لست أدري أهي حرب على شعار "الإسلام هو الحل" أم حرب على الإسلام نفسه؟!
لكن اللافت في هذه الحرب الدائرة على الشعار أنها تحوَّلت إلى تحدٍّ كبير من قبل النظام وأجهزته الرسمية، وباتت أجهزة الدولة مسخَّرةً للحرب على الشعار، وتسخير اللجنة العليا للانتخابات التي يختار أغلب أعضائها الحزب الحاكم، وهذه اللجنة يظل صوتها خافتًا، أو منعدمًا في تطبيق القانون إذا كان الأمر يتعلق بتزوير الانتخابات، أو الاعتداء على الناخبين، أو حقوق المرشحين، ولكن صوتها يكون عاليًا إذا كان الأمر يتعلق بشعار الإسلام هو الحل.
والغريب والعجيب أن الدستور والقانون يؤكدان هذا الشعار، والأصل في المسألة أن الشعار لا يمنع، ولكن يتنافس عليه كل المرشحين أيهم يكون أحق به للأسباب الآتية:
1- المادة الثانية من الدستور تنص على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وبما أن أجهزة الدولة من واجبها أن تشجِّع الشعب على تطبيق الدستور فمن الواجب أن كل المجتمع ينحى ناحية الإسلام في كل شيء، فمنع شعار "الإسلام هو الحل" أمر منكر ومخالف بشدة لهذا النص، ولا يعتدّ بأي قانون أو نص مخالف للدستور؛ لأن الدستور فوق القانون.
2- وتنص المادة الثالثة من الدستور على أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور، وبما أن الأغلبية الكاسحة من الشعب المصري تريد الإسلام فمن الواجب على الشعب أن يمارس هذه السيادة، ويرفع شعار "الإسلام هو الحل"، وهو نفسه مصدر السلطات، وهو نفسه الذي يصون الوحدة الوطنية.
3- في الباب الثاني من الدستور الذي يتحدث عن المقومات الأساسية للمجتمع نص في أكثر من مادة على أن قوام الأسرة والمجتمع هو الدين، ومراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية، وأن التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم، وهذا يتناسب تمامًا مع الشعار؛ على اعتبار أن أكثر من 95% من الشعب المصري يدين بالإسلام.
4- هناك من يحتجُّ بالمادة الخامسة من الدستور التي تنص في فقرتها الأخيرة على أن للمواطنين حقَّ تكوين الأحزاب السياسية وفقًا للقانون، ولا تجوز مباشرة أي نشاط سياسي، أو قيام أحزاب سياسية على أي مرجعية، أو أساس ديني، أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل.
فإذا فرضنا أن هذه المادة تمنع أي استخدام للشعارات الدينية في الانتخابات أو أي نشاط سياسي؛ فهو يتعارض مع النصوص الصريحة والكثيرة في الدستور التي تنادي بالدين، وإذا كان هناك تضاربٌ في تفسير النصوص فإن محكمة القضاء الإداري وحدها منوطةٌ بتوضيح هذا التضارب والفصل بين النصوص، وقد حكمت المحكمة الإدارية العليا بأن شعار "الإسلام هو الحل" ليس شعارًا دينيًّا، ويتوافق مع الدستور والقانون وأنه غير مخالف إذا رُفع كشعار انتخابي، وهو حكم نهائي غير قابل للطعن.
5- هناك من يزعم أن رفع شعار "الإسلام هو الحل" يغذِّي الفتنة الطائفية بين قطبي الأمة المسلمين والمسيحيين؛ على اعتبار أن من حق المسيحيين أن يرفعوا شعار "المسيحية هي الحل"!!، لكن ذلك من السهل تفنيده ورفضه؛ على اعتبار أن الدستور ينص على أن دين الدولة هو الإسلام، وهو دين أغلبية الشعب المصري، وبما أن الدستور نفسه نصَّ في مادته الأولى على أن نظام الدولة ديمقراطي فمن الطبيعي في النظم الديمقراطية أن الأغلبية تحكم الأقلية، ولا يتعارض ذلك مع المواطنة؛ على اعتبار أن الإسلام يكفل الحقوق الكاملة للإخوة الأقباط؛ حيث إنَّ لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وعلى اعتبار أن المسيحية تفصل بين الدين والدولة، والإسلام منهج حياة، ليس فيه هذا الفصل، وهذا يعني أن شعار "الإسلام هو الحل" ينطبق على مشكلات الإخوة الأقباط ويكفل بحلها.
أحب أن أشير هنا إلى أنه عندما حدثت أزمة الزواج الثاني، وحكمت المحكمة الإدارية العليا بحكم نهائي غير قابل للطعن بأحقية المواطن المسيحي في الزواج من الثانية، وعارض البابا شنودة هذا الحكم؛ أكد هو بأنه يستند للشريعة الإسلامية التي تعطي للأقباط الحق بأن تطبَّق عليهم الشريعة المسيحية في الأحوال الشخصية.
6- أثيرت قضية الشعار بعد التعديلات الدستورية وفي مواجهة الفقرة الأخيرة من المادة الخامسة سالفة الذكر رفع اقتراح من إخوان البحيرة بأن يستبدل شعار "الإسلام هو الحل" بشعار "اللي بالي بالك هو الحل"؛ في إشارة إلى الإسلام الممنوع، وهذا من العجائب والغرائب؛ على اعتبار أنك لا تسطيع ذكر الإسلام، وكأنها حرب طمس لهويَّة الأمة بمرجعيتها الإسلامية.
7- يؤكد القانونيون والفقهاء الدستوريون بأنه لا يُعتدُّ بالنص، سواء كان دستوريًّا أو قانونيًّا، إذ لم يلبِّ حاجة المجتمع، وهذا المجتمع يريد الإسلام، فلا يعتدّ بأي نصوص تحُول بين المجتمع وما يريد، حتى لو كان منصوصًا عليه في الدستور والقانون، ويعتبر عديم الأثر؛ لأن الدساتير والقوانين جاءت لتلبية حاجات المجتمع وليس حرمانه منها، وقالوا إن النص إذا تمَّ تحويره لمصلحة فئة خاصة فلا يعتدّ به أيضًا؛ لأنه عارض رغبة الأغلبية من المجتمع.
هذا الكلام النفيس لا يؤكد فقط أحقية الشعار المرغوب فيه بشدَّة من المجتمع، ولكن يؤكد أحقية الجماعات المختلفة في التعبير عن رأيها، ووجودها على الساحة إذا أصبحت حاجةً مجتمعيةً، وهذا ينطبق على جماعة الإخوان المسلمين، وأن محاولة إقصائها عن طريق القانون غير دستوري، وغير قانوني لرغبة المجتمع في وجودها بدليل نجاح 88 نائبًا بمجلس الشعب في انتخابات 2005م، بما يمثِّل خمس المجلس النيابي، ناهيك عن التزوير الذي تمَّ بحق 40 نائبًا آخرين باعتراف رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف، وأن كل الدراسات المحايدة أكدت أن الإخوان يحظون بتأييد ثلث الشعب المصري، فأصبح الإخوان وشعارهم الانتخابي "الإسلام هو الحل" يمثلان رغبةً مجتمعيةً ملحَّةً، وعليه فإن أيَّ نص يرى استبعادهما يصبح غير دستوري وغير قانوني.
وفي نفس السياق فإن الذين يأتون بالتزوير في أي انتخابات يأتون على غير رغبات المجتمع والقانون والدستور، وهذا يعني أنهم هم المحظورون بالدستور والقانون.
والأمر يبدو محسومًا بأن الشرعية الدستورية التي تلبِّي حاجات المجتمع هي الأصل، وأن شرعية التزوير لا أصل لها.
ومن الواضحِ الجليِّ أن شرعية التزوير هي التي تُشعل الحرب على الإسلام هو الحل.