إن أعظم ثروات الشعوب ليس ما تمتلكه من ثروات معدنية وزراعية وصناعية وطبيعية، ولكن أهم وأعظم ثروة يمتلكها أي شعب وأمة هي الثروة البشرية؛ ولذلك نرى أنه ما من أمة وضعت الثروة البشرية جلَّ اهتمامها إلا وتقدَّمت هذه الأمة، والعكس صحيح، ما من أمة أهملت هذه الطاقه والثروة إلا وتأخرت وأصبحت في ذيل الأمم، لذلك نجد بعض الدول التي تعدُّ في مصافِّ الدول المتقدمة، كاليابان مثلاً، والتي لا تمتلك من الثروات الطبيعية ما تمتلكه أفقر دولة فيما أسموه "العالم الثالث"، ولكن اليابان احترمت الإنسان ووضعته في مكانته التي رفعه الله إليها، ووظَّفت طاقاتها البشرية واستثمرتها الاستثمار الصحيح، فكان لها شأنها في جميع المجالات.
ما من شيء في هذا الوجود إلا وله صانع، ومن هو سبب في وجوده، ولا شك أن صانع الشيء هو الأعلم بطريقة تشغيله وما يصلحه وما يفسده وطريقة إصلاحه، إن أصابه عطب، ولذلك نجد أن كل الشركات المصنعة للأجهزة والمعدات تضع مع هذه الأجهزة كتابًا يسمَّى (الكتالوج)، فيه طريقة التشغيل، ونصائح مهمة يجب على المستخدم مراعاتها، وإلا أصاب الجهاز العطب، وإذا أصاب الجهاز العطب فمن المعلوم أن أسلم طريق ومكان لإصلاحه هو ما يسمَّى التوكيل المعتمد من الشركات المصنعة؛ لأن كل صانع أعلم بصنعته.
من خلق الإنسان؟
هل استطاع أحد أن يدَّعي منذ نشأة الخليقة حتى الآن أنه خلق بشرًا؟ لم يحدث ولن يحدث؛ أن يستطيع أحد أن يخلق جناح بعوضة، فضلاً عن الإنسان الذي كرمه الله على سائر خلقه، فالله عز وجل هو الذي خلق الإنسان قال عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿التين: 4﴾ وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ ﴿المؤمنون: 12﴾.
والله عز وجل خلق الإنسان ولم يتركه سدى، وإنما أرسل له الرسل، وأنزل مع كل نبي كتابًا، وخاتم هذه الكتب القرآن الكريم، فيه ما يصلح الإنسان، فأمره به، وفيه ما يفسده، فنهاه عنه.. قال تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ ﴿المؤمنون﴾، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ﴿المائدة: 16 و17﴾.
ولقد كرم الله عز وجل الإنسان على سائر خلقه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ﴿الإسراء: 70﴾، وسخر له كل المخلوقات، قال الله تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ* وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ* وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ﴿إبراهيم- 32: 34﴾، وقال تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾﴿الجاثية: 13﴾.
لذلك أكرم شيء للإنسان أن ينتسب بعبوديته لله وحده لا شريك له، وصدق من قال: "كفاني فخرًا أن تكون لي ربًّا وكفاني عزًّا أن أكون لك عبدًا".
إن كل المناهج الأرضية قد حرمت الإنسان من هذه المكانة السامقة التي رفعه الله إليها؛ فمنها من اعتبر الإنسان ترسًا في آلة، حتى إذا تآكل هذا الترس أصبح لا قيمة له، فكهن ووضع في سلة المهملات، ومنها من جعل الإنسان سلعةً تباع وتشترى حتى إذا فقد عطاءه وبريقه وجاذبيته أصبح بلا قيمة، ووُضع في دار للمسنين ينتظرون متى يوارونه التراب.
والناظر إلى مكانة الإنسان في وطننا الغالي مصر، وفي أمتنا العربية والإسلامية، يجد أنه قد أهينت كرامته التي كرَّمه الله بها، وأصبح لا قيمة له، وإن أردت دليلاً فعليك بحادثة غرق العبَّارة المصرية (1400 مواطن مصري) واحتراق قطار الصعيد (أكثر من 350 قتيلاً)، والآلاف الذين يموتون على الإسفلت كل عام (قتلى حوادث الطرق في مصر يفوق عدد شهداء حروبها منذ عام 48 حتى حرب العاشر من رمضان)، وتفجع حين تقارن هذا بمشهد خروج 33 من عمال المناجم التشيليين بعد 69 يومًا لم تنَم فيها الحكومة التشيلية، حتى تمَّ إنقاذهم، وكانت تكلفة الإنقاذ 20 مليون دولار؛ أي أكثر من مليار جنيه مصري.
فهذا الإنسان الذي منحه الله حريته وحرَّره من العبودية إلا له: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!" قد سُلبت حريته في التعبير عن رأيه، وإن فعل فأبواب المعتقلات والسجون مفتوحة على مصراعيها، فقتل الإبداع والاختراع وهاجرت العقول.. هناك حوالي عشرة آلاف مهاجر مصري يعملون في مواقع حسّاسة بالولايات المتحدة الأمريكية، من بينهم ثلاثون عالم ذرَّة يخدمون حاليًّا في مراكز الأبحاث النووية، ويشرف بعضهم على تصنيع وتقنية الأسلحة الأمريكية الموضوعة تحت الاختبار، مثل الطائرة "ستيلث 117" والمقاتلة "ب2" و"تي 22"!.
كما يعمل 350 باحثًا مصريًّا في الوكالة الأمريكية للفضاء (ناسا) بقيادة العالم الدكتور فاروق الباز؛ الذي يرأس حاليًّا "مركز الاستشعار عن بُعد" في "جامعة بوسطن"، إضافةً إلى حوالي ثلاثمائة آخرين، يعملون في المستشفيات والهيئات الفيدرالية، وأكثر من ألف متخصص بشئون الحواسيب والحواسيب الآلية، خاصةً في ولاية "نيوجرسي" التي تضم جاليةً عربيةً كبيرةً.
ويُشار هنا إلى مساهمة عدد من أساتذة الجامعات المصريين في تطوير العديد من الدراسات الفيزيائية والهندسية في الجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية، وخاصة في جامعة كولومبيا في نيويورك وجامعتي "بوسطن" و"نيوجرسي"، وعلى رأسهم العالم المصري "أحمد زويل"؛ الذي مُنح جائزة نوبل للكيمياء في عام 1999م، وهو الذي يعمل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.. (نقلاً عن صحيفة "المجد" الأردنية، العدد "150" 17 شوّال 1417هـ/ 24 شباط/ فبراير)، وكذلك صرنا في ذيل الأمم والدول في عدد براءات الاختراع المسجلة عالميًّا.
هذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم قد ابتُلي في مصرنا الحبيبة وعالمنا العربي والإسلامي بجميع الأمراض بالإهمال تارةً، وانظر إلى معدلات الإنفاق على صحة الإنسان في الغرب وقارنها بمثيلاتها عندنا، يقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن ما تصرفه الحكومة المصرية على الصحة لا يتعدَّى 7,3% من مجموع نفقاتها، وبذلك تكون دولة كوستاريكا تنفق ثلاثة أضعاف النسبة التي تنفقها حكومتنا على الصحة، وبالعمد تارةً أخرى، وانظر إلى صور الفساد في المأكل والمشرب؛ حيث استيراد الأطعمة من قمح وغيره؛ الغير صالح للاستخدام البشري، والذي يحتوي على مواد مسرطنة.
وقد نشاهد بعض مظاهر النجاح في التعامل مع الإنسان في المجتمعات الغربية، ولكنه زبد لا يكاد يذهب جفاءً، بدت ظواهره بالانهيار المتسارع لمؤسسة الأسرة وزيادة أعداد الأبناء غير الشرعيين في هذه الدول (أفادت مؤسسة الإحصاء الأوروبية Eurostat أن نسبة مواليد الأطفال غير الشرعيين (لأبوين غير متزوجين)؛ قد تضاعفت في دول الاتحاد الأوروبي خلال عشرين عامًا إلى أكثر من 35% من مجموع المواليد)، واحتلت إيسلندا المرتبة الأولى في نسبة مواليد الأطفال غير الشرعيين بنسبة 64،1%.
أما عندنا فهذه الأنظمة التي تصرُّ على استبعاد المنهج الإسلامي من حياة الناس؛ فجنت على الشعوب العربية والإسلامية من جرَّاء هذه الجريمة الألم والعذاب في كل مناحي الحياة.. ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ ﴿طه: 124﴾.
وعلى سبيل المثال لا الحصر:
فعلى مستوى الأسرة:
فقد بلغ عدد العنوسة في 2010م من الرجال والفتيات (13 مليونًا)، وعدد حالات الطلاق 410 يوميًّا، ونسبة الطلاق 40% من حالات الزواج، ونسبة العنوسة 50% من إجمالي السيدات، كما تزايد عدد الأبناء غير الشرعيين، وزيادة حالات التحرُّش والاغتصاب؛ حيث أشار التقرير الاخير الصادر عن المجلس القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن هناك 20 ألف حالة اغتصاب وتحرش جنسي تُرتكب في مصر سنويًّا؛ أي أن هناك حالتي اغتصاب تتم كل ساعة تقريبًا، ويضاف إلى ذلك ما نشرته "الواشنطن بوست" أكثر الصحف الأمريكية انتشارًا، في تقريرها عن التحرش الجنسي في مصر؛ حيث ذكرت أن مصر واحدة من أسوأ دول العالم في نسبة التحرش بالنساء في الشوارع والأماكن العامة.
على مستوى التعليم:
نسبة الأمية في القراءة والكتابة 30%، في حين أن بعض الدول تحتفل بالقضاء على أمية التعامل مع الحاسب الآلي، وحكومتنا تنفق على التعليم ما لا يتجاوز 5% من إجمالي الناتج المحلي وفقًا لموازنة 2010م، بينما البعض في الجوار رفع معدلات إنفاقه على التعليم إلى 20% من الناتج المحلي وأكثر؟ ووفقًا للترتيب العالمي للجامعات تحتل جامعة القاهرة المرتبة 1219 عالميًّا وفي المقابل تظهر 4 جامعات صهيونية ضمن أفضل 500 جامعة في العالم، لا يوجد مركز أبحاث مصري واحد في قائمة أفضل 2500 مركز أبحاث في العالم، بينما تضم هذه القائمة 11 مركزًا في جنوب إفريقيا.
على مستوى الصحة:
الحكومة المصرية تنفق 5% فقط من إجمالي الناتج المحلي على التعليم، ومعادلاًَ مماثلاً على الصحة، بينما تخصص 20% للأمن، ولذلك نجد أن نصيب كل مريض مصري يدخل المستشفى هو فقط (51) جنيهًا مصريًّا سنويًّا، بما فيها شراء الأدوية والمستلزمات الطبية، وهو معدل يتدنَّى لأقل المستويات في العالم، لا يوجد أي مستشفى مصري ضمن قائمة أفضل 1000 مستشفى على المستوى العالمي، بينما تشمل القائمة 18 مستشفى صهيونيًّا.
ما زال ثلث الأسر المصرية تقريبًا (28.5% وفقًا لبيانات 2008م، وبعد أن كانت فوق 90% في 2000م) لا يمتلك صرفًا صحيًّا ملائمًا، وهو ما يسبِّب (من خلال تلويث مياه الشرب بالأساس) انتشارًا شبه وبائي للعديد من الأمراض الخطيرة.
عدد المرضى الجدد بالسرطان يتراوح بين (120: 150) ألف مواطن سنويًّا (كل عام)!! ففي تقرير منظمة الصحة العالمية، تأكد أن (150) ألف مريض جديد بالسرطان في مصر كل عام، وأكد ذلك العالم المصري د. مصطفى السيد في أكثر من حديث صحفي له، بالقول: "إن هناك زيادة عددية بلغت 150 ألف مريض سرطان كل سنة".
وقد أكدت التقارير الرسمية، في أول مسح ديموغرافي أجرته وزارة الصحة وأعلنه وزير الصحة بنفسه، أن عدد المصابين بفيروس (C) النشط وهو مرض معدٍ، (9) ملايين مصري، (حديث للدكتور حاتم الجبلي أمام برنامج تليفزيوني والمنشور في (المصري اليوم 22/5/2009).
على المستوى الاقتصادي:
20% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، و18% يعانون من الفقر الشديد نستورد 50% من احتياجاتنا من القمح، و90% من الزيت، و33% من السكر، 11.5 مليون مصري يعيشون في العشوائيات و60 ألفًا في العشش ونصف المليون يسكنون القبور، مرتب الموظف في الستينيات كان يكفي لشراء 80 كيلو لحمًا واليوم لا يكفي لشراء 8 كيلو من اللحوم.
وعلى مستوى الحريات وحقوق الإنسان فحدث ولا حرج.. تزوير الانتخابات على كل المستويات طلابية ونيابية ومحلية، وغياب المناخ الديمقراطي والمحاكمات غير الدستورية التي لا تكفل للمواطن أدنى حقوقه الدستورية والقانونية، هذه نماذج على سبيل المثال لا الحصر مما جنته وتعاني منه الشعوب العربية والإسلامية التي ترضخ لأنظمة حكم تصرُّ على استبعاد المنهج الإسلامي من أن يعيش الناس في ظله، ويتحاكموا إليه.
فما العمل؟ وما السبيل؟
السبيل في منهجنا الإسلامي الشامل المتكامل الذي يتمتع بأولى صفاته، وهي الربانية، أنه من عند الخالق وليس المخلوق.. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ صدق الله العظيم ﴿الملك: 14﴾.
والمنهج الإسلامي أول ما عُني بالإنسان وكرَّمه على سائر المخلوقات وسخَّر الله كل المخلوقات، وما نزل القرآن إلا لتحقيق السعادة للإنسان في الدنيا قبل الآخرة.. ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ ﴿طه: 2﴾.
منهجنا الإسلامي
أول ما عُني المنهج الإسلامي عُني بإيجاد الإنسان الصالح؛ الذي إذا وُجد وُجدت معه أسباب النجاح جميعًا، وهل ما نعانيه في كل مجالات حياتنا إلا بغياب هذا الإنسان الصالح؟ فالسارق إنسان غير صالح، والمرتشي وسارق أراضي الدولة وآخذ الرشوة وغير المتقن لعمله والمزوّر لإرادة الأمة، وصاحب شهادة الزور ومعين الظالم على ظلمه والمستورد للأغذية والمشروبات غير الصالحة للاستهلاك الآدمي، والمستورد للمبيدات المسرطنة.. كل هؤلاء أفراد غير صالحين.
وقد حدَّد العلماء مقاصد الشريعة الإسلامية، وهي الغايات التي وُضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد، وهي أصولها الكبرى، وأسسها العظمى، وهي حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال.
ومن منطلق الفهم لهذه المقاصد للشريعة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرةً لأحد الولاة: "ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ فقال هذا الوالي وفق السنة والشريعة: أقطع يده، قال عمر: "إذًا فإن جاءني من رعيتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، فقال له: يا هذا إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسُدَّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية".
منهجنا الإسلامي
ما نالت الأسرة التي هي المحضن الوحيد لإنتاج الإنسان الصالح اهتمامًا من أي منهج مثل ما نالت من اهتمام المنهج الإسلامي، فقد وضع أصولاً وقواعد لبناء الأسرة، وكذلك قواعد مبنية على حقوق وواجبات وقيم لكل طرف من أطراف الأسرة للحفاظ على استقرارها وسعادتها، بل إن من عظمة منهجنا الإسلامي أن وضع القواعد والأصول لإنهاء العلاقة الزوجية "أبغض الحلال"، وبنى هذه القواعد على تقوى الله عز وجل (الآيات الثلاث في سورة الطلاق تتحدث عن وجوب تقوى الله لكلا الطرفين، الزوج والزوجة، حين حدوث الطلاق)، وذلك للحفاظ على منتج هذه الأسرة، وهو الأبناء، من التشويه، ولكي ينشئوا أفرادًا صالحين في المجتمع، وما أعطى منهج للمرأة حقوقها مثل المنهج الإسلامي حقها في الرعاية والتعليم والتربية الصالحة، حتى عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم جزاء ذلك الجنة؛ فعن مصعب بن المقدام قال حدثنا مندل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن عمرو بن نبهان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وسرائهن وضرائهن أدخله الجنة بفضل رحمته إياهن"، قال رجل: وابنتان؟ قال: وابنتان، قال رجل: وواحدة؟ قال: وواحدة.. وكذلك حقها في اختيار زوجها وحقها في قبض مهرها وفي ذمة مالية مستقلة وحقها كزوجة وأم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية بن جاهمة أنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو، وجئت أستشيرك؟ فقال: "هل لك من أم"؟ قال نعم: قال: "فالزمها فإن الجنة تحت رجليها" (رواه النسائي- 3104)، واللفظ له، والرجل والمرأة في الغرب إذا كبرا في السن وأصبحا غير قادرين على العمل في ظل المناهج الوضعية يوضعون في دور رعاية كبار المسنين، أما في ظل المنهج الإسلامي فيتنافس الأبناء ذكورًا وإناثًا، بل الأحفاد، في نيل شرف موافقتهم للعيش بجوارهم ورعايتهم؛ تبركًا واستجلابًا للرحمات والحسنات من الله.
منهجنا الإسلامي
ما حث منهج على العلم مثل منهجنا الإسلامي، فأةول آيات القرآن ﴿إقرأ﴾، وعد الإسلام تحصيل العلم عبادة يتقرب المسلم بها لربه، وسببًا لدخول الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" (رواه مسلم) ولذلك يفهم المسلم الواقف في معمله ينظر في ميكروسكوب والطبيب الذى يبتكر طريقة علاجية آمنة جديدة وعالم الذرة والفضاء والطالب العاكف على تحصيل العلوم.. كل هؤلاء وغيرهم يتقربون بها عبادة خالصة لله، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: "لا خير فيمن لم يكن عالمًا أو متعلمًا".. ﴿الراوي: المحدث: سفيان الثوري- المصدر: تهذيب التهذيب- الصفحة أو الرقم: 6/176﴾.
والقرآن الكريم يحث على إعمال الفكر في الخلق من سماء وأرض وبحر ومأكل ومشرب وجبال وسهول وانهار، وعد ذلك عبادة، بل على رأس العبادات، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف: 185).. ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ (ق: 6).. ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ (الغاشية: 17- 20).. ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الروم: 50), ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ (الأنعام: 99).. ﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (يونس: 101).. ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾.. (العنكبوت: 20).. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾.. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾... ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ (الواقعة: 63, 68, 71).. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ (الحج: 63)
ـ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ (الحج: 43)
ـ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ (النور: 63)
ـ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ (لقمان: 29)
ـ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ (فاطر: 27)
ـ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الزمر: 21)
ـ ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (لقمان: 20)
ـ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (النحل: 48)
ولذلك كان لعلماء المسلمين السبق في وضع قواعد وأصول العلم التجريبي.
وفي بداية الدعوة جعل الرسول فداء أسرى المشركين في غزوة بدر أن يعلِّم الأسير 10 من أطفال المسلمين القراءة والكتابة؛ لعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن التعليم أكثر وأنفع من المال، وبالتعليم يستطيع المسلمون امتلاك أدوات الحضارة والتكنولوجيا، بل جعل القرآن آية دعاءً لكل مسلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: من الآية 114).
ولم يكن صحابة رسول الله ولا تابعوهم ولا من تبعهم بإحسان يصنِّفون العلوم إلى علوم شرعية وعلوم كونية، وإنما كانوا يقتدون بهدي النبي في تقسيم العلم إلى علم نافع وعلم لا ينفع، وقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان يسأل الله علمًا نافعًا، وأنه كان يستعيذ بالله من علم لا ينفع، وقد ضرب القرآن الكريم مثلاً للعلم الذي لا ينفع في قصة هاروت وماروت: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 102).
فكل علم ينفع الناس هو علم إسلامين وهو علم مشروع, وهو علم حق، فالحق غاية العلم، والله قد أنزل الكتاب بالحق كما خلق السماوات والأرض بالحق، والحق ما ينفع الناس، فقد قال ربنا عز وجل في سورة الرعد: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17).
لو طبق المنهج الإسلامي لرأينا المدارس ذات الأبنية والمرافق والملاعب والأفنية والإدارة وهيئة التدريس والمناهج التي تصنع علماء المستقبل في كل مجالات الحياة، ولرأينا حكومةً تهتم بالبحث العلمي والنفقة عليه أكثر من اهتمامها بأمنها الشخصي؛ لأنها حينئذ حكومة يرعاها الله أولاً، ثم تنعم بحب شعبها ورعايته، وتأخذ المعلم حقه وكفايته، فيعطي جل جهده في مدرسته، ولوفرت 17 مليار جنيه تدفع سنويًّا من جيوب المصريين للدروس الخصوصية، ولعل القارئ يسألني ومن أين توفر هذه الأموال؟ أقول لو حكم المنهج الإسلامي لأغلقت حنفيات الفساد المفتوحة على مصراعيها؛ لتأكل الأخضر واليابس من ثروة الوطن!!.
منهجنا الإسلامي
ما نزل القرآن إلا لتحقيق السعادة للناس جميعًا في المأكل والمشرب والملبس والمسكن، حتى أحوالهم النفسية قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (محمد: 2).
لذلك فالفقر ضد توجهات المنهج الإسلامي، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه سلم منه، وجعله قرينًا للكفر "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر" والعشوائيات وانتشار الأمراض والانهيار الحضاري العلمي والأخلاقي ضد توجهات المنهج الإسلامي ولذلك في العصور التي حكم فيها المنهج الإسلامي عمَّ الرخاء والعلم والعدل البلاد والعباد، كما في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فأغنى الفقير المسلم وغير المسلم، وتزوَّج من يريد الزواج من بيت المال، ونودي أن أطعموا الطير حتى لا يقال إن الطير تجوع في بلاد المسلمين، فعارٌ أن تجوع الطير حين يحكم المنهج الإسلامي، وعار أن تتعثر البغلة حين يحكم المنهج الإسلامي، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "لو عثرت بغلة في العراق لسألني عنها الله لمَ لم تمهَِّد لها الطريق يا عمر"، فما بالنا والآلاف يُقتلون اليوم على الطرق بسبب سوء حالة هذه الطرق ومن يقتلون غرقى بالعبارات ومحترقين بالقطارات وقصور الثقافة ويموتون على أسرَّة المستشفيات من السرطانات والأوبئة.
لما حكم المنهج الإسلامي اقتص خليفة المسلمين عمر رضي الله عنه للنصراني من المسلم بن الحاكم، وقال "اضرب ابن الأكرمين"، ثم وجه كلماته لعمرو بن العاص: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".
لو حكم المنهج الإسلامي لنعم الحاكم والمحكوم بالأمن والأمان؛ لأن الحاكم حينئذ جاء بإرادة الشعب، ويعلم أنه أجير عند شعبه وليس سيدًا له.
لو حكم المنهج الإسلامي لطهرت أموال الأمة من الربا، ووقيت الأمة التعرض لحرب من الله؛ نتيجة المعاملات الربوية، وإني لأعجب من حكومات الشعوب الإسلامية التي تصرُّ على التعامل بالربا في بنوكها ومؤسساتها الاقتصادية في الوقت الذي تعلن فيه دولة مثل اليابان في نهاية الشهر الماضي النزول بسعر الفائدة إلى الصفر؛ من أجل إحداث انتعاش في السوق الياباني ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (البقرة: 279).
لو حكم المنهج الإسلامي لأمن الناس على أموالهم وأرواحهم وأعراضهم؛ لأن هناك تطبيقًا جادًّا وعادلاً للحدود الشرعية، وحينئذ سيحرص الذي يفكر في القتل على حياته، والسارق والمختلس والمرتشي سيحفظ يده، والزاني سيحافظ على حياته وصحته وحياته؛ لثقتهم بجدية وعدالة تطبيق الحدود، وصدق الحق سبحانه حين قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179).
لو حكم المنهج الإسلامي لأمن النصارى واليهود على حياتهم وأموالهم وأعراضهم وأماكن عباداتهم، فهم "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، وأداء حقوقهم والحفاظ عليها عبادة يتقرب بها المسلمون لربهم، قال النبى صلى الله عليه وسلم: "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (رواه أبو داود، وهو صحيح أو حسن على أقل تقدير، وحسنه ابن حجر والألباني رحمهما الله).
لو حكم المنهج الإسلامي لأخذت المرأة حقوقها التي سلبتها منها المناهج الأخرى، فالمرأة في منهجنا الإسلامي بنتًا وأختًا وأمًّا وجدةً؛ لها حقوقها كاملة غير منقوصة عبادة يتقرب بأدائها الرجال إلى ربهم وهي شريكة الرجل، وهي المجتمع كله وليست نصفه كما يدَّعي المدعون لحقوق وهمية للمرأة أشقتها في حياتها، فما قيمتنا نحن الرجال بدون أمهاتنا وزوجاتنا وأخواتنا وبناتنا وعماتنا وخالاتنا؟!
لو حكم المنهج الإسلامي ما وُجدت مساكن العشوائيات ولا سكان القبور ولا وُجدت الطبقية البغيضة المولدة للحقد بين طوائف وشرائح المجتمع؛ لأن كل فريق عليه حقوق وواجبات، فالغني يكتسب ماله من كده وتعبه، ومن الحلال، ويؤدي حق الله عليه من زكاة مال، فليبارك الله له في ماله، وليكثر الله من أمثاله، فبمثله تنمو الموارد ويحدث الاكتفاء الذاتي، والفقير يبذل أقصى ما بوسعه ليعيش وتساعده الدولة بدعمه ومساعدته، وكلٌّ راض بما قسمه الله له.. ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿71﴾ (النحل).
لو حكم المنهج الإسلامي لاعتدلت الأسعار؛ لأنه حينئذ لا فساد ولا احتكار.
لو حكم الإسلامي لما هاجرت العقول؛ لأنها حينئذ ستجد من يقدرها ويعرف لها قيمتها ودورها، ولكان العلماء ملء السمع والبصر، ولعاد لهم انتماؤهم للوطن، ولقدموا قدوات حقيقية للشباب يقتدون بهم بدلاً من تقديم قدوات وهمية هابطة في أخلاقياتها وسلوكها.
لو حكم المنهج الإسلامي لأصلحت معادلة الثواب والعقاب فيقرّب أهل الصلاح والعطاء والمخلصون لوطنهم ويستبعد الفاسدون المفسدون، ولوجدوا لوائح وقوانين صارمة تردعهم عن فسادهم ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا* وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ (الكهف: 87 و88).
لو حكم منهجنا الإسلامي ما وجدت الاذدواجية في القول والسلوك؛ لأن الناس سيفهمون الإسلام الفهم الشامل الصحيح، وأن الإسلام ليس داخل المساجد وفقط، ولكن الإسلام داخل المسجد وخارج المسجد أيضًا.. يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة).
إنه المنهج المنقذ، لا إصلاح ولا صلاح بغيره، ليس حكرًا على أحد، بل هو ملك لأمة الإسلام كلها حكامًا ومحكومين، نحن مسئولون عنه جميعًا أمام خالقنا، فلينتفض الجمبع لتطبيقه ونصرته، ولو ثاب حكامنا لرشدهم وطبقوه لصرنا لهم جنودًا وحراسًا.
أيها الناس.. إننا لا ندعو إلى مدينة أفلاطون الفاضلة التي لم تجاوز الأوراق التي كتبت عليها، ولكننا ندعو إلى منهج مجرَّب، بفضله تحول الجيل الأول من الصحابة من رعاة للغنم إلى قادة للأمم بإيمانهم العميق بالله الذي أنزله عليهم وبتجردهم وإخلاصهم في الالتزام به وتضحيتهم في الدفاع عنه ونشره بين العالمين ففتحوا به الدنيا شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا.
يا كل مصري حر.. إنها فرصتنا التاريخية التي لن تتكرر إلا بعد خمس سنوات، فلنخرج فرادى وجماعات؛ لتأييد من يؤمنون بالإسلام شرعةً ومنهاجًا، ولديهم الاستعداد للتضحية في سبيله.
سيقاوم الفاسدون المفسدون وسيناضلون من أجل حماية أنفسهم وفسادهم؛ خوفًا من أن يكشفهم المصلحون وسيوظفون إمكاناتهم وقدراتهم المادية والإعلامية والبلطجية لتشويه صورة المصلحين، ولن يستسلموا بسهولة ولكنهم لن يثبتوا أمام خروج الشعب الجماعي في الانتخابات القادمة وسيولون الدبر، فهلا تحركنا في تحقيق الإصلاح بالمنهج الإسلامي، والمشاركة فيه بالفكر والجهد والمال والنفس واجب شرعي، كما أفتى علماؤنا، وكما بينته الضرورة البشرية ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ (المزمل: من الآيه 20).