هناك العديد من الأسئلة حول رغبة جماعة الإخوان المسلمين في تأسيس حزب سياسي لها، وهي أسئلة تدفع للكشف عن الجوانب المختلفة لتلك القضية، فمن الثابت أن الجماعة وافقت من حيث المبدأ على نظام التعدد الحزبي، وعبَّرت عن تلك القناعة في بيانٍ للناس، والذي نُشِرَ في بداية تسعينيات القرن الماضي، وكان ثمرة مناقشات على مستوى جماعات الإخوان المسلمين، ومثَّل أساسًا للرؤية السياسية للجماعة، شكَّلت مرحلةً جديدةً من خطابها السياسي.
وقد شمل بيانٌ للناس، بعض القضايا الأخرى المهمة، مثل الموقف من المسيحيين والمرأة، وبهذا البيان، أقرَّت الجماعة النظام الحزبي والتعددية السياسية، كوسيلةٍ لإقامة النظام السياسي المستند لمبدأ الشورى، والتي تراها الجماعة ملزمة، كفرضٍ ديني، ومن هذا المنطلق، أصبحت آليات العمل الديمقراطي تمثل الآلية المناسبة في الوقت الراهن؛؛ لتحقيق مبدأ الشورى، وهو ما يتأكد من متابعة النصوص السياسية الأساسية للجماعة، وقد أقرَّت مؤسسات الجماعة مبدأ تأسيس الجماعة لحزب سياسي، وتركت تحديد التوقيت المناسب لذلك، للمؤسسات التنفيذية للجماعة، لتحدد متى تؤسس الجماعة حزبًا سياسيًّا.
ويصعب الكشف عن الأبعاد المختلفة لتلك القضية، دون النظر للواقع السياسي الراهن؛ حيث ترفض السلطة السياسية أي دور سياسي للجماعة، كما ترفض منح الجماعة ترخيصًا قانونيًّا كجمعية، حتى تحاصر الجماعة داخل إطار الحظر القانوني، وتستخدم هذا الحظر لحصار الجماعة وإقصائها من المجال السياسي.
وإذا كانت السلطة تحاول إقصاء الجماعة من المجال السياسي، وحصار مشاركتها الانتخابية، رغم أن أعضاءها يشاركون في الانتخابات كمستقلين، فهي بالتالي لن تسمح للجماعة بتأسيس حزب سياسي؛ فواقعيًّا، لا يمكن للجماعة تأسيس حزب سياسي في المرحلة الراهنة، حتى وإن أرادت ذلك، ويصبح قرارها بتأسيس الحزب أو عدمه يؤدي إلى نتيجة واحدة، وهي أنها لن تتمكن من تأسيس هذا الحزب.
ورغم استحالة تأسيس حزب في ظلِّ استمرار السلطة الحاكمة المستبدة، والتي تعتبر الجماعة هي البديل الوحيد القادر على الوصول للسلطة، إلا أن الكثير من النقاش يدور حول الموقف الحقيقي للجماعة، وهل تريد الجماعة بالفعل تأسيس حزب سياسي لها، أم أنها لا تريد ذلك وتستخدم موقف السلطة ووجود لجنة الأحزاب الحكومية كذريعةٍ لرفض التقدم بأوراق تأسيس حزب سياسي؟ بالطبع تدخل إجابة هذا السؤال في عالم الافتراضات النظرية، ولكن بعض المشاهد الواقعية، يمكن أن تتيح الفرصة لمعرفة الجوانب المختلفة لهذه القضية، في نظر قيادات الجماعة على الأقل.
والحاصل أن فكرة تأسيس الحزب مؤجلة بسبب موقف السلطة الحاكمة، وبسبب أن الجماعة ليس متاحًا لها استعادةُ وضعها كجمعية لا تهدف للربح، كما أن الدستور والقانون الحالي لا ينظم شكل التنظيمات، مثل دستور 23، وكذلك بسبب أن معظم الجمعيات الخيرية التي أسستها الجماعة تم الاستيلاء عليها من قِبل السلطة الحاكمة.
وهناك أيضًا أسباب أخرى، فالجماعة ما زالت تعمل بوصفها جماعة ضغط سياسي، والشكل المناسب لجماعات الضغط هو الجمعية وليس الحزب، ويمكن ملاحظة وجود تخوفات لدى البعض من أن تأسيس الحزب السياسي قد يدفع الجماعة بعيدًا عن دورها كحركةٍ اجتماعيةٍ وجماعة ضغط سياسي، ويدخلها في مرحلة التنافس للوصول للسلطة.
ومن الواضح أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر خاصةً، تحاول إبعاد نفسها عن مرحلة التنافس للوصول للسلطة، ويفهم من هذا أن دخولها هذه المرحلة في مصر، ليس مجرَّد قرار مرحلي أو جزئي، ولكنه سيكون قرارًا له تأثيره على مختلف الأوضاع في الإقليم العربي والإسلامي، ومع وجود حذرٍ من استعجال مرحلة التنافس للوصول للسلطة، نجد الجماعة تقاوم الطلبات التي تريد تعجيل العمل لتأسيس حزب سياسي، وهي رغبات تأتي من داخلها، ولكنها تُقاوم.
ولكن الأمر لا يقتصر فقط على الحذر من الدخول في مرحلة التنافس للوصول للسلطة؛ لأن الجماعة لديها رؤية تؤكد أن تأسيس الحزب السياسي، يُوفِّر لها الشكل المؤسسي القانوني لممارسة عملها السياسي، دون أن يعني ذلك الدخول في مرحلة التنافس للوصول للسلطة، حتى وإن كانت الأحزاب ليس لها من وظيفةٍ إلا التنافس للوصول للسلطة.
وهنا يظهر عامل آخر يؤثر على مسألة تأسيس حزب سياسي، يتمثل في الحذر من أن تكون لافتة الحزب، ممرًّا لحدوث ازدواجية داخل الجماعة، تؤدي إلى وجود جماعة وحزب، وبينهما مساحة فاصلة، مما يؤدي إلى ضرب وحدة الجماعة وتماسكها، ولهذا نجد أن بعض الخطابات تؤكد أن الجماعة هي الأساس، وأن أي مؤسسات أخرى، هي واجهات للجماعة.
وهذا التفكير من قِبل الجماعة، ينتج من طبيعة الحركات الاجتماعية وجماعات الضغط، والتي تمثل القوى الاجتماعية الأساسية، والقاعدة الجماهيرية الرئيسة، لأي أحزاب تُشكَّل للتعبير عن تلك الكتلة ومشروعها.. فما دامت الجماعة تمثل الآن كتلةً جماهيريةً لها مشروعها، فهي عندما تؤسس حزبًا، سوف يكون تعبيرًا عن تلك الكتلة ومشروعها، ونافذة لتعمل من خلاله الحركة الاجتماعية في المجال السياسي لتحقيق مشروعها.
وهنا تظهر إشكالية العلاقة بين المؤسسات المختلفة، حيث إنها لن تكون علاقة إدارية رسمية؛ لأن القوانين تفترض استقلال المؤسسة الاجتماعية عن المؤسسة السياسية، وهي مشكلة قد تجد حلاًّ لها إذا كان أعضاء الجماعة سيكونون أعضاء الحزب، وبهذا يصبح التنسيق بينهما ناتجًا عن أن قاعدة العضوية الرئيسية واحدة، ولكنَّ هناك تخوفًا يظهر على السطح من فكرة تكوين الحزب، حتى إذا ظلَّ مجرد لافتة لحزبٍ تحت التأسيس، وهو ما يعني وجود شعور متزايد داخل قيادة الجماعة، من أن لافتة الحزب، سوف تسمح بمساحة لتعارض المواقف بين ممثلي الحزب والجماعة، مما يؤثر على تماسك الجماعة أو يعرضها للانشقاق، وربما تكون تجربة تأسيس حزب الوسط من أعضاء بالجماعة استقالوا منها بعد ذلك، ومثلوا حركة انشقاق بدرجةٍ أو أخرى، ساهمت في تزايد تلك المخاوف، أو قدمت لها مثالاً عمليًّا يشمل تفاصيل تتعلق بالجوانب التنظيمية، والتي سمحت بحدوث هذا الخروج التنظيمي.
لكن الصورة لا تكتمل إلا بالنظر إلى وجهات النظر الأخرى، والتي يرى بعضها أن الحزب سوف يدفع الجماعة نحو تغيير خطابها السياسي، وأنه سوف يكون القاطرة التي تقود الجماعة وليس العكس، أو رؤية البعض أن الحزب يمكن أن يكون متحررًا من الاعتبارات التي تحد من حركة الجماعة، فيصبح أكثر مرونةً منها؛ مما يمكنه من التجاوب بصورةٍ أفضل مع الأوضاع السياسي.
وهذه الرؤى تطرح المشكلة بصورة مختلفة، وهي كيفية تنظيم العمل بين الجماعة والحزب، وهل المطلوب أن يكون الحزب متحررًا من قيود الجماعة، أم تقود الجماعة الحزب أم يقود الحزب الجماعة؟ وتلك تبدو الأسئلة الأهم في مسألة الحزب، وهي لا تعني استحالة العمل من خلال نموذج الجماعة والحزب، ولكن تعني بالنسبة للجماعة، أهمية توفر الشروط اللازمة، لجعل مسار الحزب مرتبطًا بمسار الجماعة، حتى يكون تعبيرًا دقيقًا عنها، ويتحقق التوافق بين مسار الجماعة ومسار الحزب.
هنا يظهر أحيانًا تخوف الجماعة من أن يؤدي الحصار الذي تتعرض له، مع كثرة المقترحات والمبادرات التي تهدف إلى كسر هذا الحصار، واعتبار البعض أن لافتة الحزب كافية لكسر جمود الحالة الراهنة، إلى نمو حالة من عدم التجانس داخل الجماعة، ومع تعرُّضها إلى ضغوط خارجية، يؤدي هذا إلى تفجيرها من الداخل، وقد تكون المخاوف واقعية أو مبالغ فيها، ولكنها في كل الأحوال مخاوف حاضرة.