على مدار السنوات الماضية، اعتاد النظام المصري تزوير إرادة النشء الجديد وحاضر البلاد ومستقبلها من طلاب الجامعات المصرية، وتعيين اتحادات طلابية تابعة للأمن ولإدارات الكليات، في محاولة منه لإقصاء طلاب الإخوان المسلمين وكل طلاب القوى السياسية من دخول الاتحاد.
خوف النظام الذي انتقل إلى رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، جعل العديد منهم يستبق الانتخابات بتعيينات مبكرة، وإحكام خطط ومؤامرات على عموم الطلاب أن طلاب النشاط لم يكملوا أوراق ترشيحهم، أو أنهم غير مؤهلين لدخول الاتحادات لما صدر في حقهم من قرارات فصل، ولتخدم هذه "الأكاذيب" مخططهم في تشويه صورة الطلاب!.
خطة محكمة
أولى نقاط الخطة الحكومية التي تتبعها على مدار السنوات الماضية هو إعلان عن فتح باب الترشيح للانتخابات في أيام تقل فيها الكثافة الطلابية بالجامعة، كالعشر الأواخر من رمضان أو بين إجازتين أو عقب إجازة العيد مباشرة، وفي وقت متأخر من النهار حتى يضمنوا أن الطلاب لن يروا الإعلان ويفاجئوا في اليوم التالي أنه مطلوب منهم تجهيز أوراقهم خلال ساعتين فقط، وهو ما لم يستطيعوا أن ينجزوه!.
وتأتي النقطة الثانية، بعدم قبول أوراق طلاب النشاط، سواء بعمل "طوابير" وهمية أمام مكتب شئون الطلاب، أو عدم السماح للطلاب بسداد مصروفاتهم في هذا اليوم، أو خروج موظفي الرعاية من مكاتبهم لساعات طويلة لأي سبب، أو تسلُّم الأوراق وعدم إعطاء الطالب إيصالاً بالاستلام، أو إعطائه إيصالاً غير مختوم من الكلية، وهو ما يعتبر غير قانوني!!.
وتتابع الخطة بإغلاق باب الترشيح قبل موعده بساعات، حتى لا يستطيع من حاول استكمال أوراقه من تقديمها، ويتم بعدها إعلان القوائم الابتدائية التي غالبًا ما يكون فيها أسماء مَن استطاع من طلاب النشاط أن يقدم أوراقه.
وتحاك المؤامرة مرةً أخرى، بتقديم طلاب الأمن طعونًا ضد طلاب النشاط، ليتم استبعادهم من القوائم النهائية التي لا تظهر إلا بعد انصراف الطلاب من الكليات والجامعات، حيث اعتادت الإدارات تعليق كشوف الطلاب في الثامنة والنصف من ليلة ما يسمونه "الانتخابات"، حتى لا يتثنى للطلاب الاعتراض على شطب أسمائهم.
وفي اليوم التالي، تقام انتخابات صورية تختلف نتائجها بين كلية وأخرى، ففي بعض الكليات يخرج عميد الكلية ويقول إن النصاب القانوني لم يكتمل وبالتالي سيتم تعيين الاتحاد، أو يخرج عميد آخر ويعلن نجاح العملية الانتخابية بفوز 52 مرشحًا، هم الموجودون في القائمة النهائية بالتزكية.
الخطة بتفصيلاتها اعترف بها الدكتور عكاشة عبد العال نائب رئيس جامعة الإسكندرية لشئون الطلاب لوفد طلابي أمام وفد طلاب الإخوان بالجامعة العام الماضي، حين أكد أن لائحة 79 الطلابية بها العديد من الثغرات التي يتم من خلالها منع الطلاب من التقدم بأوراقهم للترشيح في انتخابات اتحاد الطلاب، وهو ما أدَّى إلى تزوير الانتخابات ضد طلاب الإخوان المسلمين وغيرهم من ذوي الاتجاهات السياسية لصالح طلاب يتم اختيارهم أمنيًّا.
وأضاف أن اللائحة الطلابية الحالية المنظِّمة لانتخابات الاتحادات الطلابية هي أحد أهم أسباب تراجع وتدهور وضع الاتحادات الطلابية في جامعات مصر، مؤكدًا أن هذه اللائحة بها العديد من الثغرات التي يتم من خلالها منع الطلاب من التقدم بأوراقهم للترشيح في الانتخابات.
واستطرد: "صحيح أن إثبات النشاط أمر غاية في التعقيد، خاصةً بالنسبة لطلاب الفرق الأولى في الجامعة، فضلاً عن أن الجامعة لن تقوم بإصدار إثبات نشاط لطلاب إلا بعد الموافقة الأمنية"!!.
(إخوان أون لاين) حاول استقراء السبب وراء مثل هذه الخطط التي تحاك ضد الطلاب، وسأل الطلاب وأساتذة الجامعات عن أسباب هذا التضييق وكان التقرير التالي.
يستنكر عبد الحميد سيد (تجارة القاهرة) التضييقات الأمنية على أي طالب يريد أن يقدم خدمةً لزملائه في الكلية، متعجبًا من وجود انتخابات من الأساس لاتحاد الطلاب، وقال: "الاتحاد لا يمثل أي شيء بالجامعة، بل هو نظام فاشل لا يقوم بأي أعمال خدمية للطلاب"!.
![]() |
|
لافتة علقها طلاب المنصورة العام الماضي ضد تزوير الانتخابات |
ويتعجب من أن تسمح الإدارات للاتحادات المعينة بنشاطات لا أخلاقية، تتمثل في رحلات مختلطة، أو حفلات راقصة تتسم بالخلاعة لجذب ذوي النفوس الضعيفة حولهم، في الوقت الذي تتم فيه محاربة أصحاب الهدف والرؤية من أبناء الحركات السياسية!!.
ويؤكد أن الاتحاد أصبح اسمًا، ومقرات فقط، ولا شيء بعد هذا".
وتنتقد عبير عبد الله (حقوق عين شمس) التعامل الأمني معها في انتخابات العام الماضي؛ حيث تم شطبها من الانتخابات رغم تقدمها بكافة الأوراق المطلوبة بما فيها إثبات النشاط، إلا أن الشطب كان مصيرها كما كان مصير باقي زملائها من غير طلبة الأمن.
وتضيف إن خدمات الاتحاد مقتصرة على أعمال غير مفيدة للطلاب، مشيرة إلى أن الانتخابات التي تتم في سرية تامة، وتحت إمرة الأمن؛ جعل من يمثل الطلاب مجموعة من المخبرين الذين لا يهدفون إلا لمصلحة أنفسهم!!.
وقالت: "هؤلاء المعينون من قِبل الأمن ليس لهم مقار من الأساس لنتواصل معهم فيها، ولا نعرف لهم وسيلة اتصال، فكيف إذًا سيخدموننا؟، وكيف سيعلمون طلباتنا ويدافعون عنها؟".
ويقول خالد درويش (إعلام القاهرة) إن الاتحاد الرسمي أصبح مشروعًا استثماريًّا للطلاب؛ حيث إن الطلاب يسعون للدخول في الاتحادات؛ بغية الحصول على امتيازات الجامعة من أموال ودورات تذهب لغير مستحقيها.
ويضيف: إن هناك العديد من الاتفاقيات المبطنة بين أسر الاتحاد والأمن وإدارة الجامعة في ضمان ولاء هؤلاء الطلاب إلى ما تريده إدارة الجامعة، ضاربًا المثل بالحفلات والرحلات المختلطة، مشيرًا إلى أن هناك العديد من التجاوزات التي تحدث في هذه الحفلات والرحلات من تحرشات، فضلاً عن أن الاتحاد أصبح "وكرًا" للجمع بين الطلاب والطالبات في أماكن مشبوهة!.
من جانبه، شدد الدكتور هاشم البحري أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر على أهمية ممارسة الطلاب للعمل السياسي داخل الجامعة، وأهمية التدرب على السياسة داخل الجامعة بالنسبة للطلاب حتى يتعلم الطالب في المقام الأول التعبير عن وجهة نظره ووجهة النظر الأخرى.
وقال إن التدخل الأمني الفج في الحياة الطلابية دفع الأنشطة إلى طريق مجهول، مشيرًا إلى أن إدارات الكليات اتخذت من العصا الأمنية وسيلة لتحقيق أهدافها وأهداف النظام في وأد أي نشاط سياسي أو حزبي داخل الجامعة.
ويوضح أن تزوير الانتخابات الطلابية ضد طلاب ما زال في طور النشء والتكوين جريمة أخلاقية يجب أن يحاسب مرتكبوها عليها، خاصة أن هذه الفئة من الشباب التي يتم تزوير أصواتها ستتعلم أن المستقبل سيتم تزويره أيضًا ضدهم، وبالتالي إما أن يسيروا في قطار المزورين أو في قطار المهاجرين!!.
قمع
ويؤكد الدكتور علاء السيوفي أستاذ مساعد بكلية العلوم جامعة القاهرة أن تزوير انتخابات الاتحادات الطلابية حلقة ضمن حلقات الفساد التي تنتشر بأيدٍ خفية، محملاً إدارة الجامعة المسئولية كاملة عن تدهور وتفاهة النشاط الطلابي، وتعجَّب: "في احتفال مئوية جامعة القاهرة يتم استضافة مغنى ومغنية بدلاً من أن تقوم إدارة الجامعة باستضافة علماء مصر" في الوقت الذي تساعد على تغييب النشاط المعتدل المستنير المتمسك بالقيم والأخلاق التي يتفق عليها الجميع وتتفق عليها جميع الأديان.
وأضاف: "إدارات الجامعات بسياساتها الأمنية تقمع الحياة الطلابية وتاريخها العميق، وتوقف قطار بدأه شموخ ورموز كبار في السبعينيات والثمانينيات، وتنتهي به إلى المربع صفر"!.
