حذارِ أن يختزل بعض إخواني الجولة الحالية في معركة سياسية ضيِّقة بيننا وبين النظام؛ فينزل بسقف طموحاتنا، ولا يتعدَّى خروج المواطن ساعةً لتدوين صوته وبالكاد، ربما وهو متردد مذعور أو متأفف معترض، فإذا دارت آلة التزوير القميئة، وكررت فعلتها أقسمَ ألا يعود لمثل هذا العبث، وانهمك الأخ حينها في ترضيته بتبرير ما حدث، حذار أن نتوه بين الزخم عن المهمة والرسالة، فننسى من نحن وماذا نريد؟!.
لن نكلَّ، ولن نحيد أيها الإخوان- بإذن الله- عن مهمتنا التي نذرنا العمر من أجلها، ألا وهي استنهاض الأمة كلها، بدءًا باستنهاض شعبنا نهضة شاملة قوية مؤثرة؛ ليشاركنا بدوره مهمتنا الأولى تجاه الأمة بعد انتزاع حقه المغتصب، وانقاذ بلده المتهاوية، وبناء مستقبله الغامض.
إن شعبنا- شاء أم أبى- هو المرشح الأول لقيادة أمته نحو التحرر والاستقلال والوحدة، مستعيدًا مكانتها المفقودة وحريتها المسلوبة وريادتها للأمم والشعوب، مهمتنا- إذًا- تتركز مرحلتها الحالية في الانتقال به من موقع المتفرج غالبًا، أو المتعاطف أحيانًا، أو المساعد نادرًا إلى موقع المشارك في تفهُّم الرسالة بشمولها، وحمل المهمة بضخامتها دون اختزال، باختصار، فإن حشد الأصوات ومقاومة التزوير واستهداف المقاعد ينبغي أن يكون اليوم أدنى، وليس غاية ما ندعو إليه وندور حوله!!.
إن جولة اليوم هي إحدى حلقات تلك المهمة، بل إنها- ولظروف محلية وإقليمية ودولية- حلقة مركزة مشحونة ملتهبة؛ ما يصنع منها فرصة من النوع الممتاز للطرق على المعدن الشعبي وهو ساخن؛ فيكون أقرب من أي وقت آخر إلى الإدراك الكامل والنهضة الشاملة.
انطلقوا أيها الإخوان في كل صوب وحدب، وسابقوا الزمن واغتنموا الفرصة، ولا تضيعوها في المهاترات، ومتابعة التراشقات الإعلامية في مانشيتات الصحف وغيرها، تاركين ذلك المجال لمن لا يجيدون غير فنون الشجب والإدانة، الذين ينتظرون عصا سحرية تحرِّك الشارع وتغيِّر الأوضاع، وهم جالسون في مكاتبهم، انطلقوا فإن معركتنا هناك على الأرض في قلب المجتمع، وليس مع النظام، في الشوارع والطرقات والمواصلات، في المساجد، والنوادي، والمقاهي، والمدارس، والجامعات، والمصانع، في المدن، والقرى، والنجوع، فإن ضاق كل ذلك بكم، وأغلقتها الأيدي الآثمة في وجوهكم فافتحوا أبواب بيوتكم على مصراعيها وعلى بساطتها في وضح النهار؛ لتكون قبلةً تجمعون فيها من تستطيعون، وصاحب الغاية لن يعدم وسيلة.
انطلقوا وعرِّفوا شعبكم بنفسه، وبما ينبغي عليه أن يكون، حملوه الأمانة، ولا تتسوَّلوا منه الإحسان، ذكّروه أنه الرائد في التاريخ والجغرافيا والعلم والجهاد، أقنعوه أنه نائم، وعليه فورًا أن يستيقظ؛ لأن استمرار نومه هدف رئيسي لقوى الظلم والظلام في العالم.
علِّموه أن جهاده اليوم من أوجب الواجبات، وأن "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، لقِّنوه حب الشهادة وأن "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"، أفهموه أن مقاومة التزوير ومحاصرة المزوِّرين بشتى الطرق من الآن، وأن مرابطته يوم الانتخاب أمام لجان التصويت ثم الفرز- وإن لم يمتلك صوتًا أو مُنع أدائه- هو أدنى ما يبذله، أمِّا الاستراحة في البيوت، واعتزال الأحداث في هذا الموطن، متفضلاً- في أحسن الأحوال- بأداء صوته فليس من شيم الرجال بل ولا النساء، وأقل ما يوصف به أنه مشاركة صارخة في إتمام الجريمة وتقاعس مخجل عن واجباته تجاه الدين والوطن والأمة، وانسحاب مبكر مؤسف من المهام العظام الملقاة على عاتقه، أرشدوه أنه على كل فرد أن يبدأ بنفسه، ولا ينتظر الآخرين، بل عليه أن يسعى إلى إيقاظهم، فإن لم يتيقظوا أو تيقظ بعضهم دون بعض، فحسبه أنه نال ثواب المحاولة، وشرف السبق، وأنَّ ليس ذلك آخر المطاف.
صارحوه بأن عليه ألا يعيش لنفسه فحسب ولا حتى لوطنه الصغير مصر، إنما يعيش لذلك العالم المترامي الأطراف المسمَّى بالعالم الإسلامي، بالتالي فإن عمالقة الإجرام في العالم لن يتركوه يمضي في مهمته التي تعارض مصالحهم، وستفرض عليه حتمًا مجابهتهم، لا تستهلكوه في المحدود الصغير ولو كان موضوع الساعة، فيقل عطاؤه إلى تلك السلبية المميتة واسبحوا به في السماء؛ لأن دوره هناك بين النجوم والأجرام.
اقرعوه بالأذان وأسمعوه ذكرًا من القرآن فذلك وقوده الحقيقي المستعر، واستنفروه ضد الطغاة الطغيان ليس في مصر وحدها لكن في كل مكان، أرجزوه بحداءاتكم الحماسية الملهبة "لبيك إسلام البطولة" "بلادي بلادي اسلمي وانعمي" "هو الحق يحشد أجناده..".
صدِّقوني إخواني إننا لن نصل إلى نتائج ملموسة في استنهاض شعبنا نهضة حقيقية ما دمنا ظللنا نخاطبه بخطاب المؤلَفة قلوبهم ولم نستنفره استنفارًا، وبأن براكين الخير وينابيع العطاء الكامنة فيه لن تنفجر، وكذا النماذج والدرر النفيسة المدفونة بين شرائحه وطبقاته لن تنجلي إلا إذا عاش مشروعنا بعمقه المتأجج ورأى ما نرى من معالم الصراع وأدرك ما ندرك من عظم المسئولية، آه ثم آه لو هبَّ المارد واقفًا على قدميه قد ملأ التحدي عينيه.. لست خياليًّا إن قلت إنَّ ثمة تغيير كوني حينها يكون قد أقبل وتحوُّل في مجرى التاريخ، يكون قد بدأ، ووقتها لن تشغلنا الصناديق ولا مقاعد البرلمان كثيرًا أمام ذاك الحدث الهائل وما يترتب عليه من قلب للموازين!!.
أخشى ما أخشاه أن ينبري من يتهم مقالتي بإفراط في الحماس، إذ كيف يمكننا في أسابيع إنجاز ما لم يُنجَز في سنوات أو عقود؟! وذلك خلط وتثبيط.. خلط بين ما قصدت من ارتقاء بالطموح والأمل حتى الثريا ولا حرج والتوقعات والتحليلات مهما كانت قاتمة، وتثبيط لصفنا الذي هو اليوم أحوج ما يكون إلى اشتعال الحماس لأقصاه؛ كي يبذل ما في وسعه ضارعًا إلى الله، فلربما أتى أمره بين عشية وضحاها، تذكروا إخواني أن أمر الله اذا تنزَّل لن يعترضه أحد كائنًا من كان، وأنه بين الكاف والنون.
فإن لم يشأ الله ولم يتيقظ المارد في جولتنا تلك.. فحسبنا أنه تململ واستمع وربما استعدَّ؛ لكي يقف لينطلق، ولنستكمل في توابع الجولة والجولات التالية، إذ أمامنا شهور حبالى بالأحداث، ولن نحيد بإذن الله عن مسارنا الصحيح ورسالتنا الأصيلة حتى يتم الله نوره أو نموت دونه ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6)﴾ (الروم).