أحمد عمر، كفيف من صعيد مصر الفقير، وتحديدًا من محافظة المنيا، قهر الصعاب، ورفض السكون تحت قهر عجزه البصري، وساند قضايا أمته في نفس الوقت الذي تفوَّق فيه في دراسته، صاحب كرامة ورأي وموقف، تربَّى منذ صغره على أن يجهر بالحق الذي يراه، لا يخاف لومة لائم، لم يحب في يوم من الأيام الانعزال عن قضايا وطنه وأمته.

 

الطالب الكفيف ابتلاه الله منذ ولادته بكفِّ بصره تمامًا، لكن الله سبحانه وتعالى رزقه بحافظة عالية وقريحة نفَّاذة وهمة عالية؛ حيث حفظ القرآن الكريم في عمر مبكر، والتحق بالأزهر منذ صغره؛ آملاً أن يكون قامةً مثل الشيخ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي، وعالمًا أزهريًّا وسطيًّا، نافعًا لأمته ووطنه.

 

اجتاز مراحل التعليم المختلفة بنجاح فائق، رغم كل الصعاب التي لاحقته حتى التحق بكلية الشريعة والقانون، قسم شريعة إسلامية، بجامعة الأزهر بالقاهرة؛ ليحقق حلمه في رفعة أمته ونهضة وطنه، ولكن إدارة الجامعة كان لها رأي آخر استنكره زملاؤه؛ حيث فوجئ بصدور قرار من إدارة المدن بالجامعة بشطبه من قوائم المقبولين للسكن بالمدن، رغم حصوله على تقدير جيد جدًّا، وهو ما يعدُّ أعلى  من تقدير القبول بالمدن.

 

وعلق مسئولو المدن القرار على شماعة الاستبعاد الأمني؛ بتهمة دعوة زملائه العام الماضي للتبرع والدعاء لنصرة المسجد الأقصى المبارك، ومناهضة حملة التهويد الصهيونية، وعندما طرق باب د. عبد الله الحسيني، رئيس الجامعة، لم يجد غير جواب واحد، وهو عدم تمكنه من التدخل في قضية من اختصاص الأمن.

 

وأوضح لـ(إخوان أون لاين) أنه لم يرضَ في كليته بغير تقديرات التفوق المثالية بديلاً له لتحقيق حلمه؛ حيث تفوق في الفرقة الأولى والثانية والثالثة، حاصلاً على تقدير عام جيد جدًّا، رغم ظروفه الصعبة التي يتعرض لها، بدءًا  من غربته بعيدًا عن  أهله وأقاربه، فضلاً عن كف بصره الذي أرهقه كثيرًا، لكنه فوجئ بمكافأة رئاسة الجامعة له على ذلك وعلاقته الطيبة والحسنة بجميع من في الجامعة من أعضاء التدريس والإداريين والعاملين سوى الاستبعاد من السكن بالمدينة.

 

وأكد بعد علمه بقرار استبعاده الجائر من مدينة الأزهر بتهمة نصرة الأقصى وبُغض الاحتلال الصهيوني وإغلاق المسئولين بالجامعة أبوابهم في وجهه جاب أنحاء القاهرة بحثًا عن سكن ورفيق ومعد لطعام، موضحًا أنه لا  يستحق هذا العقاب من جامعة الأزهر مقابل تفوقه واجتهاده في دراسته ومنعه من حق كل طالب متفوق بالسكن بالمدينة الجامعية خاصةً مع ظروفه الخاصة.

 

وقال: ما يحزن قلبي ويزيد من مرارة الظلم في حلقي أن أرى زملائي ممن حصلوا على تقديرات أقل من تقديرات التسكين بالمدينة في مقابل رشى ووساطات، وفيهم راسبون في بعض المواد، ورغم ذلك استحقوا من وجهة نظر إدارة الجامعة السكن بدلاً مني كطالب متفوق وكفيف متهم بنصرة الأقصى والتبرع للشعب الفلسطيني.

 

وأكد تواطؤ إدارة جامعة الأزهر مع الأجهزة الأمنية في خلق جيل من الشباب بلا موقف سياسي تقوده العصا، حتى وإن كان لدى بعضهم ظروف خاصة، ومتفوقون قادمون من محافظات بعيدة، موضحًا أنه لم يكشف ظلم رئاسة جامعة الأزهر له ولزملائه لينال شفقة أو صدقة أحد، بل ليطالب بحقه وإيقاظ ضمائر المفكرين والنخب حيال الإجراءات الأمنية الجائرة التي تهدف لتجفيف منابع حياة طلابية ناضجة.

 

ويتساءل عن مستقبل العدالة والبحث العلمي في هذا الوطن ومستقبل أعرق جامعات العالم الإسلامي "جامعة الأزهر" في ظل سياسات الجور والفساد والاستبداد، وهي التي ظلت منارة العدل على مدار السنين، مؤكدًا أنه لم يستسلم لضياع حقه كطالب متفوق في السكن بالمدينة الجامعية؛ حيث قرر مواصلة الاعتصام مع العشرات من زملائه المستبعدين من السكن لليوم الثالث أمام مبنى إدارة الجامعة؛ حتى تعيد الجامعة حقهم الشرعي، بعيدًا عن التعسف الأمني في ظل رفض رئيس الجامعة للمرة السادسة مجرد مقابلتهم.

 

وأوضح أنه كان يجد الراحة في الدراسة بأزهر القاهرة؛ لما توفر له من السكن بالمدينة الجامعية، كأحد الطلاب المتفوقين المغتربين الذي يهدف إلى رفعه، مشيرًا إلى أن السكن بمدينة الجامعة أمر غاية في الأهمية بالنسبة لطالب الأزهر المغترب، وخاصةً كفيف البصر؛ حيث يسهل عليه تناول الطعام الجاهز والاستقرار في غرفة بالقرب من مكان الدراسة.

 

وشدَّد على أنه رغم استبعاده أصبح حريصًا على التفوق بشدة لبلوغ غايته؛ لا لضمان السكن بمدينة الجامعة؛ لإمكانية استكمال دراسته واجتيازة المرحلة الجامعية الصعبة بتفوق فقط، رغم أنه حقٌّ من حقوقه، حسب تعبيره؛ لعدم إرهاق وتحميل ذويه عبء دراسته، مؤكدًا أنه لا يقبل أن يسكن بمدينة الأزهر كحالة إنسانية خاصة، ويرغب في الالتحاق بها كطالب متفوق استحق هذا المكان الذي ضمنه له وطنه لتفوقه واجتهاده دون واسطة من هنا وهناك أو التماس من أحد.