قامت الحكومة باعتقال مجموعة من قيادات الإخوان المسلمين فور إعلانهم المشاركة في الانتخابات، ثم أوقفت بث كثيرٍ من القنوات السُنيِّة مثل قناة (الناس)، ولم يتم وقف أيٍّ من القنوات الشيعية، ولا القنوات التي تهاجم القرآن ورسول الإسلام، ولا التي تدعو إلى الإباحية والفجور.. والبعض يعتقد أن الدافع هو التعليمات الأمريكية وضغوط الكنيسة الأرثوذوكسية لمواجهة المدِّ الإسلامي، هذا الكلام يبدو صحيحًا لكنه ليس دقيقًا، فالتعليمات والضغوط قديمة ومستمرة عمومًا، لكن اختيار هذه القنوات خصوصًا، وفي هذا التوقيت هو أمر مرتبط أساسًا بموعد انتخابات 28 نوفمبر، ولا يوجد أهم من أن نعي جميعًا الدافع والمغزى من كل ذلك.
- وقف البث لعددٍ كبيرٍ من القنوات دفعة واحدة لا يعني أن الدولة قد استيقظت فجأةً، كما فهم البعض، بل يعني توصيل رسالة قاطعة بأنها تقصد التعسُّف، كما أن شروط عودة البث، منها استخدام هذه القنوات للموسيقى بشكلٍ عام وشبه مستمر مع عرض الأفلام والمسرحيات؛ بحيث لا تتعدَّى البرامج الدينية 50% من زمن البث، يعني المطلوب قنوات مختلفة تمامًا شبه علمانية؛ للقضاء على القنوات الإسلامية المتخصصة، مع الحفاظ على الأخرى المتخصصة، رياضية فقط، إباحية فقط، مسلسلات فقط، أفلام فقط، دينية أخرى غير إسلامية وخلافه.
- هل يعقل أن تكون الأسباب هي (تبعًا لتصريحات القيادات الرسمية) الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي؛ للحفاظ على ثوابت المجتمع من القيم والمبادئ والعادات والتقاليد؟ العكس تمامًا!!.
- إنه التضييق المباشر، دون سندٍ قانوني، على البنية التحتية الفكرية السُنيِّة الإسلامية التي تلتزم بالوسطية والاعتدال، وبالتالي استطاعت تحقيق الجماهيرية والشعبية، ويعني ذلك التعسُّف في إضعاف التوجُّه الفكري الذي يمثِّل هوية الشعب، ويعني بالضرورة دعم التوجه العلماني الذي يحاول فاشلاً إقصاء الإسلام من توجيه مجالات الحياة المختلفة للمواطنين.
واختيار هذا التوقيت يعني تأميم وسائل الإعلام ذات التوجُّه الإسلامي للتضييق المباشر على الرأي العام الإسلامي بشأن الانتخابات البرلمانية؛ لتكون انتخابات ممسوخة الهوية حتى تصبح علمانيةً بامتياز، كما يعني المزيد من محاصرة التيار السلمي السياسي الإسلامي ليس بسبب أنه إسلامي بل لأنه.. التيار الشعبي الذي يمتلك الجماهيرية، ويمثِّل هوية الشعب.. وبالتالي هو التيار المؤهل لقيادة عملية التغيير السلمي الذي تنادي بها كل القوى السياسية والاجتماعية في مصر، فإذا كان التيار الشعبي مثلاً هو الماركسي أو العلماني سيصبح نظام الحكم ضد التيار الماركسي أو العلماني، وهكذا من خطط وإجراءات وتكريس كل إمكانات الدولة لمحاصرة هذا التيار، من تجفيف المنابع وإقصاء رموزه ومؤسساته مهما كان في ذلك من تهديدٍ للأمن القومي، ولتماسك المجتمع، وبالتالي تخلفه عمومًا في جميع المجالات، مثلما هو الحاصل بمصر الآن.
نحن بصدد المزيد من التضاد بين الدولة والمجتمع، والحاكم والمحكوم، والذي ينتج بسرعة مزيدًا من الأزمات الكارثية.. وإذا كان الأمر كذلك بسبب الانتخابات البرلمانية نستطيع أن نتوقع أحوال المجتمع المصري بسبب الانتخابات الرئاسية.
إننا نحتاج إلى ميثاق شرف إنساني شامل لكل مجالات الحياة وليس إعلاميًّا فقط، وهو بين أيدينا إنه منهج ومنهاج ثقافتنا وهويتنا المتجذرة في عقولنا وقلوبنا.
--------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com.