حينما كنت أسمع وأقرأ تصريحات السيد أحمد عز والوزير مفيد شهاب ‏وحواريِّيهم من كتبة السلطة منذ شهور طويلة؛ عن فرصة الإخوان في ‏مقاعد المجلس في الانتخابات البرلمانية القادمة، كنت أعجب من ثقتهم ‏الزائدة في إقصاء الإخوان وحرمانهم من الحصول على حقهم المشروع في ‏المشاركة السياسية لحل أزمات هذه الأمة، بل إنهم أوشكوا أن يعلنوا نتائج ‏الانتخابات حتى قبل أن تبدأ، وهذا طبعًا ليس نوعًا من الثقة في حصول ‏الحزب الوطني على أغلبية المقاعد، فالكل يعلم- بما فيهم السيد عز والدكتور ‏مفيد شهاب- أن الحزب الوطني لن يحصل على رجل كرسي لو أُجريت ‏انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، فحجم الفساد والإفساد والاستبداد والظلم ‏ونهب ثروات مصر في باطن الأرض أو ظهرها وسيطرة أصحاب رأس ‏المال على الحكم؛ قد أضر كلَّ مواطني مصر، كبيرهم وصغيرهم.

 

لقد بات من ‏المؤكد- من خلال متابعة تلك التصريحات الفضيحة- أن القوم عازمون على ‏تزييف وتزوير إرادة هذه الأمة لصناعة مجلس شعب مسخ، يجيد رفع اليد‏ للموافقة على التشريعات سيئة السمعة، وتمديد حالة الطوارئ، والموافقة على ‏تصدير الغاز للكيان الصهيوني بأبخس الأثمان، والموافقة والمباركة على ‏مشروع التوريث.

 

إن المعاناة والعنت والشقاء والمعوقات التي تواجه ‏الراغبين في الترشيح من جماعة الإخوان المسلمين بالغة الصعوبة، فلن أتحدث عن اعتقال أنصار المرشحين الذين أصبحوا بالمئات، ولن أتحدث على هجمات أجهزة الأمن على المكتبات والمحالّ والشركات المملوكة ‏لأنصار المرشحين، وتلفيق القضايا لهم، والاستيلاء على بضائع وأموال بمئات الآلاف من الجنيهات، ولن أتحدث عن تسخير أجهزة الإعلام ‏للهجوم على الإخوان، وتسخير المرتزقة من الأقلام المسمومة التي تقتات وتسترزق من سبُّوبة تجريح الإخوان ورموزهم وقيادتهم بما يشبه التمهيد النيراني في الحروب، حتى وصل الأمر إلى إنفاق أكثر من أربعين مليونًا من الجنيهات على مسلسل الجماعة الذي كان بداية الحملة، في محاولةٍ يائسةٍ لتشويه صورة الجماعة المباركة التي تحمَّلت- وما زالت تتحمَّل- برضا نفس، و‏احتسابًا وإعذارًا إلى الله، عبث المستبدِّين والمفسدين بمقدَّرات هذا الشعب ‏المقهور.

 

لن أخوض أو أتحدث عن هذا كله، ولكن سأذكر واقعة واحدة مضحكة مبكية في نفس الوقت:
النائب عصام مختار، عضو مجلس الشعب ‏عن كتلة الإخوان المسلمين، توجه إلى قسم مدينة نصر أول لاستخراج شهادة تفيد ‏قيده بجداول الناخبين بدائرته مدينة نصر ومصر الجديدة لتقديمها من بين ‏الأوراق، على الرغم من أنه عضو مجلس الشعب عن ذات الدائرة، فقرر له ‏السيد مأمور القسم أن اسمه غير مقيد بجداول الناخبين بالدائرة؛ لشطبه ضمن ‏أكثر من سبعين ألف مواطن؛ بسبب ما يسمَّى القيد الجماعي الذي كانت ‏تحترفه النائبة السابقة عن مقعد العمال ثريا لبنة، رحمها الله، فقال له: كيف ‏يُشطب نائب الدائرة من جداول الناخبين؟ وكيف يُشطب دون العرض ‏على مجلس الشعب وفقًا للقانون؟

 

لكنَّ النائب عصام مختار انصرف دون ‏إجابة واضحة، فتقدم ببلاغ للنائب العام؛ الذي أحال البلاغ إلى التحقيق دون ‏تحديد يوم محدد للتحقيق، وخاصةً أن هناك ساعاتٍ تفصل بين تقديم البلاغ وفتح باب الترشيح، وحتى كتابة هذه السطور وقبل فتح باب الترشيح ‏بـ24 ساعة لم نُخطَر بموعد التحقيق، فقام بالاتصال باللواء رفعت قمصان، ‏عضو اللجنة العليا للانتخابات وممثل وزارة الداخلية، شارحًا له المشكلة ‏التي كانت تنتهي بمجرد هاتف للمأمور بإدراج اسم النائب المشطوب ‏بالجداول مرةً أخرى، لكنَّ إجابة السيد اللواء- الذي كان ممسكًا بملف مكافحة الإخوان المسلمين قبل تعيينه عضوًا بارزًا باللجنة العليا للانتخابات- نصح السيد النائب المشطوب باللجوء إلى القضاء.

 

توجه السيد النائب للسيد المستشار رئيس محكمة استئناف القاهرة ورئيس اللجنة العليا للانتخابات ‏بمكتبه بدار القضاء العالي، إلا أن السيد السكرتير المتجهِّم رفض، وفقًا ‏لتعليمات السيد المستشار والذي قرر أن من يريد مقابلة السيد المستشار ‏رئيس اللجنة يقابله مساءً بمقر اللجنة، إلا أن السادة الصحفيين كانوا أسعد حظًّا ‏في مقابلة السيد المستشار في ذات الوقت الذي امتنع فيه عن مقابلة السيد ‏النائب المشطوب ومحاميه، ولم يتملَّك اليأس السيد النائب، فذهب مساءً إلى مقر السيد المستشار؛ ليجد نفس السكرتير متجهِّم الوجه، فطلب منه تحقيق ‏الشخصية فقال له أنا النائب عصام مختار، فذهب ثم عاد طالبًا "كارت"، وبعد وقت ليس بقصير سمح لنا بمقابلة أحد مستشاري اللجنة، فقلت له: فيه نكتة ‏عايزين نقولها لسيادتكم.. النائب عصام مختار اسمه غير مدرج في جداول‏ الناخبين في دائرته، وبعد جدال قال سنخاطب وزارة الداخلية أولاً!! فقلت له: الأمر لا يحتاج إلا هاتفًا من سيادتك يأمر المأمور بإزالة هذه المهزلة ‏والفضيحة بإدراج اسم النائب بالجداول مرةً أخرى فقال سيادته: مرُّوا علينا ‏يوم الثلاثاء (قبل فتح باب الترشيح بـ24 ساعة)!.

 

وعبثًا حاولنا شرح درجة ‏وأهمية الاستعجال للسيد المستشار ولكن بكل أسف دون جدوى؛ ما اضطرَّنا إلى رفع طعن أمام محكمة القضاء الإداري، ونحن في انتظار العدالة.

 

أود أن أقرِّر وأحذِّر أن سيناريو التزوير يجري الإعداد له على قدم وساق من أجل حرمان الإخوان المسلمين من المشاركة في إنقاذ هذه الأمة المكلومة ‏المظلومة من مصير بائس على يد سدنة الاستبداد والفساد، فهل تفيق أمتنا وشعبنا وتواجه بقوة وحزم أولئك المزوِّرين من أجل مستقبل مصر، آمل ‏ذلك.

---------

* أمين عام لجنة الحريات بنقابة المحامين.