"بداية غير مبشرة".. هكذا يمكن القول عن الأسبوع الأول للجامعات المصرية، سواء من الناحية التعليمية التي شهدت تراجعًا شديدًا وصل إلى أن بعض الكليات أغلقت أبوابها في وجه الطلاب، أو من الناحية الأمنية التي سيطرت على الجامعات لوأد أي نشاط طلابي داخل الجامعة، في الوقت الذي سمحت فيها جامعة الزقازيق بالرقص والغناء داخل حرمها!!.
بداية الفوضى كانت مع أول أيام الدراسة، عندما ذهب الطلاب إلى جامعاتهم ففوجئوا أن يوم السبت إجازة رسمية في معظم الجامعات من المحاضرات والسكاشن؛ الأمر الذي دفع الطلاب للتعامل مع الجامعة كأنها حديقة بلا رسوم.
وتحولت الجامعات إلى كرنفالات احتفال من الطلاب الجدد والقدامى، وانتشر الآلاف من الطلاب والطالبات في شوارع الجامعات، واكتفوا بالبحث عن جداول المحاضرات ومقابلة زملائهم.
وزاد من هذا الكرنفال إعلان عدد من الكليات في جامعات القاهرة والفيوم إرجاء الدراسة إلى الأسبوع القادم، سواء لأعمال الصيانة التي لم تنته بعد، أو لقرار من عمداء الكليات لأسباب مختلفة.
تعسف أمني
ومع اليوم الثاني بدأ التدخل الأمني يطل برأسه؛ حيث فوجئ الطالب أحمد مسعد بالفرقة الثانية بكلية الصيدلة جامعة الزقازيق أثناء دخوله الحرم الجامعي باختطافه من قِبَل بعض مخبري أمن الدولة وأفراد الحرس بعد مطاردته داخل الحرم، واقتاده قائد الحرس بنفسه في سيارته الخاصة إلى قسم ثانٍ الزقازيق؛ ليتم عرضه في اليوم التالي على النيابة التي أفرجت عنه لعدم وجود دليل لاتهامه، ويتم ترحيله إلى مقر أمن الدولة التي أطلقت بالفعل سراحه في اليوم التالي.
الغريب أنه في الوقت الذي أطلقت أجهزة أمن الدولة سراح مسعد، قام مخبروها بالتعاون مع حرس الجامعة باختطاف الطالب بلال فواز بالفرقة الثانية بكلية العلوم بجامعة الزقازيق، أثناء دخوله الحرم الجامعي أيضًا، ليتكرر سيناريو ما حدث مع مسعد مرة أخرى!!.
وقد تحولت الجامعة خلال هذه اليومين إلى ثكنة عسكرية، تحسبًا لأي مبادرات من طلاب الإخوان المسلمين بالجامعة؛ للإفراج عن زميلهيهم المختطفيْن، كما انتشرت سيارات الشرطة "البوكس" داخل الجامعة وبين الكليات؛ وتحوَّلت بوابات الجامعة إلى ممرات للتفتيش الذاتي للطلاب والطالبات، على أن يقوم الأمن باحتجاز أي طالب أو طالبة يُشتبه فيهم، داخل مكتب الحرس لإرهابهم!!.
كما لم يسلم طلاب جامعة المنوفية من محاولات الاختطاف، حيث شهد اليوم الثالث للدراسة محاولة فاشلة من الحرس الجامعي ومخبري أمن الدولة في اختطاف الطالب عبد الله راغب بالفرقة الرابعة بكلية حاسبات ومعلومات أثناء خروجه من الكلية.
وفوجئ راغب بأفراد الحرس الجامعي يحاولون تفتيش حقيبته الخاصة؛ الأمر الذي تبعه محاولات اختطافه، إلا أنه استنجد بعموم الطلاب الذين تجمعوا حول البوابة، وأعلنوا رفضهم التامَّ لتصرفات الحرس، وأنهم لن ينصرفوا إلا بعد أن ينصرف راغب معهم.
وفي اليوم الرابع للدراسة، شهد المجمع النظري بجامعة الإسكندرية، بداية التدخلات الأمنية بالجامعة؛ حيث انتشر عشرات البلطجية الذين جابوا طرقات الحرم المختلفة، برفقة معتز الركايبي "ضابط أمن الدولة، وقام البلطجية بتمزيق لافتات تهنئة الطلاب بالعام الدراسي الجديد في كليتي الآداب والحقوق، كما هشموا محتويات أحد مقرَّات الاستعلامات التابعة لطلاب الإخوان، كما توعدوهم بتكرار هذه الأفعال بصورة يوميّة حتى يتوقفوا عن جميع أنشطتهم!.
وهو ما تكرر في اليوم التالي؛ حيث واصل الركايبي تحركاته المريبة بالجامعة، ومروره في ساحات الجامعة، بصحبة عمداء الكليات وبعض أعضاء هيئة التدريس، تحت حراسة بلطجية الجامعة؛ من أجل استفزاز طلاب الإخوان وافتعال الأزمات معهم.
وفي جامعة عين شمس، اعترض عدد من البلطجية حفلاً فنيًّا أقامه طلاب الإخوان بالفرقة الرابعة بكلية التجارة داخل أحد المدرجات، في إطار ترحيبهم بالطلاب في العام الدراسي الجديد، وقاموا بتقطيع اللوحات وسب الطلاب وتهديدهم بالفصل والاعتقال.
كما هدَّد البلطجية عموم الطلاب من التفاعل مع أنشطة الإخوان وإحالتهم إلى التحقيق أو مجالس التأديب، متوعدين طلاب الإخوان بوقف جميع أنشطتهم داخل الجامعة واستئصالهم منها.
التعسف الأمني تواصل ضد طلاب حركة "شباب 6 أبريل"؛ حيث احتجز حرس جامعة عين شمس أمس الخميس معتز بالله محمد، الطالب بكلية الحقوق لأكثر من 4 ساعات قبل الإفراج عنه، على خلفية توزيعه بيان حملة الحركة التي تحمل اسم "أنت الحل".
وفوجئ الطالب أثناء توزيعه البيان على زملائه بقوةٍ من الأمن تمسك به، وتقوم بسحبه إلى غرفة الحرس قبل أن تقوم بالتحقيق معه، وتحويله إلى مكتب الأمن الإداري وقائد الحرس بعد احتجاز نُسخ البيان التي كانت بحوزته بدعوى أنها "أحراز"!!.
وفي المدينة الجامعية، شهد الأسبوع الأول للدراسة قرارًا من إدارة المدن الجامعية بجامعة الأزهر باستبعاد 155 طالبًا و80 طالبةً من طلاب النقل على مستوى كليات الجامعة، عقب تحريات أمنية مكثفة، أكدت انتماءهم إلى جماعة الإخوان المسلمين!.
تهديدات إدارية
أما التعسف الإداري، فلم يقل عن نظيره الأمني وبدأ من اليوم الأول؛ حيث أبى الدكتور أحمد عليق وكيل شئون الطلاب بكلية الخدمة الاجتماعية بجامعة حلوان أن يمر أول أيام الدراسة بهدوء وسلام؛ وقام بنفسه بتمزيق لافتات طلاب الإخوان لاستقبال زملائهم الجدد، وتهنئتهم بالعام الدراسي الجديد، كما قام بطرد الطلاب الذين حاولوا الاستفسار منه عن سبب تقطيع اللوحات بطردهم من مكتبه، ورفضه إعطاءهم اللافتات، وقال لهم: "ده دليل إدانتكم"!!.
وفي اليوم الثاني للدراسة، قام الدكتور أحمد اللحلح وكيل كلية التجارة بجامعة المنوفية باستدعاء الطالبين مصطفى الحديدي وأيمن فتحي جلبط، وإهانتهما أمام زملائهما، بعد أن وجَّه إليهما تهمة استقبال زملائهما الجدد!!.
وواصل د. اللحلح تعسفه ضد الطالبين، وقام بسحب بطاقات التحقيق الشخصية، وعندما حاولا توضيح وجهة نظرهما صرخ فيهما قائلاً: "اللي عايزين تعملوه اعملوه، انتوا متحولين للتحقيق، ويانا يانتم في الكلية!!".
وهو ما تكرر من الوكيل في اليوم الرابع للدراسة، حين واصل تضييقه على أنشطة طلاب الإخوان، وأصدر أوامر لموظفي الرعاية وعمال الكلية بتمزيق أي لافتات خاصة بطلاب الإخوان!، كما قام باستدعاء 3 من الطلاب إلى مكتبه، وقام بتوبيخهم وتهديدهم بالفصل!.
في الوقت نفسه، اعتدى بعض عمداء الكليات بجامعة المنوفية على طلبة الإخوان بألفاظ نابية مع تهديدهم بالفصل من الكلية أو الحرمان من دخول الامتحانات، وفاجأ الدكتور سعيد شلبي، عميد كلية الطب، جموع الطلاب في اليوم الثالث للدراسة بنزوله إلى ساحة الكلية، وقام بنفسه بتقطيع لافتات التهنئة التي قام بتعليقها طلاب الإخوان!.
تصرُّف العميد دفع أحد الطلاب إلى سؤاله عن السبب في تقطيع اللافتات، إلا أن العميد ردَّ سؤاله بوابل من الشتائم النابية والسباب بشكل وصفه الطلاب بأنه لا يليق بأستاذ جامعي.
وهدَّد العميد جميع طلاب الإخوان بالفصل والإحالة إلى مجالس التأديب في حال تكرار أنشطتهم داخل الجامعة، مذكِّرًا بزملائهم الأربعة الذين أصدر قرارًا بفصلهم العام الماضي؛ بسبب تعليقهم لافتاتٍ كُتب عليها بعض آيات القرآن الكريم!.
وفي اليوم الثالث للدراسة أيضا، فُوجئ 4 من طلاب الإخوان المسلمين بكلية التجارة بجامعة بني سويف بمنعهم من دخول الكلية؛ بدعوى إحالتهم إلى التحقيق بتهمة استقبال زملائهم الجدد، على خلفية مشادة كلامية مع الدكتور محمد يوسف رئيس الجامعة.
وروى أحد الطلاب ما حدث، قائلاً: "بدأنا استقبالنا المعهود بزملائنا الجدد والقدامى أمس، إلا أننا فُوجئنا بالدكتور محمد يوسف رئيس الجامعة باعتراضنا وسحب الكارنيهات منا"!!.
وأضاف: "حاول رئيس الجامعة اجتذاب "اللاب توب" الخاص بي الذي كنت أعرض عليه أقسام الكلية وطبيعة الدراسة بها لزملائنا الجدد، وعندما رفضت قال لي: "أنت وزملاؤك محالون إلى التحقيق"، وتركنا وانصرف"!.
كما أصدرت إدارة كلية الهندسة بجامعة بورسعيد قرارًا بفصل 4 من طلاب الكلية لمدة أسبوع؛ بتهمة تعليق لافتات تحثُّ الطلاب على صيام 6 أيام من شهر شوال، والغريب أن هذا القرار صدر في ظل عدم تعيين عميد للكلية حتى الآن، رغم مرور 4 أيام على بداية الدراسة، بعد الإقالة المفاجئة للدكتور عبده شعبان، العميد السابق!.
وفي اليوم الخامس للدراسة، أحال الدكتور محمد عزوز وكيل الاتحادات والأسر بكلية الآداب بجامعة المنوفية 4 من طلاب الإخوان إلى التحقيق؛ على خلفية حفل أقامه الطلاب لاستقبال زملائهم، ووجه إليهم تهم توزيع "الشيكولاتة" على الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وتعليق البالونات والزينة لاستقبال زملائهم!.
وفي الإسكندرية، مزَّق أحد معاوني الدكتور سعيد عبد العزيز عميد كلية التجارة بالتعاون مع البلطجية كل لافتات تهنئة الطلاب بالعام الدراسي الجديد.
كما شهدت ساحة كلية التربية صباح اليوم الرابع للدراسة نزول الدكتور سالم عبد الرازق سليمان رئيس قسم اللغة العربية إلى مكتب استعلامات طلاب الإخوان، الذي يتم فيه توزيع جدول المحاضرات والرد على تساؤلات الطلاب الجدد، وقام بتمزيق اللوحات التي علَّقها طلاب الإخوان لاستقبال زملائهم وتهنئتهم بالعام الجديد!.
وعندما أوضح له الطلاب أنهم حصلوا على إذن من وكيل الكلية بتعليق اللوحات، رفض ترك اللوحات وقال لهم: "ماليش دعوة بوكيل الكلية"، ولم يكتفِ بذلك بل قام بالتعدي على الطالب مصطفى نصر (الفرقة الثانية- قسم التاريخ) بتوجيه اللكمات إلى وجهه، وصفعه أمام الطلاب؛ حيث كان يقوم بتصوير مشهد تمزيق اللوحات، ثم قام بسحب الطالب إلى مكتب وكيل الكلية مع استمرار التعدي عليه بالسباب والضرب!.
كما أرسلت إدارة كلية الآداب استدعاءً لوليَّيْ أمر الطالبين أحمد سعيد الشاذلي وأحمد جلال متولي، وطالبتهما بالذهاب إلى عميد الكلية للأهمية، فيما يُعد هذا الاستدعاء الأول من نوعه منذ إنشاء جامعة الإسكندرية وحتى الآن!.
تدنٍ أخلاقي
وفي الوقت الذي حاربت فيه إدارات الجامعات أنشطة طلاب الإخوان وسمحت لحرس الجامعة باختطاف الطلاب، سمحت إدارة جامعة الزقازيق لطلاب الاتحاد "المعين" بإقامة حفلات للغناء والرقص لاستقبال الطلاب في بداية العام الدراسي الجديد في خيام صممت تحت عنوان "مبارك مصر" انتشرت في ساحات كليات التجارة والهندسة والتربية!.
الحفلات التي افتتحها رئيس الجامعة شهدت وصلات رقص على أنغام أغانٍ شعبية مثل "بحبك يا حمار"، "شربت حجرين على الشيشة" وأخرى لاقت استهجان عموم الطلاب، واعتبروا تصرفات الإدارة تبديدًا للمال العام الذي ينفق في مثل تلك الأنشطة التي لا تعود على الطلاب بشيء!.
وزاد الأمر سوءًا بسماح إدارة الكلية لعددٍ من الطلاب والطالبات بالقيام بوصلة رقص على هذه الأنغام، وسط تصفيق من الحضور وصفير الطلاب، فضلاً عن تلفَّظ عددٌ من الطلاب بألفاظ خادشة للحياء.
مطالب حقوقية
وعلى الصعيد الحقوقي، طالب مركز "حقي للحريات الجامعية" برفع يد الأمن عن إدارة الجامعات، وإتاحة المزيد من الحريات للطلاب؛ لممارسة نشاطهم التعليمي والثقافي والاجتماعي داخل الجامعة، حتى يتخرَّج جيل صالح، يشعر بالانتماء إلى وطنه، وقادر على العطاء وممارسة حقوقه، وتحمل مسئولياته تجاه وطنه وجامعته.
وناشد المركز- في بيان له- رؤساء الجامعات وعمداء الكليات والأساتذة أن يقوموا بدورهم في منع تدخل قوات الأمن في العملية التعليمية، وحماية الطلاب من البطش الأمني، وإتاحة الفرصة لجميع الطلاب بدون تمييز؛ لممارسة النشاط الطلابي داخل الجامعة دون تعسُّف.
وشدَّد البيان، الذي حمل اسم "بداية غير مبشِّرة للعام الدراسي"، على أن الإجراءات التي شهدتها الجامعات المصرية في الأيام الأولى من الدراسة تخالف الدستور والقانون، كما تخالف قانون تنظيم الجامعات المصرية ومبادئ حقوق الإنسان، مشيرًا إلى أنها ستؤثر بالسلب على العملية التعليمية، وعلى حقوق وكرامة الإنسان المصري.