جدل واسع في الجامعات بعد قرار وزير التعليم العالي بإلغاء درجات الرأفة، حيث ذهب البعض إلى جدواه فيما رفضه البعض الآخر، إلا أن الاثنين اتفقا أن وزير التعليم العالي بدأ بالحلقة الأضعف في العملية التعليمية؛ ليبدأ الإصلاح من خلالها متجاهلاً أسباب الفشل الرئيسية وأسباب انخفاض عدد المتفوقين دراسيًّا في الجامعات المصرية، مطالبين بوضع إستراتيجية ثابتة للتعليم الجامعي بعيدًا عن القرارات الوزارية المفاجئة.

 

وكان هاني هلال وزير التعليم العالي أعلن أمام لجنة التعليم والبحث العلمي في مجلس الشورى أن الجامعات ستبدأ من العام القادم عدم العمل بنظام درجات الرأفة التي توضع للممتحنين لمساعدتهم على النجاح في بعض المواد، ووصفها بأنها بدعة لا أساس لها وأنها تخل بمبدأ تكافؤ الفرص، وتسهم في تراجع العملية التعليمية، كما حمَّلها مسئولية فشل الجامعات المصرية في الحصول على ترتيب دولي!.

 

(إخوان أون لاين) سأل طلاب الكليات المختلفة وخبراء حول رأيهم في قرار إلغاء نظام درجات الرأفة، وهل يرون أن تلك الدرجات هي العائق الأساسي لتقدم الجامعات المصرية مثلما يراها وزير التعليم العالي؟

 

قال محمود عبد الرازق (طالب آداب قسم آثار): إن درجات الرأفة كفكرة تعتبر سيئة، ولكنها ضرورية في ظل الفشل الدراسي الذي يعاني منه طلاب الجامعات، فالتعليم في مصر، وخاصة التعليم الجامعي لا يثير حماسة الطالب لكي يذاكر ويتفوق ويحصل على الدرجات النهائية، ففي البداية غالبية الطلاب أُجبروا على كليات لا تناسب ميولهم؛ بسبب نظام التنسيق والمجموع، ثم أُجبروا على محاضرات في غاية الملل وحضور في قاعات مزدحمة جدًّا؛ لكي يدرسوا ثم أجبروا إما على مذاكرة كتب الأساتذة التي لا تفهم بسهولة وتحتاج تفسيرًا أو المذاكرة من الملازم الخارجية؛ ما يؤدي إلى أن الطالب يركز على المواد السهلة ويذاكرها بقوة، أما المواد الصعبة فيذاكرها "نص نص" لكي يحصل فيها على 8 أو 9 فيجبر المصحح على رفعها بدرجات الرأفة؛ ليحصل على 10 من 20، وتستمر المسيرة هكذا طوال فترة الكلية.

 

وأضاف أن السبب الآخر لاعتماد الطلاب على درجات الرأفة للنجاح وعدم سعيهم للتفوق أن انعدام الأمل في وجود وظيفة في مجال دراسته أو في التعيين في الجامعة إلا بواسطة أو برشوة ما يدفع الطلاب للسعي وراء النجاح البسيط، وليس التفوق، ولهذا تجد أن غالبية الطلاب ناجحون، لكن أقلية هي التي تحصل على تقديرات عالية، ولهذا درجات الرأفة شر لا بد منه؛ حتى يتم الإصلاح في الجامعات.

 

واستنكر عبد القادر حسن (طالب 3 حاسبات ومعلومات ج.القاهرة) أن الوزير لم يجد أضعف من الطالب؛ لكي يبدأ الإصلاح منه، مؤكدًا أنه لو كان جادًّا في الإصلاح كان عليه أن يبدأ من أسلوب التدريس المنفِّر الذي يجعل الطلاب لا يلتزمون بحضور المحاضرات ويفضِّلون التنزه في الجامعة على حضور المحاضرة.

 

ودعا حسن وزير التعليم العالي إلى أن يبدأ بإصلاح الكتاب الجامعي؛ حتى يقبل عليه الطلاب بدلاً من الهروب منه إلى دروس المعيدين والملخصات، مشيرًا إلى أن طريقته تشبه من يعالج السرطان بحبة أسبرين، فكيف سيؤدي إلغاء درجات الرأفة إلى جعل الكليات ذات مرتبة عالمية، كما يقول الوزير وكأن مشاكل التعليم كلها تجمعت في الدرجتين اللتين يتم إعطاؤهما للطالب لكي ينجح؟، أنا مع إلغائها ولكن ليس بتلك الطريقة.

 

ويرى أشرف صلاح الدين (طالب 3 حقوق) أن الحكومة دائمًا تعالج مشاكلها "بالمقلوب" فهي تحمِّل الطلاب مسئولية أننا أخذنا صفرًا في الترتيب العالمي للجامعات، رغم أن أسلوب الحكومة هو السبب في هذا الصفر.

 

وقال: أنا لن أتكلم عن درجات الرأفة لأني طالب متفوق، وأقل تقدير لي هو جيد ولكن أتكلم عن تحميل درجات الرأفة، والطلاب المسئولية حسب تصريح الوزير الذي نشرته وسائل الإعلام، فدائمًا الحكومة تحمِّل الشعب مسئولية مصائبها وكأنها هي البريئة.

 

وتساءل: من الذي ابتدع درجات الرأفة وعوَّد عليها الطلاب أليست هي الحكومة، ومن الذي ترك التعليم الجامعي ولم يطوره أليست هي الحكومة، فلماذا تقول هذا بعد عشرات السنين من إدمان الفشل؟

 

وأوضح صلاح الدين أنه مؤيد تمامًا لإلغاء درجات الرأفة بشرطين، وهما التعليم الجيد والتصحيح الجيد، فكيف لطالب لا يذاكر طوال السنة أن يحصل على تقدير؟، وكيف لصديقي المتفوق أن ينجح بمادتين رغم أنه ملتزم بالمذاكرة من أول العام؟ فيجب على الحكومة أن تنتبه لتلك المشكلة، وهي مشكلة التصحيح الخاطئ وتوزيع الدرجات السيئ الذي لا يعطي الطلاب حقوقهم.

 

وسخَّر رامي صبري (طالب 4 تجارة محاسبة) من القرار، واصفًا إياه بأنه سيؤدي لسقوط ثلاثة أرباع الدفعة؛ لأن الطلبة تعودوا على هذا، وأدمنوه ولن يستطيعوا أن يتخلوا عنه بسهولة، رغم أنه قرار صحيح في الوقت "الغلط"، فنظام التعليم كله يحتاج لإصلاح.

 

وتساءل: لماذا بدأ الوزير بالطالب ولم ينتبه للجامعة والكلية التي لا تخرج طلابًا متفوقين وجيدين؟، لماذا في الجامعة الأمريكية غالبية الطلاب من المتفوقين، وأصحاب التقديرات والأقلية هم الفشلة والناجحون "نص نص"، بينما في الجامعات الحكومية العكس صحيح، فالغالبية إما ناجحة بالرأفة أو طالع بمادتين أو راسبة، بينما الأقلية هم المتفوقون وأصحاب التقديرات.

 

وأشار صبري إلى أن المصححين في غالبية الكليات، خاصة الكليات النظرية التي تتمتع بكثافة عالية جدًّا تصل لأكثر من ألف طالب في المحاضرة مطلوب منهم أن يصححوا أوراق امتحاناتهم في أسرع وقت، وبالتالي تحدث أخطاء كثيرة لا يمكن تلافيها.

 

وأضاف محمود علاء (طالب 3 تجارة) أنه يؤيد قرار إلغاء درجات الرأفة، ولكن على الوزير أن يضع رقابةً مشددةً في لجان التصحيح؛ لأن المصائب تحدث بسبب عدم دقة التصحيح، وليس بسبب درجات الرأفة فتجد المتفوق "طالع بمادتين"، وتجد الفاشل "حاصل على تقدير".

 

وأشار محمد مجدي (طالب 3 كلية حقوق) إلى أن درجات الرأفة ليست هي المشكلة في التعليم السيئ طوال العام والتصحيح الأسوأ للامتحان فلو أراد الوزير إلغاء درجات الرأفة فلا مانع، ولكن عليه أن يضمن لنا أنه سيحل مشكلة التصحيح المتكررة في كلية حقوق.

 

من جانبه رفض د. محمد رأفت أستاذ المناهج بكلية التربية جامعة الزقازيق ربط الوزير بين درجات الرأفة والتصنيف العالمي للجامعات؛ لأن التصنيف له معايير عديدة ليس منها درجات الرأفة، مضيفًا أن درجات الرأفة تعتبر مشكلة كبيرة بالنسبة للطلبة الذين تعوَّدوا عليها وبالنسبة للأساتذة الذين يرون أنها غير عادلة، ولكنها مشكلة من ضمن المشكلات التي تواجه التعليم الجامعي وتصحيح الامتحانات.

 

وأشار إلى أنه على الوزير كما منع درجات الرأفة أن يشدد بالمقابل الرقابة على عملية تصحيح الامتحانات ويعطيها الاهتمام الأكبر، ومتابعة المصححين حتى نضمن عدم وقوع ظلم للطالب أو للمصحح، ولكي يتم منع الأخطاء التي يشتكي منها بعض الطلاب، نتيجة سهو أو قصور من أحد الأساتذة المصححين.

 

وأضاف أن درجات الرأفة بدعة سيئة ابتدعها نظام التعليم المصري؛ لكي يوازن بينها وبين أخطاء التصحيح واستمرت تلك البدعة تترسخ في النظام التعليمي، حتى أصبحت جزءًا منه وأصبح الأساتذة يعانون منها، وأصبح بعض الطلاب الفاشلين والمهملين يعتمدون عليها للنجاح في بعض المواد.

 

وأوضح أن من بدائل درجات الرأفة التي تساعد بعض الطلاب الذين يعانون من أخطاء التصحيح في مادة أو اثنتين أن يتم تفعيل والاهتمام بإمكانية إعادة رصد الدرجات للطالب الذي يشك في مجموعه وإمكانية إعادة تصحيح الورقة بالكامل، وأن يقوم الوزير بالاهتمام بهذين العاملين وتدعيمهما، بالإضافة للاهتمام بعملية التصحيح لإعطاء فرصة للطالب لكي يأخذ حقه كاملاً، حتى يكون إلغاء درجات الرأفة ذات كفاءة وفاعلية.

 

وأكد د. حسني السيد أستاذ المناهج كلية التربية جامعة عين شمس أن درجات الرأفة طريقة خاطئة لمعالجة مشاكل التصحيح والامتحانات وأنها كانت يجب أن لا يتم وضعها من الأساس في العملية التعليمية، ولكنها وضعت وأصبحت مشكلتها تتفاقم يومًا بعد يوم، حتى أصبحت الملجأ لبعض الطلاب المظلومين في التصحيح للنجاح، وبعض الطلاب الذين لا يذاكرون بما فيه الكفاية ويعتمدون عليها للنجاح.

 

وأضاف أن المنظومة التعليمية كلها تحتاج إلى إعادة تأهيل وإصلاح على يد خبراء أكفاء يتقون الله في أبنائهم الطلاب، فليس صحيح ما يزعمه الوزير أن تلك الدرجات سبب رئيسي في عدم حصول الجامعات المصرية على ترتيب عالمي ضمن 500 جامعة حول العالم فهي ليست من المعايير، ومصر حصلت على صفر بسبب مشاكل أعظم من هذه المشكلة بكثير فلا يجب تحميل الأمر أكثر ما يحتمل.

 

وأوضح أن الجامعات المصرية تحتاج لتغيير مفاهيم قبل اتخاذ قرارات، فأولياء الأمور لا يسألون أبناءهم ماذا تعلمت في جامعتك، وإنما يسألونه ما درجتك فالعلم ليس هو المهم ، المهم أنه "يخلص جامعته ويعدي"، وهذا مفهوم ترسخ على مر السنين، مفهوم أن العبرة بالنجاح وليس بالتفوق والإبداع ومقدار العلم الذي استفاده من جامعته.

 

وشدَّد على أن المشكلة التعليمية ليست في درجات الرأفة بشكل رئيسي كما يحاول أن يقول الوزير وإنما في ضعف الإمكانيات التعليمية المتاحة، وحتى تلك الإمكانيات لا يتم استغلالها بالشكل الأمثل وإهدارها، حيث لا يوجد في مصر استثمار حكومي في التعليم بصفته المنتج الأساسي للموارد البشرية ولا يوضع على قائمة أولويات الحكومة.