قال وزير الدفاع الأمريكي السابق (دونالد رامسفيلد) نبوءته الشهيرة بنهاية أوروبا القديمة، وانطلاق أوروبا الجديدة، قاصدًا بالشق الأول فرنسا وألمانيا وبالثاني بولندا وأوروبا الشرقية؛ حيث تحتل بولندا أهمية كبرى في السياسية الأمريكية بهدف اختراق القلعة الأوروبية، نظرًا لثقلها السكاني الكبير وقبل انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي أغدقت أمريكا عليها المساعدات المالية، كما ثار حديث حول نقل القواعد العسكرية إليها من ألمانيا(4).
هنري كسينجر

ويرى هنري كسينجر أن أوروبا الشرقية كانت ساحة صراع تاريخي بين روسيا وألمانيا، لذا فإن ضم هذه الدول إلى حلف شمال الأطلسي يضمن استيعاب ألمانيا وتطويق روسيا في آن واحد.
ولهذا فقد مثلت الدول المنضمة حديثًا إلى الاتحاد الأوروبي "كتلة أطلسية" في مواجهة "الكتلة الأوروبية"، التي تقودها فرنسا وألمانيا ما قبل ساركوزي وميركل؛ حيث ترفض الكتلة الأطلسية مشروع أوروبا الدفاعية، وذلك لصالح حلف شمال الأطلسي، ولذلك مثل رفض معاهدة الدستور الأوروبي تراجعًا للكتلة الأوروبية في مواجهة الكتلة الأطلسية داخل الاتحاد الأوروبي.
ومن جهة أخرى فقد أطاحت الانتخابات في ألمانيا وفرنسا بكلٍّ من جيرهارد شرودر وجاك شيراك على التوالي، وجاءت بأنجيلا ميركل ونيقشولا ساركوزي اللذين يجمعهما أنهما من جيل جديد لم يشترك في صياغة معادلة الحروب الكبرى، بالإضافة إلى ميولهما الأمريكية الواضحة التي نقلت العلاقات بينهما والولايات المتحدة من دائرة "التمايز والتنافس" إلى دائرة "التنسيق والتفاهم".
كما شهد المحور الألماني- الفرنسي تصدعًا اتسع تدريجيًّا؛ حيث اتجهت ألمانيا إلى تدعيم علاقتها مع جوارها الجغرافي- دول وسط أوروبا بولندا، والتشيك، وسلوفاكيا، والمجر- وصولًا إلى روسيا، وتهدف ألمانيا من ذلك إلى التملص-ولو على المستوى السياسي من ترتيبات مؤتمر يالتا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي فرضت عليها تحجيمًا سياسيًّا كبيرًا.
وقام الرئيس الفرنسي بتدشين مشروعه "الاتحاد من أجل المتوسط" الذي يجمع بين دول الشمال والجنوب المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وهو الأمر الذي أثار القلق الألماني، ويبدو أن المحصلة قد جددت المخاوف والهواجس التاريخية بين البلدين.
الأزمة اليونانية... الجلد الاقتصادي بعد السقط السياسي
احتجاجات شعبية على إجراءات التقشف في اليونان

يرى الخبراء أن الاتحاد الأوروبي يقف على المسرح الدولي كعملاق اقتصادي وقزم سياسي في نفس الوقت، وتكمن القوة الاقتصادية الأوروبية في قوة عملته الموحدة اليورو، وصعوده المتتالي في السنوات الأخيرة أمام الدولار، وبينما يواصل اليورو ارتفاعه اندلعت أزمة الديون اليونانية، فقد اكتشفت الحكومة اليونانية الجديدة ذات التوجه اليساري أن سياسات الحكومة اليمينية السابقة قادت البلاد إلى كارثة هائلة بوصول الدين الحكومي إلى مستوى قياسي خطير؛ حيث بلغ 125% من الناتج المحلي، وقد كانت الحكومة السابقة تغطي على حجم الكارثة ببيانات مزورة حول حجم الدين بتواطؤ صريح من مؤسسات مالية أمريكية كبيرة مثل جولدمان ساكس، وأخرى دولية، وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وبدا من المؤكد أن شرر الكارثة اليونانية سيتطاير إلى بقية اقتصادات الدول الأوروبية تباعًا، خاصةً التي يحمل اقتصادها وضعًا مشابهًا, وهو حال دول جنوب أوروبا- البرتغال، إيطاليا، إسبانيا- وهو ما يضع مستقبل اليورو في مهب الريح، لذا لم تجد كلٌّ من فرنسا وألمانيا بدًّا من التدخل عبر تقديم المساعدات المالية بغية إنقاذ الأمر للحيلولة دون امتداد الكارثة إلى أبعد من مداها الحالي.
وقد انتقل الموقف الألماني- الفرنسي من التردد إلى التدخل، وهو ما ارتدَّ على الحزبين الحاكمين في البلدين بخسارة في الانتخابات البلدية، وهي رسالة ضمنية تحمل استياءً شعبيًّا من تدخل الحكومتين، مفادها لماذا نعمل ونتعب نحن ونتحمل خسائر الآخرين؟ حيث بلغ حجم الدعم الأوروبي لليونان 130 مليار يورو وتريليون يورو لدعم اقتصاد الاتحاد بأكمله.
وقد جاءت الأزمة اليونانية كاشفة عن عيوب بنيوية في معاهدة ماستريخت، إذ أهمل نص المعاهدة توحيد السياسات المالية والتنسيق فيما بينها، بالرغم من التزام عملة موحدة، ومن جهة أخرى فقد فرضت ماستريخت شرطين للانضمام إلى اليورو، وهما تخفيض نسبة عجز الموازنة الحكومية إلى أقل من 3% من الناتج المحلي ونسبة الدين العام إلى أقل من 6%، إلا أنها افتقرت إلى الآلية الملزمة للدول الأعضاء للتقيد بهذين الشرطين؛ وهو ما دفع بريطانيا إلى رفض الانضمام إلى اليورو آنذاك.
وبعبارة أخرى فقد جعلت معاهدة ماستريخت السيطرة الحقيقية في يد البنك المركزي الأوروبي في مجال السياسة النقدية، دون وجود أي سيطرة حقيقية على السياسة المالية؛ وهو الأمر الذي أغرى بعض الحكومات الأوروبية بالتلاعب بالأرقام بغية الدخول أو الاحتفاظ بالمكاسب التي تحققها عضوية اليورو.
تراجع وخفوت
باراك أوباما تجاهل الأزمة الأوروبية

وهكذا فقد جاء الرفض الشعبي ليضع النهاية لآمال الأوروبيين في صعود اتحادهم كقطب دولي سياسي، وأتت أزمة الديون اليونانية بعده بسنوات خمس، والتي يتوقع المراقبون أن تكون بداية النهاية لفاعلية الاتحاد الأوروبي كقطب دولي اقتصادي، لذا لم يكن غريبًا أن تتراجع أهمية الاتحاد الأوروبي كفاعل في العلاقات الدولية في حيز السياسة الأمريكية، وهو ما حملته عدة إشارات إذ تغيب الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن احتفالات أوروبا هذا العام بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين، كما تغيَّب أوباما عن حضور القمة الأوروبية- الأمريكية بمدريد- والتي عُقدت في مايو الماضي- وقد حمل إعلان البيت الأبيض للخبر إهانة غير مباشرة؛ حيث تمَّ الإعلان دون إبلاغ رئيس الوزراء الإسباني بالمخالفة للبروتوكول الدبلوماسي.
إلا أن الرسالة الأبلغ حملتها وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، فقد ذكرت الوثيقة- الوقعة في ستين صفحة- الاتحاد الأوروبي مرتين فقط، في مقابل 11 مرة في وثيقة كلينتون عام 1998، و3 مرات في وثيقة بوش الابن عام 2002م، و5 مرات في إستراتيجية 2005م، علمًا بأن وثيقة أوباما مايو 2010م هي الأطول على الإطلاق، بالإضافة إلى أنها تحدثت عن الاتحاد الأوروبي كلاعب عادي ضمن مجموعة من اللاعبين الدوليين الذين يمارسون القوة والنفوذ، بعدما تحدثت عنه في الوثائق السابقة كقطب اقتصادي دولي أو كفاعل دولي ذي قدرات أمنية وسياسية محدودة، وهو ما يعكس وبوضوح مدى تراجع أسهم الاتحاد الأوروبي في بورصة السياسة الدولية(5).
خاتمة:
يقف الاتحاد الأوروبي في قلب لحظة تاريخية فاصلة بين مواصلة مسيرة الوحدة، أو التراجع عنها بالكلية، ويتوقف هذا على عدة عوامل:
يتوقف أولاً على استحقاقات اللحظة التاريخية؛ حيث تغيرت المعطيات الدولية التي دفعت البلدان الأوروبية إلى الوحدة عن ذي قبل، فقد انتهت الحرب الباردة وانقسام العالم إلى معسكرين، كما أجهزت الأزمة المالية العالمية على الرأسمالية اليمينية المتطرفة، ليدخل النظام الدولي إلى أعتاب مرحلة جديدة ينقسم الخبراء في تعريفها بين عديمة الأقطاب، ومتعددة الأقطاب.
كما يتوقف هذا على مدى كفاءة القيادات التي تصل إلى سدة السلطة بالدول الكبرى التي تمثل قاطرة الاتحاد ونعني ألمانيا وفرنسا، فقد ذهب ديجول واديناور كما ذهب كول وشيراك وجاء ساركوزي وميركل، والفارق لا يحتاج إلى بيان من حيث توافر الخيال السياسي، ووضوح الرؤية، والرغبة في الاستقلال عن التماهي مع السياسة الأمريكية والدوران في فلكها(6).
بالإضافة إلى العامل الأهم، وهو رغبة الشعوب في الوحدة من عدمها، فقد تغلبت المصالح الوطنية والنزعات القومية على الرغبة الوحدوية وتجليات العولمة من حرية انتقال الأموال، والسلع والخدمات، والأيدي العاملة؛ حيث أطلت العولمة على شعوب الغرب الأوروبي بوجه المخاطر من اندفاع شعوب الشرق الأوروبي إلى بلادها لتقاسمها خيرات رأسمالية نظمها وثمار عملها طيلة العقود الماضية، بينما أطلت العولمة على شعوب الشرق الأوروبي بوجه الفرص لتعويض ما فاتها إبان الحقبة الشيوعية، وما جلبته عليها من فقر وبؤس.
كما يتوقف على استطاعة القيادتين- الألمانية والفرنسية- التغلب على هواجس التاريخ، التي أطلت برأسها مجددًا بعدما ذهبت كلتاهما لتفتش عن مصالحها، وإن تعارضت مع مصلحة الأخرى، فيبدو أحيانًا أن هواجس التاريخ تتغلب على حقائق الجغرافيا.
في العام 1991م قال المستشار الألماني الأسبق هلموت كول: "إن التاريخ الحديث يعلمنا أن فكرة إيجاد اتحاد اقتصادي ونقدي على المدى البعيد، دون وجود اتحاد سياسي ما هو إلا مغالطة كبيرة"، لقد شخَّص كول الأزمة ولخص الموقف، وكأنما يقرأ ما يجرى من كتاب مفتوح.
----------------
الهوامش:
1) محمد السماك- لماذا نجحت الوحدة أوروبيًّا وفشلت عربيًّا- (الشروق المصرية) 6 يونيو2010م.
2) التقرير الإستراتيجي العربي 2005- 2006م.
3) المصدر السابق.
4) أحمد دياب- شرق أوروبا في السياسية الخارجية الأمريكية- السياسة الدولية- أكتوبر 2009م.
5) علي حسين باكير- الاتحاد الأوروبي: مخاوف من تعديل واشنطن وجهة استثمارها في القارة العجوز- الحياة اللندنية- 22 يونيو 2010م.
6) د. رضوان السيد- الأزمات ورجالات الدول- (الاتحاد) الإماراتية- 16 مايو 2010م.