إن المتأمل لشجرة الدعوة المباركة ذات الأصول الراسخة والفروع الشامخة، يرى امتداد ظلالها الوارفة يومًا بعد يوم، وإتيان ثمارها اليانعة كل حين، إلا أن العواصف تتتابع لاجتثاثها؛ حيث لا يخفى على كل ذي لُبٍّ ما يُحاك وما يُدبر هذه الأيام- أيام الانتخابات- لدعوة الصلاح والإصلاح، دعوة الإخوان المسلمين، فبمجرد إعلان الإخوان عزمهم على المشاركة في الانتخابات، كشف حزب الفساد والاستبداد عن وجهه، وظهر ذلك جليًّا في حملات المداهمات والاعتقالات التي طالت خلال أيام مئات من رجالات هذه الدعوة، وامتدت لمصادرة الأموال وتخريب المنشآت، وكان آخر أقوالهم التي تنبئ عن طباعهم، تصريح مفيد شهاب، حين قال لصحيفة (الجمهورية): "(المحظورة) لن تحصل في الانتخابات القادمة على 88 مقعدًا، كما حدث في انتخابات 2005م"، فكأن مقاعد البرلمان أصبحت هِبات يوزعها الحزب الحاكم على من يرضى عنه من منافسيه، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: من الآية 118)، وإن كان هذا القول- في الأساس- لا يستحق التعليق ولا يساوي المِدادَ الذي خُطَّ به، إلا أنه في نفس الوقت ليس بالغريب على أصحاب الدعوات الصادقين الصابرين المجاهدين أن يسمعوا مثله.
ونحن مع إدراكنا التام أن دعوتنا، بمشروعها الإصلاحي، منصورة في النهاية بأمر ربها، فنحن نبذل الجهد، ونُرِي الله من أنفسنا خيرًا، ونأخذ بأسباب النصر والتمكين، وذلك حتى نُرضي ربنا أولاً، ونقيم حجة التبليغ على الجميع ثانيًا، ونقوم بالواجب ثالثًا، غير مبالين بوعد ولا وعيد، ولا إغراء ولا تهديد، بل شعارنا ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه: من الآية 72).
نعم ننطلق ونحن نضع أمام أعيننا هذا النموذج الكريم الذي أرسى قواعده وأسسه نبي الله موسى عليه السلام، والذي كان شعاره ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84)، أقول نقتدي بكليم الله حين أحاط به الطغاة الظالمون من كل وادٍ سحيق وفجٍّ عميق، فأرغدوا وأزبدوا وهدّدوا وتوعَّدوا، وتآمروا ومكروا قائلين ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)﴾ (الأعراف: من الآية 127)، فماذا كان موقفه وحاله؟.. قال: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 128).
ومن ثَمَّ فنحن هنا نضع بعض الأسس والمنطلقات التربوية؛ لعلها تنير لنا الدرب، وتحقق أعظم الربح بأقل التضحيات:
1- عقيدة وأخلاق:
فحركتنا الانتخابية نتعبد بها لله سبحانه، ومن ثم فالعقيدة باعثها، والأخلاق حارسها، وأهم ما يجب الاهتمام به في هذا الباب هو:
أ- ناشئة الليل:
فما أحوجنا لنستمد العون والقوة في الحركة من صاحب القدرة والعظمة سبحانه، فمن عجز عن الوقوف بين يدي ربه متذللاً لَيْلاً ولو لدقائق؛ فهو عن أي عمل آخر أعجز ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)﴾ (المزمل).
في القيام بهذه المهمة، مهمة قيام الليل- التي ليست باليسيرة إلا على من يسَّرها الله عليه- تتكامل أجهزة الإنسان؛ حيث استجماع العقل والقلب والحواس مع القرآن الكريم، وأنت بين يدي الله، وقد هدأت من حولك الأصوات، وسكنت العيون ونامت الجفون، هناك تناجي ربك، وتبث إليه شكواك وترفع همومك.
فمِن قِيام الليل تَسْتَمِد قوة نفسية عظيمة، تَسْتَطيع معها مواجهة العنت والمشقة، والوقوف في وجه المزوِّرين والظالمين؛ بقيام الليل تتحقق معية الله وولايته، ومن تولاه الله جل وعلا حفظه من شر أعدائه، فإنه سبحانه هو القائل: ﴿فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: من الآية 46) والقائل: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)﴾ (يوسف: من الآية 24).
ب- الاستعلاء الإيماني:
الذي يجعلك تستشعر دائمًا عزة الإيمان لا عزة الطغيان، والٍذي يمنح صاحب الرسالة الإرادة ويحميه من الوهن والضعف أمام مكر الماكرين وكيدهم، قال سبحانه: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139)﴾ (آل عمران)، فأنت صاحب أعظم مشروع للإصلاح والتغيير، ألا وهو المشروع الإسلامي، فأنت تملك أحسن القول وأحسن العمل.
ولنا في هذا الخطاب الموجَّه لأشرف الخلق العبرة، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)﴾ (الأعراف) فلا ينذر إلا وقد انشرح صدره، وخلا من الحرج، أو الضيق بالدعوة ولم لا؟! وأهل الباطل يتفننون في الدفاع عن ضلالهم دون حياء من الله أو من خلقه.. فكيف بصاحب حق يتوارى خجلاً من طهره وصاحب باطل يتبجِّح ويفاخر بخبثه؟!
ج- الإيمان بالقدر:
الذي يمنح صاحب الدعوة القدرة على الموقف الإيجابي في لحظات الشدة والابتلاء، قال سبحانه : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (165)﴾ (آل عمران)، ومن ثم فإن صاحب الدعوة لا ينشغل كثيرًا بتفسير أسباب الابتلاء لهذا أو لذاك، اللهم إلا من باب الاستفادة من الحدث وتجنب أوجه القصور إن وُجِدت.
ونحن مع إيماننا بأن كل شيء بقضاء الله وتدبيره، وأن لهذا الكون إلهًا يدبر أمره، وأن النتائج ليست داخلة في دائرة مسئولية المكلَّفين من البشر، فنحن نضاعف الجهد، وخاصة في هذه الأوقات التي تكالبت فيها قوى الشر بكل أطيافها على دعاة المشروع الإسلامي للإصلاح، وذلك حتى لا يجد المتربصون بالدعوة فرصة للنيل منها أوالشماتة بها، كما قال هارون لموسى- عليهما السلام- حين أخذ برأسه: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاء﴾ (الأعراف: من الآية 150)، وكما قال الشافعي:
دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَل مَا تَشَاءُ وَطِبْ نَفْسًا إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ
وَلاَ تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِي فَمَا لِحَوادِثِ الدُّنْيَا بَقَاءُ
وََكُنْ رجُلاً عَلَى الأَهْوَالِ جَلْدا وَشِيمَتُكَ السَّمَاحَةُ وَالوَفَاء
وَلاَ تُرِ لِلأَعادِي قَطٌّ ذُلاًّ فَإِنَّ شَمَاتَةَ الأَعْدَاء بَلاّءٌ
وَلاَ تَرْجُ السَّمَاحَةَ مِنْ بَخِيلٍ فَمَا فِي النَّارِ لِلظَّمْآنِ مَاءُ
وَلاَ حُزْنٌ يَدُومُ وَلاَ سُرُورٌ وَلاَ بُؤْسٌ عَلَيْكَ وَلاَ رَخَاءُ
د- التجسيد العملي لأخلاق مثل:
- الوفاء: الوفاء لبيعتك، الوفاء في مواعيدك ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: من الآية 34).
- ترك ما لا يعنيه: فقد قال صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (الترمذي).
- ترك كثرة الكلام: فقد قال صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" (مسلم).
- عفة اللسان: فالمؤمن ليس بالطعان ولا بالفحاش ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (ق).
إن استقرار هذه المعاني- وأمثالها- في نفوس أصحاب الدعوات وحاملي رسالة الخير والنور لأمتهم؛ يمثل صمام الأمان من الحرب النفسية التي يقوم بها خصوم الدعوة، ومفتاح الحفظ الرباني لحركتنا الدعوية المباركة.
2- قدوة مؤثرة:
كانت للصديق يوسف عليه السلام مناقب كثيرة، ولكن مدح القرآن فيه هاتين الخصلتين: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: من الآية 36 (يوسف، و﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ (يوسف: من الآية 51)، هذه من مقومات القبول والرضا عند الناس، وليس هذا من الرياء في شيء.. فهلا كنت ذاك النموذج؟ وهل أنت ممن يقول الناس عنهم ذلك؟، هل كنت نافعًا لمن حولك بأفعالك حتى يصدقوا أقوالك؟، هل صرت كالنحلة التي أشار إليها الحديث؟.. روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ َلكَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَوَضَعَتْ طَيِّبًا وَوَقَعَتْ فَلَمْ تَكْسِر ولم تُفْسِدْ" (صححه الشيخ أحمد شاكر والشيخ الألباني).
هنا شبَّه الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنحلة، وهو تشبيه النوع بالنوع من حيث النفع.. فتكون كل الصفات المحمودة في النحلة موجودة في المؤمن، وعدّد منها الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو جدير بالتنبيه، وترك للسامع بقية المقارنة والموازنة، وهذا أمر لو أردنا تفاصيله لأخذ صفحات عدة، ولكننا نَذْكُر رؤوس أقلام فقط لعلها تفيد فى هذا الوقت:
ولنبدأ بما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث ذكر من أهم الصفات المحمودة للنحلة أنها:
- تأكل الطيب وتضع الطيب وإذا وقعت على عود لم تكسره ولم تفسد.
وما لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم من صفات النحل والمعروفة لدى أهل الاختصاص أنه:
- له شجاعة وإقدام، ويضحي بنفسه من أجل بني خليته- حب العمل الجماعي- لا يتبرم من العمل.. بل يعمل في صمت، ولا ينتظر منصبًا أو مكانة في خليته.. بل يعمل وهو يعلم أن مصيره الموت، لا يؤذي إلا من هجم عليه وآذاه في سعيه أو خرب عليه خليته.. عدا ذلك فهو ماضٍ في عمله- يتعالى عن السفاسف- لا يقع على الجيف.. ولا يحب النتن من الأشياء.
يبقى أن نقول: إن بعض بني البشر يكرهون النحل.. ولا يحبون العسل.. فغالب أولئك مرضى.. ألسنتهم أصابها مرارة المرض، فصار مذاق العسل عندهم حنظلاً، وكذا بعض بني البشر مع المؤمنين، بصائرهم منتكسة؛ فصاروا يرون الخير شرًّا، والحق باطلاً، والنور ظلمة، وصار مذاق الإيمان في ألسنتهم علقمًا.. فما لنا من حيلة مع أولئك المرضى إلا أن يشفيهم الله؛ حتى يبصروا حقيقة النحل وصريح الإيمان!.
3- تَطَاوُعٌ بِلا اختِلاف:
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُم﴾ (الأنفال: من الآية 46) فالتنازع باب الفشل، والاختلاف شر كله، وهو يؤدي إلى: شماتة الخصوم، ونفرة المدعوين، وعدم تحقيق الأهداف.
ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري ومعاذ- رضي الله عنهما- لما بعثهما إلى اليمن داعيين: "تطاوعا ولا تختلفا".
وقد روي الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ألا أخبركم بمن يحرم على النار"، وفي رواية: "تحرم عليه النار على كل قريب هين سهل" (صححه الألباني).
وروى البيهقي والقضاعي والعسكري عن ابن عمر مرفوعًا "المؤمنون هينون لينون، مثل الجمل الإلف، الذي إن قيد اقتاد، وإن سيق انساق، وإن أنخته على صخرة استناخ" (السلسلة الصحيحة).
ويقول صلى الله عليه وسلم في شأن الصلاة: "سُدُّوا الخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ وَلا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ" (أبو داود وصححه الألباني)، والمقصود به: إذا كان الصف في الصلاة غير مرصوص، وأراد الإنسان أن يسد الخلل، فعلى المصلي أن يلين بيد أخيه، ولا يعاند ويمتنع من التفسح، وإن كان النبي العظيم يعلِّمنا هذا الأدب في الصلاة، فإن هذا الأمر النوراني يبقى نبراسًا يضيء لنا الحياة، ليس في الصلاة فقط، ولكن في كل شئوننا، "لينوا في أيدي إخوانكم"، دعوة إلى بث روح المودة والرحمة، والتطاوع المتبادل، ونبذ الغلظة والقسوة، والتعصب للموقف والوقفة.
فحتى وإن وجدت من أخيك ما لا يروق لك، فالوقت ليس وقت عتاب ولا خصام ولا شحناء، بل أعط مَنْ سَبَقَكَ قَدْرَهُ، فهذا أمر معتبر ومُقَدَّر، فعلى المرء أن ينظر إلى سَبْقِ إخوانه في الخير والفضل والجهاد، ويجعل من ذلك شفيعًا لهم في التأدب معهم في زلاتهم وهناتهم، قال ابن تيمية في موسى- عليه السلام- حين ألقى الألواح، وجر بلحية أخيه، وفقأ عين ملك الموت: "لم يعتب عليه ربه، إنه وقف تلك المقامات العظيمة، وقاوم أكبر أعداء الله، وعالج بني إسرائيل، وذا النون لَمَّا لم يكن في هذا المقام سَجَنَهُ في بطن الحوت من غضبة، وقد جعل الله لكل شيء قدرا" (مدارج السالكين).
فلا وقت لــ: أرأيت.. ولو أن.. ولمَ قال؟! ولمَ نظر؟! ولم لا؟! ولم نعم؟ وكيف؟ وأين حقي؟!.. هذا كله مدخل للشيطان وتضييع للجهد.
ولنتأمل هذا النموذج:
في غزوة ذات السلاسل، يقول عمرو بن العاص: بعث إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني، قال: فأتيته وهو يتوضأ، فصعّد فيّ النظر، ثم طأطأ، فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك في المال رغبة صالحة"، قال: قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح"، بعدها بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمدد بقيادة أبي عبيدة بن الجراح لجيش عمرو في ذات السلاسل، أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ويتقدم عمرو، فقال له عمرو: إنما قدمتَ عليّ مددًا لي، وليس لك أن تؤمني، وأنا الأمير، وإنما أرسلك النبي صلى الله عليه وسلم إليّ مددًا، فقال المهاجرون كلا، بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحابه، فقال عمرو: لا، بل أنتم مدد لنا، فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف، وكان حسن الخلق، ليِّن الطبع، قال: لِتطمئنّ يا عمرو، وتَعلمنّ أن آخر ما عهد إليَّ رسول الله أن قال: "إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا"، وإنك والله إن عصيتني لأطيعنّك، فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس.
لقد أدرك أبو عبيدة أن أي اختلاف بين المسلمين في سرية ذات السلاسل يؤدي إلى الفشل، ومن ثم تَغلّب العدو عليهم، ولهذا سارع إلى قطع النزاع، وانضم جنديًّا تحت إمرة عمرو بن العاص؛ امتثالاً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تختلفا".
وأذكر هنا بقول الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾ (آل عمران).. فرحم الله من سدد وقارب ولان وعفا.
4- حركة على بصيرة:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف) على بصيرة علمية، وبصيرة تنظيمية، وبصيرة بالواقع، وبصيرة بالوسيلة، وبصيرة بم نخاطِبُ به أهلَنا، ومَنْ نخاطِبُ مِن أهلنا ومتى!، نعم فهي حركة منظمة وهادفة وهادية.
وتتحقق هذه البصيرة بأمور أهمها:
1- الوعي بالسنن الكونية: أي المعرفة الجيدة بالتقدم التكنولوجي، خاصة ما يتعلق باستخدام التقنيات الحديثة كالهاتف المحمول والإنترنت، وأجهزة الاتصال الأخرى وغيرها و.. إلخ، فإنما هي سنن مسخرة.
2- استبانة وسائل المكر بدعوتنا: فتتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في بذل الجهد لمعرفة الأحداث عن قرب، وقصته صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مع الأعرابي يوم بدر معروفة، وما طلبه من حذيفة بن اليمَّان يوم الأحزاب غير خافٍ على من يهتم بسيرة رسوله صلى الله عليه وسلم.
3- الانسحاب من المعارك الثانوية: فلا ننشغل بسفاسف الخصوم ولا بتغاريد الإعلام، ولا بفضول العوام، فنُسْتَنْطق بما لا نريد أن نقوله، فلا نضيع وقتنا وجهدنا في الرد على كل كلمة كيد تقال، حتى لا نجد أنفسنا قد حِدْنا ولو قليلاً عن طريقنا، وبعثرنا جهودنا، وانصرفنا عن مهامنا، فلنا رسالة واضحة نريد أن نحملها إلى أهلنا في هذا الوقت.
5- دينامو لا بطارية:
الاثنان يخرجان نورًا وتيارًا وقوه كهربية، ولكن شتان بين الاثنين لو أن الإنسان عمل بطارية فهو دائمًا يحتاج إلى شحن وتفريغ كل فتره، ومعروف أن الشحن والتفريغ يهلك البطارية، أما الإنسان الدينامو فهو يحتاج إلى البداية، إلى التشغيل فقط لا غير، ثم بعد ذلك يقوم هو بتوليد الكهرباء، بالإنارة، لا يتوقف إلا في حاله الاحتراق يحترق الدينامو "أي يموت الإنسان وهو يعمل"، أو يتوقف فى حالة أن يقوم أحد بإيقافه ثم يُعاد تشغيله مرة أخرى.
فتحمَّل المسئولية وانطلق حتى ولو وجدت نفسك وحيدًا في ساحتك، فأنت صاحب رسالة، أنت فرد فى أمة ليس لها غاية في هذه الحياة إلا نصرة هذا الدين وانتشاره كما قال ربعى بن عامر لملك الروم موجزًا هذه الغاية: "لقد ابتعثنا الله لنحرر العباد من عبادة العباد لعبادة رب العباد؛ وليخرجوا الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام"، لم يقل إن الله أرسل إلينا رسولاً وقال كذا وكذا، ولكنه وضع نفسه أنه صاحب الدين وصاحب الرسالة "ابتعثنا الله"، إذًا تنطلق وكأنك أنت المُرَشَّحْ، وأنت المسئول، حتى تحقق ما وصف به الإمام حال قوم قائلاً: "أستطيع أن أتصور المجاهد شخصًا قد أعدَّ عدته وأخذ أهبته وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه، وجوانب قلبه، فهو دائم التفكير عظيم الاهتمام على قدم الاستعداد أبدًا إن دُعِيَ أجاب وإن نُودِيَ لبَّى، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه وجدِّه ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وأرادته يُجاهد في سبيلها، تقرأ في قسمات وجهه، وترى في بريق عينيه، وتسمع من فلتات لسانه ما يدلّك على ما يضطرم في قلبه من جوى لاصق وألم دفين، وما تفيض به نفسه من عزيمة صادقة، وهمة عالية وغاية بعيدة".
ثم يقول: "أما المجاهد الذي ينام ملء جفنيه ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهيًا لاعبًا عابثًَا ماجنًا، فهيهات أن يكون من الفائزين أو يُكتب في عداد المجاهدين".
6- اليقظة:
- ويقصد باليقظة: ترك الغفلة، وذلك بألا يكون صاحب الرسالة الإصلاحية "سبهللاً" لا يدري ما يدور حوله ولا ما يحاك ضده، قال عمر رضي الله عنه: "لست بالخب، ولا الخب يخدعني"، فلسنا مخادعين ولا ماكرين، ولكن المؤمن كيس فطن، و"لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين" (البخاري).
- ويقصد بها أيضًا: لطافة الحركة، أي الحركة التي لا تحدث ضجة، ولا تثير غبارًا، ولا تترك أثرًا، قال جل وعلا: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ (الكهف: من الآية 19).
7- الانضباط:
يقصد بالانضباط: الانضباط التنظيمي وكمال الطاعة، وأهم ما يتحقق به الانضباط التنظيمي هو
أ- الاستئذان: أي الاعتياد على أخذ الرأي قبل الإقدام على العمل، واجتناب التقدير الشخصي للموافق، قال الله عز وجل في سورة النور: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)﴾ (النور)، هذه الآية نزلت في غزوة الخندق، والعجيب في الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر بالاستغفار لمن استأذن مع كونه صاحب عذر!! فكيف بمن تخلف دون استئذان ولعله بغير عذر؟!.
- قال الأوسي وغيره: "فإن الاستئذان وإن كان لعذر قوي لا يخلو عن شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة".
- وقال الإمام الرازي: "أن يستغفر لهم تنبيهًا على أن الأولى ألا يقع الاستئذان منهم وإن أذن؛ لأن الاستغفار يدل على الذنب.
وفارق شاسع بين من تخلَّف عن فرصة خير فتألم، وآخر تخلَّف دون أن يشعر بشيء، الأول ينال أجره كاملاً غير منقوص والثاني لا شيء له بل عليه!!، الأول فرد في طائفة "إن بالمدينة أقوامًا ما سِرتُم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم فيه وهم بالمدينة، حبسهم العذر"، أما الثاني عضو في فريق: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)﴾ (التوبة).
- وهناك فرق بين الاستئذان في أن أعمل شيئًا ما، والاعتذار عن عمل شيء ما، فالأخير له شروط حتى يكون اعتذارًا صادقًا، منها:
- الاعتذار الصادق يصحبه نصح وتوجيه للمشاركين في الجهاد
- ألا يكون الاعتذار هو الصفة السائدة للمعتذر.
- أن يصاحب ذلك الاعتذار حزن داخلي على فوات الخير.
وإن كانت هذه الآية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن ذلك يصلح أن ينسحب على غيره ممن تولى مسئولية أو إمارة دعوية لا نهضة للإسلام اليوم إلا بها، ولهذا قال الحسن: "وغير الرسول صلى الله عليه وسلم من الأئمة مثله في ذلك لما فيه من أدب الدين وأدب النفس".
ومن هنا ذهب الطاهر بن عاشور إلى استنباط هذه القاعدة الإدارية المهمة فقال: "وهذه الآية أصل من نظام الجماعات في مصالح الأمة، لأن من السنة أن يكون لكل اجتماع إمام ورئيس يدير أمر ذلك الاجتماع، ومن السُنَّة أن لا يجتمع جماعة إلا أمَّروا عليهم أميرًا، فالذي يترأس الجمع هو قائم مقام ولي أمر المسلمين، فهو في مقام النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينصرف أحد عن اجتماعه إلا بعد أن يستأذنه، لأنه لو جعل أمر الانسلال لشهوة الحاضر لكان ذريعة لانفضاض الاجتماعات دون حصول الفائدة التي جُمعت لأجلها"
ب- الاعتراف بالخطأ: وذلك بالإسراع إلى الإخبار عن الأخطاء- إن حدثت- لتتجنب الدعوة آثارها السلبية، حتى ولو ترتب على ذلك تأجيل العمل قليلاً أو تغيير آلياته المقررة.
ج- حسن التعامل مع المعلومات: أي ما يذاع منها وما لا يذاع، وكيف؟ ومتى؟ فنحن نتخلق بخلق الحذر نعم، ولكن لا نصاب ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً (83)﴾ (النساء).
د- التوازن بين العاطفة والعقل:
فلا نتعامل مع المواقف أو الأحداث أو الأشخاص بعاطفة جياشة لا يتحقق معها إنجاز، ولا بعقل جامد لا يقرب قلبًا ولا يؤلف مُحِبًّا،ولكن كُنْ كما قال الإمام حسن البنا: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها، واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ً (فاطر: من الآية 43).
وأخيرا أقول شكرًا لكم:
شكرًا لكم أيها المسئولون، أن أتحتم لنا هذه الفرصة لنحقق الإيمان في أعلى درجاته بالبذل والتضحية، ونعيش الأخوة في عليا صفاتها واقعًا عمليًّا.
وشكرًا لكم أيها العاملون الساعون لتحقيق ما ترجوه دعوتكم منكم في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الأمة، يا من انطلقتم في عملكم وأداء أدواركم المحددة، ملتزمين بهذه الأسس والمنطلقات المذكورة آنفًا.
وشكرًا لكم أيضًا أيها المعارضون (السابقون) لدخول الانتخابات، ثم عَدَلْتُم عن آرائكم، وشرح الله صدركم لرأي قيادتكم، فشمرتم عن ساعد الجد وبدأتم العمل.. شكرًا لكم جميعًا حسن الأدب.
فسيْرٌ هو إذًا بلا ملل، وعملٌ بلا كلل، والمقام هنا لا يتسع لطول الكلام، ولكن الإشارة تكفي اللبيب.