حذَّر أساتذة الجامعات مجلسهم الأعلى من الالتفاف على أحكام القضاء النهائية الصادرة بإلغاء الحرس الجامعي، مؤكدين أن إصرار المجلس على جعل وزارة الداخلية طرفًا رئيسيًّا في منظومة الحرس الجامعي الجديدة عدوانٌ جديدٌ على حكم القضاء، الذي شدَّد على إبعاد وزارة الداخلية عن الجامعات بشكل نهائي؛ ما يضمن استقلال العمل الجامعي من جميع جوانبه.
وكان المجلس الأعلى للجامعات قد اجتمع أول أمس؛ لبحث خيارات التعامل مع حكم القضاء الإداري الواجب النفاذ بطرد الحرس الجامعي، وأي تدخل من قبل وزارة الداخلية في الجامعات، وأخرج المجلس توصيات بالاستعانة بموظفين قضوا فترات من حياتهم في العمل العسكري أو في الشرطة على المعاش، والاستعانة برجال الشرطة لحماية الجامعة من الخارج.
بدايةً قال د. نصر رضوان، الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة والسكرتير الشرعي لنادي هيئة التدريس القاهرة، لـ(إخوان أون لاين): إن توصيات المجلس الأعلى للجامعات تعد نوعًا من التحايل والالتفاف على حكم القضاء الحاسم، بخصوص هذه القضية، وهذا ليس أمرًا مفاجئًا، فلا يجب أن ينتظر أحد من السلطات التنفيذية أن تنفِّذ أحكام القضاء المضادة لرغبات بعض المسئولين في الدولة، فحكم القضاء الإداري أكد استقلال الجامعة من أية سلطة مهما كانت قوتها، وخاصةً وزارة الداخلية التي تتدخل في العديد من الأمور، وكأنها هي صاحبة الأمر والنهي.
وأضاف رضوان أن الحل لمنع هذا التحايل هو استمرار نضال القوى الحرة داخل الجامعة، بدايةً من أعضاء هيئة التدريس الرافضين للتدخلات الأمنية، بالإضافة إلى الحركة الطلابية؛ من أجل منع يد الأمن من العبث داخل الجامعة، باستخدام كل الطرق القانونية المتاحة، وأولها القضاء المصري الشامخ.
وانتقد د. أحمد دراج- القيادي بحركة 9 مارس لاستقلال الجامعات- الطريقة التي يعالج بها المجلس الأعلى للجامعات المسألة، مؤكدًا أنه أسلوب ملتوٍ للالتفاف على الحكم، فجميع الـ"سنياريوهات" التي قيل إن المجلس ناقشها جعلت وزارة الداخلية طرفًا أصيلاً فيها، رغم أن الوزارة ليس لها شأن بحكم القضاء إلا تنفيذه، وكأن وجود الداخلية داخل الجامعة "فرض عين".
وأضاف دراج أن من تلك الخيارات استبدال زي مدني بالزي العسكري للحرس؛ ليشبه بذلك بقية الجهات الأمنية الموجودة بالجامعات، أو توزيع نقاط الحرس على البوابات من خارج الجامعات، والسماح لهم بالدخول عند الحاجة، أو تعيين مدير أمن للجامعة كان يعمل ضابطًا سابقًا بوزارة الداخلية، أو تكليف عدد من الضباط السابقين بتشكيل وحدات الأمن بالجامعات، أو انتداب الحرس من الداخلية على أن يحصل الضباط على رواتبهم من الجامعة، بدلاً من وزارة الداخلية، وكأن المشكلة ليست في وجود الداخلية داخل الجامعة، وإنما فيمن يعطيهم رواتبهم؛ حيث ترك المجلس المشكلة الأصلية وناقش الفرع.
وأوضح دراج أنه حتى التوصيات التي أخرجها المجلس الأعلى بانتداب أمنيين سابقين إلى الجامعة فيها شبهة، رغم أنهم في ظاهرهم قد انقطعت علاقتهم بالداخلية؛ لأنهم بالمعاش أو سابقون.
وتساءل: لماذا لا تأتي الجامعة بحرس مدني يحرس المنشآت، مثل العديد من الجامعات الخاصة، وغيرها من المؤسسات التي يحميها أفراد أمن مدنيون، لا علاقة لهم بالداخلية من قريب أو بعيد؟! ولماذا الإصرار على جعل الداخلية جزءًا من الجامعة، رغم أنها طرف دخيل؟ وهل يرى وزير التعاليم العالي أن الجامعات في خطر من دون عقلية أمنية متحجرة تحرسها، أم أن وجود ضباط الداخلية حتى ولو كانوا سابقين له غرض آخر؟!
وأضافت د. ليلى سويف، عضو هيئة التدريس بكلية العلوم بجامعة القاهرة، أن الداخلية لها قدم داخل الجامعة بكل الأحوال، سواء بأسلوب مباشر عن طريق الحرس الجامعي الذين يلبسون الزي الرسمي، أو بأسلوب غير مباشر عن طريق المخبرين وضباط أمن الدولة الذين يتجولون بزي مدني داخل الجامعة، فالأمن لا يريد الجامعة مستقلة بعيدًا عن سطوته، وهنا المشكلة أن حكم القضاء خالف إرادة الأمن، ويضاف إليها تراكمات حرس جامعي ظل بطريق غير قانوني في الجامعة لأكثر من 30 عامًا؛ ما أدَّى لما نره من تبعات مأساوية هذه الأيام، من ضرب وإهانة للطلاب وأساتذة الجامعات من قِبَل الحرس الجامعي.
وأوضحت أن التوصية بذاتها ليس فيها مشكلة، فلا مانع بمن انقطعت علاقته بوزارة الداخلية أن يعمل أمنًا خاصًّا وحارسًا لأية منشأة، ما دام سيقبل أن يأخذ أوامره ممن عيَّنه كأمن خاص، وما دام سيقبل أن يكون مجرد موظف عند الجامعة، مثل بقية الموظفين لا يتميز عنهم في شيء، وما دام لن يكون قنطرةً لدخول أمن الدولة إلى الجامعة.
وأكد مجدي قرقر، الأستاذ بكلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة والقيادي بحزب العمل، أن المشكلة الأساسية ليست في الأفراد الذين يقفون على البوابات، وإن كانوا جزءًا من المشكلة، ولكن سبب التوتر الرئيسي هو عناصر أمن الدولة المنتشرة داخل الجامعة؛ من أجل كبح جماح الطلاب والمدرسين، ومن أجل منع أي عمل سياسي داخل الجامعة، ومن أجل ممارسة أفعال تناقض استقلال الجامعة الذي نص عليه الدستور والقضاء المصري، فالمطالب يجب أن تكون بطرد عناصر الداخلية من الجامعة، سواء كانوا حرسًا أو غيرهم، ما يوفِّر مناخًا سليمًا للتعليم، بعيدًا عن سطوة الأمن.
وقال إن موضوع الضباط السابقين الذين سيقودون الحرس الجامعي المدني، لو أعملنا حسن الظن فيه فهي فكرة ليس بها مشكلة، ولكن المشكلة ليست في النظرية، المشكلة في تطبيقها على الواقع، فالواقع العملي يؤكد أن ولاء ضباط الداخلية- حتى بعد خروجه من تلك المنظومة- يكون للداخلية رغبًا أو رهبًا، وهنا المشكلة، فمن الذي يضمن عدم إدخال مخبرين داخل الجامعة عن طريق تلك الوحدات التي يقودها عناصر شرطية سابقة؟!