ركبنا البحر من إسنا صباحًا    فكنا في المساء نؤوم إدفو

فهبَّ الريح من إدفو علينا      "فإتفو" يا رياح عليك "إتفو"!

 

هذه الأبيات الساخرة كتبها حفني ناصف بك حين كان قاضيًا في الصعيد، وكان عليه أن يسافر بالسفن الشراعية من إسنا إلى إدفو، فهبَّت عليهم ريح عاصفة أثارت الرعب والحنق في نفس الأديب الكبير، فكتب هذين البيتين الطريفين، مستخدمًا الجناس الناقص بين كلمة إدفو و"إتفو" العامية التي تعني البصق، أعزكم الله!.

 

تذكرت هذين البيتين عندما أتحفتني جريدة "الأهرام" يوم الأحد 17 أكتوبر الجاري كجري لاعبي منتخبنا القومي في النيجر أم معزة، أقول: لقد أتحفتنا الأهرام برسم كنا نسميه رسمًا بيانيًّا، ولكن يبدو أن الأهرام بعد صورتها التعبيرية الشهيرة دخلت عصر التقدم والرقي؛ إذ أطلقت على الرسم البياني مصطلحًا جديدًا هو "إنفو جرافيك".

 

ومع ضلوعي وخبرتي في مجال الجرافيك والصور التعبيرية وإخراج الصحف والمجلات؛ فإن هذا التعبير المفتكس أحرجني أمام نفسي وأظهر جهلي وتخلفي عن التكنولوجيا وعالم الصور التعبيرية الأهرامية.

 

ولكن من الصعب على النفس الاستسلام بسهولة، فرحت أُعمل فكري مجتهدًا بحصيلتي اللغوية في اللغات الحية والأفاعي، فتخيلت أن الكلمة تتكون من مقطعين الأول (إنفو) أي معلومات والثاني (جرافيك) أي التصميم، هكذا ببساطة دون الدخول في تفاصيل تقنية أو لغوية لا داعي للفذلكة والمنظرة باستعراضها.

 

وعليه أقنعت نفسي بخبرتي وسعة اطِّلاعي وتنفست الصعداء والنزلاء وقلت: "انفو جرافيك: عمرو الصاوي" يعني أن السيد عمرو الصاوي هو الفنان الذي اضطلع بإعداد المعلومات وتنفيذ التصميم والرسم البياني.

 

وقبل أن أفتح نافذة الحجرة لأنادي على أهل الحارة على طريقة ممثلي الكوميديا: "إحنا لسه بنفهم يا بلد!".

 

صفعتني جريدة "الأهرام" باسم يسبق اسم الإنفو جرافيك هكذا: "إعداد بيانات: وائل شهبون"!.. طبعًا لم يستوقفني الاسم النادر، ولكن إذا كان هناك مُعِدٌّ للمادة فتفسيري السابق غلط في خطأ.

 

إلى هنا غلب حماري كما يقولون، فطويت الجريدة، وأغلقت النافذة، وتابعت برنامجي اليومي، خاصةً ونحن في حالة انتظار برامج ومسرحيات مرشحي الانتخابات.

 

المفاجأة الكبرى كانت تنتظرني في اليوم الثاني، يوم الإثنين 18 أكتوبر؛ الذي ما زال جاريًا مثل جري لاعبي النادي الأهلي بلا فاعلية في ضيافة تونس الخضراء الممطرة، فقد وجدت نفس اللهو الخفي أقصد "الإنفو جرافيك" يتصدر الصفحة الأولى للأهرام!.. وإذا كنا نقول إن خبطتين في الرأس توجع، فما بالك باثنين إنفو جرافيك في يومين متتاليين على الريق!.

 

ألقيت الجريدة بسرعة قبل أن يشاهدها شخص ما في يدي ويسألني عن معنى "الإنفو جرافيك" ويكتشف جهلي وتخلفي.

 

ولكن اعتكفت في جحرتي- طبعًا لا يوجد اعتكاف في المساجد- وبدأت أرسم بعض السيناريوهات للهجمة الإنفو جرافيكية التي أتحفتنا بها "الأهرام"؛ لتكون جاهزةً للردِّ على أي سؤال محتمل يواجهني به أي مواطن خبيث مدفوع من قوى خارجية مغرضة أو داخلية محظورة.

 

- فقلت: هل هناك إحساس ما بالذنب والعار بعد فضيحة الصورة التعبيرية، فافتكست "الأهرام" هذا الإنفو جرافيك؛ لتثبت للعالم أن لديها مواهب تعبيرية لا يدانيها فيها أحد أو اثنان أو ثلاثة؟! ربما.

 

- وقلت هل ثمة علاقة ما بين "الإنفو جرافيك" والانتخابات القادمة، فقد تكون هذه كلمة السر لمرشحي الحكومة والحزب، تمامًا كما كانت كلمة "ديليسبس" كلمة السر في خطاب ناصر 56 لتأميم القنال، كما عرّفنا السيناريست محفوظ عبد الرحمن؟!

 

ولك أن تتخيل معي أيها المواطن مدى العبقرية الإنفو جرافيكية التي سيتمتع بها مرشحو الحزب عندما تصلهم هذه الكلمة المشفرة؛ فيسارع كل منهم بدفع المعلوم وتجهيز المستندات التي تثبت الولاء لمبادئ الحزب كالأحكام القضائية والسوابق والجرائم المالية، والأراضي المنهوبة أو الممنوحة، والتنسيق الوطني مع البلطجية لعدم تعارض المصالح في هذه الأوقات المصيرية الحرجة، التي لا تحتمل نجاح أي محظور أو معارض بحق وحقيق.

 

- وقلت ربما يكون الإنفوجرافيك هو الموضوعية والمهنية المفتقدة في الإعلام؛ ما تسبب في وقف (القاهرة اليوم) وصفقة جريدة (الدستور) وإغلاق القنوات الدينية السلفية التي لا دخل لها بالسياسة من قريب أو بعيد!.

 

هل "الإنفو جرافيك" هو المقابل الموضوعي للشعوذة والخرافة والفتاوى الجاهلة غير الموضوعية وطب الأعشاب.. إلخ التهم الموضوعية؛ التي قيل إنها السبب الموضوعي في الغلق الموضوعي لتلك القنوات غير الموضوعية في تناولها الإعلامي لقضايانا الموضوعية؟! ربما.

 

قد يصح هذا الكلام، خاصةً والأهرام هي الصفيحة- عفوًا- الصحيفة القومية الأولى والكبرى، وهل ينسى أحد من قاطني القطر المصري- لا علاقة لها بالقطن ولا القطار- بيان رئيس مجلس إدارة الأهرام الذي قال فيه كلامًا كبيرًا "مجعلصًا" عن الذين تجاوزوا الموضوع إلى الصورة التعبيرية، وقفزوا من الصورة إلى الجريدة إلى المؤسسة إلى معرفشي إيه إلى أبصر إيه، حتى وصل إلى الدولة والوطن والشعب العربي والأمة الإسلامية.. كل هذا حتى لا يعترف بخطأ ساذج واضح وضوح عراقة الحزب الحاكم في التزوير واللعب في صور الوطن والمواطن التعبيرية.

 

وحتى لا تتهمني أيها القارئ الحبيب بالتجني بالاستطراد في السخرية من جريدة عريقة؛ أذكر مثالاً مخزيًا لمشاركة هذه الجريدة والصفيحة- عفوًا مرةً أخرى أقصد الصحيفة- في تغييب الرأي العام بالشعوذة والدجل والخرافة وتغييب العقل بشكل ساذج لا يتناسب مع جريدة عريقة أو حتى جريدة نخلة:

فقد نشرت جريدة "الأخبار" يوم جمعة منذ شهر تقريبا تحقيقًا عن كرامة مذهلة في قبر أحد الأولياء بالشرقية، تظهر على جدرانه الرخامية الشفافة صور الأنبياء والمرسلين والسيدة العذراء والشيخ الشعراوي، وصور غار حراء وخاتم النبي صلى الله عليه وسلم في سابقة لم تحدث في التاريخ من قبل.

 

وذكرت الأخبار في التحقيق قصة اكتشاف هذا الضريح التي رواها المواطن صاحب البيت والقائم على أمر الضريح.

 

وقال هذا المواطن إن هذه الصور هي رسالة من صاحب الضريح إلى أصحاب الرسالات السماوية الثلاث؛ ليعم بينهم السلام والمحبة ووقف العدوان والحرب فيما بينهم، في أضخم وأكبر معجزة إلهية عرفتها البشرية عبر تاريخها القديم والجديد.

 

وطبعًا قالت الأخبار إنها تضع الموضوع برمَّته بين أيدي العلماء والفقهاء والمختصين؛ ليفسروا هذه الظاهرة الخارقة المعجزة، تمامًا على طريقة السيد هيكل بعد ذكر روايته عن قهوة السادات التي صنعها بنفسه لجمال عبد الناصر ثم تعقيبه بيقينه الشخصي في استحالة إقدام السادات على تسميم ناصر!.

 

لقد روَّجت الأخبار للخرافة ثم تظاهرت بالموضوعية في طرح الموضوع أمام العلماء لتفسيره.

 

لم تدقِّق الجريدة في القصة الطريفة التي ذكرها الرجل عن اكتشافه للضريح، خاصة أن الأوقاف أو الآثار أو الجهات العلمية المحايدة لم يكن لها دور يذكر في تمحيص الاكتشاف المزعوم.

 

ولم يلتفت أحد إلى الكلام الساذج المتهافت الذي لا يليق أن ينشر في صحيفة كبرى في القرن الواحد والعشرين ولا حتى في شارع العشرين ببولاق الدكرور، أعني به الكلام عن أكبر معجزة شهدها التاريخ!.

 

خلاصة الهمِّ الذي أصبحنا لا نعرف من أين يأتينا ليل نهار، تابعت الأخبار يوم الأحد القضية، وذكرت وصوَّرت المواطنين الذين صدقوا الخرافة وشدوا رحالهم إلى حيث الكرامة والدجل، وافترشوا الأرض وسدوا الطرقات في انتظار إذن خادم الضريح لهم برؤية المعجزة حين تظهر في وقتها غير المحدد غير المعروف.

 

وأرفقت بالموضوع صورًا للكرامة المزعومة لنرى صورًا للسيدة العذراء كما يرسمها الغربيون، وصورًا أخرى معروفة ومعروضة على شبكة المعلومات "النت".

 

القصد هو ترويج الخرافة وإلهاء الناس، ولا يشفع تضمين المقال لآراء مشايخ الأوقاف والأزهر الذين رفضوها وذكّروا الناس بثوابت الدين والعقل.

 

طبعًا معروف للجميع موقف أهل السنة والجماعة من الإيمان بالكرامة وإن كانت لا تثبت ولا تنفي شيئًا من الشريعة، ولا تُطلب إلى غير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة.

 

ولكن ما نحن بصدده هو استخدام الخرافة والشعوذة والدجل في إلهاء الناس في الوقت الذي تباع فيه الطماطم بعشرة جنيهات والانتخابات على الأبواب والكتب الخارجية تمثيلية محكمة لتدويخ وتطليع عين المواطن المطحون.

 

لم يسأل أحد عن المؤهلات الدينية لذلك الذي يبشِّر بأعظم معجزة شهدها التاريخ، بل تفرد له الصفحات ممن هاجموا القنوات الدينية؛ بحجة عدم تخصص القائمين عليها!

 

لم يسأل أحد عن مدى الفتنة التي قد تؤدي إليها هذه الخزعبلات الساذجة عند العامة.

 

لم يخرج السادة العلمانيون الذين يملؤون هذه الصحيفة وأمثالها ويعترض أو ينبه لخطورة هذه الأساليب، بينما هم يصدعوننا على مدار الأربعة والعشرين ساعةً باحترام العقل والتصدي لمروجي تغييب العقل والمعتزلة واسمه إيه ومدرك إيه!.

 

نرجع الآن إلى الإنفوجرافيك، ولك أن تسألني: وما دخل الأهرام بهذه الحدوتة الطويلة العريضة؟ أم أنك لم تصدق أن تجد من يقرأ مقالك فأردت تعذيبه؟

 

دخل "الأهرام" هو المشاركة في المسخرة والهزل، بما لا يليق كما قلنا بصفيحة أو سعفة، فضلاً عن صحيفة وجريدة من انتقدها فقد انتقد الوطن والدولة كما افتى رئيس مجلس إدارتها.
فبعد نشر الأخبار للموضوع ومتابعته إخباريًّا بما يزيد عن الأسبوعين قام صحفي كبير جدًا من الذين تُفرَد لتحقيقاتهم ومقالاتهم صفحة كاملة في الأهرام بإعادة الموضوع الماسخ والخرافة الهبلة، فقد كثرت كلمة ساذجة في المقال ولا بد من التغيير كما تطالب القوى الوطنية- بنفس الصور ونفس الحدوته.

 

مهنيًا الموضوع محروق بلغة أهل الصنعة يا دعاة الإنفوجرافيك والصور التعبيرية، ولا يصح أن تتبع الصحيفة الكبيرة من هو أصغر منها أو من هو ندٌّ لها، وإلا فماذا تركت للصحف الصفراء والخضراء والكاروهات؟

 

الطريف أن الصحفي الأهرامي التعبيري الكبير ذكَّرنا بأنه كان ناقلاً لمعجزة ظهور السيدة العذراء بكنيسة الزيتون في الستينيات.

 

ولا نعرف لماذا لم يذكر ظهورها في كنيسة الوراق الأعوام الماضية ما دام متخصصًا في المعجزات والكرامات فربما بنى له القراء مقامًا يظهر فيه إن لم يكن فوق مئذنته، فعلى الأقل على جدرانه الرخامية، فليس من المستبعد أن تشارك الأهرام بسخاء وتعبيرية في بناء هذا الضريح بعد عمر طويل إن شاء الله.

 

إن ما تروِّج له صحفنا القومية بإصرار عبيط-بدلاً من ساذج أو أهبل وكله تغيير- يفضح الححج الواهية لغلق القنوات والصحف؛ لتخلو الساحة لرجال الأعمال رغم ضلوعهم في إثارة الفتنة والطائفية.

 

ولتخلو الساحة أيضًا من أي صوت ينادي بالفضيلة والاحتشام حتى لا يؤذي ذلك الجريئة والقبيحة وبنت.. الشعب!.

 

ويكفي أن يشاهد وزير الإعلام قناة مثل موجة كوميدي؛ ليدرك مدى تمادي تلك القناة في الإسفاف والحوارات البذيئة المنحطة التي لا تليق بقعدة محششين؛ وليعلم أن هناك قنوات غير تلك التي استأسد عليها يجب أن تنذر بشدة إن لم تغلق، ناهيك عن قنوات الفجور العلني المسمى بالكليبات ويهاجمها الجميع حتى أهل الفن والمغنى؛ ولا نعرف إذا كان الجميع يهاجمها ويتبرأ منها، فلماذا تبقى وتنتشر انتشار النار في الهشيم؟، أم أن هذا هو الإنفو إعلام بشحمه ولحمه؟!

 

أما عن ظهور السيدة العذراء والصور والرسومات فقد تكون محيرة للعقل في الستينيات، أما الآن فأعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى علماء ولا إلى مختصين، وأقول إنه لا يحتاج حتى إلى "المفتش كرومبو"، ويكفي أن يُعرض الموضوع على ابن اخته "سحس"؛ ليكشف اللغز الذي حيِّر عباقرة الأخبار والأهرام في القرن الواحد والعشرين.

 

ويكفي أن ينظر أحدهم إلى فانوس رمضان الصيني في يد طفله أو طفلته-حتى لا تغضب هوانم كوتة المرأة- وينظر كيف يغني ويرقص ويخرج الأنوار الملونة والدخان الكثيف ويظهر الصور المتحركة كل أؤلئكم يا سادة (بخمسة جنيهات ونص وتعال بص)!.

 

لن نطالبهم بالنظر إلى ما يسمى الفلاشة وما تحمله من كم هائل من المعلومات والصور والصوتيات والفيديوهات، ولا إلى الأجهزة التي تشغلها، وأصبحت ببلاش ويركِّبها الأسطى بلية للتكاتك وميكروباصات الدرجة العاشرة.

 

يذكرني عباقرة الأهرام والأخبار والإنفوجرافيك بجدي الذي تأقلم مع جميع الأجهزة الكهربائية من حوله، رغم عدم استيعابه لماهيتها ولا قوانينها، إلا أن عقله لم يستطع تصديق ما يقوم به الريموت كنترول؛ لاعتقاده أن تغيير قناة التليفزيون لا يتم إلا بالضغط على الزر، فأنَّى للريموت أن يصل إلى الزر؟!، وأنَّى له بالقوة التي تمكنه من الضغط عليه؟!

 

لم يستوعب جدي فلسفة الريموت كنترول إلا بعد مشاهدة الغالبية المريحة في جلسات المجلس الموقر؛ وكيف يحركها شخص واحد بنظرة عين أو إشارة إصبع، فتنطلق تسب وتلعن آباء وأمهات الشرذمة المعارضة بأقذع الألفاظ  وأبذأ الشتائم.

 

ألم أقل لكم إنفو.. ثم إنفو.. ثم إنفو!.