مما لا شك فيه أن استخدام العلوم الحديثة بات من الأمور المهمة جدًّا في تنظيم أي عمل ولدى أي مؤسسة، سواء كبر حجمها أو صغر، وفي حالة جماعة منظمة وكبيرة مثل "الإخوان المسلمون" وهي تستعد لخوض معركة انتخابية شرسة؛ لحجز مقاعد بالبرلمان المصري في مرحلة خطيرة تمر بها البلاد، وهي على أعتاب مطالب بتعديلات دستورية واجبة، واستحقاق رئاسي مرتقب، وحزب حاكم قابع على الأنفاس منذ عشرات السنين دون زحزحة ولا حتى استعداد لذلك، وكذلك في ظل جبهات معارضة متعددة التوجهات والأيديولوجيات، وحالة تردٍ عالمي في مستوى حقوق الإنسان، وتحقيق الحريات العامة، وأزمة مالية طاحنة، وعدم وجود اتحاد إسلامي قوي، ما أوجب التعامل مع الحملة الانتخابية وفق أسس علمية بعد التوكل على الله عزَّ وجلَّ.

 

ما هو ثابت حتى الآن في قضية التسويق بشكل عام ما يسمى بالمزيج التسويقي، وهذا المزيج يتناول أربع نقاط أساسية يجب العمل عليها عند التعامل مع أي موضوع يراد التسويق له وهي: المنتج، أماكن التوزيع، التسعير، الترويج وحيث إنها جميعًا تبدأ باللغة الإنجليزية بحرف الـP ، فأطلق عليهم العلماء الـ 4Ps، وبالتالي فإن علينا تطوير المسميات من منظور تجاري إلى منظور سياسي يتناسب مع الانتخابات، فيصبح المزيج التسويقي في حالتنا هو: المرشح، أماكن تسويق المرشح وتوزيع برنامجه، تكلفة الحملة، الترويج للمرشح في الدائرة.

 

وفي إطار دراسة الحملة بشكل عام يجب الوضع في الحسبان أمورًا مهمة سواء بالجماعة بشكل عام أو بكل دائرة على حدة، وهي: الوضع الداخلي، المنافسة، البيئة والظروف المحيطة، وأخيرًا أحد أهم النقاط التي يجب التعامل معها بحذر وهو الجمهور المرتقب؛ حيث إنه أصعب شيء في الحياة أن تتعامل مع أنماط بشرية متنوعة، وتحاول إقناعهم بنفس المنتج، أو إن شئت قل: بذات المرشح.

 

وبالتالي يتضح لنا ما أشرت إليه سابقًا أننا نحتاج إلى فريق عمل مدرب ومؤهل ومستعد لخوض الانتخابات على أسس واضحة في ذهنه، من حيث حدود إمكانيات جماعته أو دائرته على وضع الخصوص، فيكون مستخدمًا وسائل عمل تتناسب مع الواقع، ولا تتجاهله ولا يسعى إلى التقليد الأعمى بين الوسائل في دائرة أخرى وتعميمها بدائرته متجاهلاً المستهلك (الجمهور المرتقب) الذي هو أساس تقييم المرشح وبرنامجه، ومن ثمَّ اختياره أو العزوف عنه والتوجه إلى سلعة أخرى، أو بمعنى أدق مرشح آخر أو برنامج آخر.

 

إن العمل على إشباع رغبات الجمهور المرتقب عبر الاستجابة للحاجات الحقيقية لديهم– والذي يدخل في باب علم الاجتماع السياسي– يدفعنا إلى دراسة هذا الجمهور بكل دائرة، والتعرف على احتياجاته بدقة، ومن ثمَّ استخدام كل السبل التي تصل بنا إلى تحقيق رغباته من هذا المرشح الذي يأمل أن يكون خير ممثل له ومعين، خلال فترة ليست بالقصيرة، وإنما لمدة خمس سنوات قادمة، إما أن يستشعر خلالها أنه أحسن الاختيار، ومن ثمَّ عاد عليه النفع بقوة أو أساء الاختيار، ومن ثم خسر خمس سنوات من عمر التطوير في وطنه بشكل عام ودائرته بشكل خاص.

 

كما أنه من المهم جدًّا للقائمين على إدارة الحملة الانتخابية التعرف على المنافسين بقوة عبر تحليل واضح لكل منافس وقوته بالدائرة، ومرجعيته، ونقاط ضعفه، وجوانب النقص في حملته، والمناطق التي يركِّز فيها تسويق مرشحه، ومن ثمَّ تمكيننا من وضع الخطة المناسبة لمواجهة هذه المنافسة في ضوء القواعد السياسية المنظمة للعمل والمتاحة، كما أن دراسة البيئة والظروف المحيطتين بالعمل يمكِّننا من التعامل بدقة وحذر مع أي متغير، فليس ما يصلح بالقاهرة مثلاً يصلح بمحافظات القناة أو قبلي أو بحري، وهكذا فقد يشترك الجميع في بيئة عامة، ولكن مما لا شك فيه أن هناك ظروفًا محيطةً بكل دائرة تسمح لها بتنوع الوسائل وتغيرها عن بعضها بشرط ألا تحيد عن السياسة العامة، أو الأهداف العامة الموضوعتين للخطة الانتخابية للجماعة، فقد يسمح وضع محافظة أو دائرة بتنسيق معين بين الجبهات المشاركة، ولا تتاح نفس الظروف بدائرة أخرى وهكذا.

 

نعود بشكل مهم إلى المزيج التسويقي بالعملية الانتخابية، فيجب التعامل بدقة مع المرشح باعتباره منتجًا مهمًّا يتم طرحه سياسيًّا أمام جماهير دائرته، وبالتالي يجب أن تكون صورته مناسبة واختياره تم على أساس دراسة الواقع، واحتياجات الجمهور المرتقب كما ذكرنا سلفًا، فقد كان هناك مبدأ قديم في الإدارة البيعية قبل اكتشاف الطرق التسويقية الحديثة، يقول إن البيع يتمُّ عبر مبدأ (بيع ما يمكن إنتاجه) ثم تطور إلى (إنتاج ما يمكن بيعه) أي بالنظر إلى احتياجات الناس ودراستها وتحليلها يمكن تحديد نوع الخدمة أو المنتج الذي يمكن تقديمه إليه؛ حيث إن أي تجاهل للجمهور المرتقب يؤدي بالتبعية إلى فشل طرح المرشح بالسوق السياسي، ومن هنا نستطيع القول بأن محتوى المرشح وتدريبه وتأهيله ومظهره ووضوح لغته وفهمه الواقع العام وواقع دائرته واحتياجات جمهوره يمكِّنه بتوفيق الله من الوصول إليهم وإقناعهم، وبالتالي الحصول على أصواتهم للفوز بالمعركة الانتخابية السلمية، وتحقيق الهدف المرحلي المطلوب.

 

ومن الأدوار المهمة المنوطة بالمسوقين المحترفين للحملة التعرف على مناطق التوزيع الصحيحة والجاذبة والمطلوب توجيه المرشح إليها، وتوزيع برنامجه الانتخابي بها، وطرحه على جمهور الناخبين، بحيث يكون المكان مدروسًا ومجهزًا سلفاً، ويسهل وصول الناخب إليه، وبأعداد كبيرة للتعرف على البرنامج المطروح، وإحداث الألفة المطلوبة بين المرشح وبرنامجه وناخبيه المرتقبين، ومن ذلك الشارع والمنتديات والمؤتمرات، ومواقع الإنترنت والفيس بوك وخلافه من أماكن وجود الجمهور المستهدف.

 

ومن الجدير بالذكر التعرف على الحدود، وإمكانيات تكلفة الحملة لدى متخذي القرار التسويقي؛ حتى يتمكنوا من استخدام فضلى الوسائل، وبأحسن التكاليف حتى لا تكون الوسيلة متجاوزة، وبالتالي يتم رفضها وتضييع الوقت في الطرح وخلافه، ثم العودة إلى دراسة وسائل أخرى في حين أن الوقت من أثمن النقاط التي يجب وضعها في الاعتبار؛ حيث الحملة مرتبطة بتوقيت محدد، وليس كبيرًا، بداية من فتح باب الترشيح وغلقه واعتماد المرشحين وبدء الحملة وانتهائها، وكل ذلك يقع ما بين 3 نوفمبر و28 نوفمبر 2010م.

 

ويأتي الدور على الترويج- أحد أهم نقاط المزيج التسويقي- ومن هنا استخدام وسائل دعائية وإعلانية وإعلامية راقية، وتتناسب مع الهوية العامة وموضوع الحملة؛ حيث ينبغي توحيد شعار ولوجو الحملة والألوان المستخدمة وسرعة الرسالة ووضوحها وسهولة تناولها؛ حيث ذلك يساعد في طبع الصورة الذهنية لدى جمهور الناخبين، وبمجرد رؤية معطيات الهوية في أي مكان في مصر يتعرف الناخب تلقائيًّا على الحملة وجهة إصدارها وهوية وموضوع الحملة وأهدافها، فالدعاية السياسية هي مجموعة تقنيات وعمليات تهدف إلى توصيل معلومات وأفكار ومشاعر معينة إلى الناخبين، وهذا الاتصال يقوي أو يحطم بعض الآراء أو المعتقدات لدى الناخب.

 

وأنصح القائمين على الانتخابات الاستعانة بالله عزَّ وجلَّ، ثم الأخذ بالأسباب والاستعانة بالأسس العلمية المنظمة لمثل هذه الأمور، وحسن اختيار فرق العمل المناسبة والمؤهلة للمشاركة في إدارة وتنفيذ الحملة، يقول تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ (البقرة: من الآية 282).