ليست فضيحة أن يرشح الحزب النفعي البيروقراطي أكثر من مرشح على مقعد واحد، على الرغم من وجود مرشح أو أكثر للمعارضة يتنافسون على هذا المقعد، فكم من مرشح كتب في دعايته "مستقل على مبادئ الحزب الـ...."، ولا يدري أحد عن أية مبادئ يتحدث، فلا يوجد حزب محترم أو حتى غير محترم في بلاد العالم المتقدمة، أو المتخلفة يفعل مثل هذه الأفعال المستخفة بعقول الجماهير.
ليست فضيحةً أن يقوم تجمع المصالح بتقسيم كعكة الوطن على المنتفعين الذين لم يرضَ بعضهم بالقسمة، فكان الحل العبقري المذهل المدهش الذي توصل إليه الدكاترة والجهابذة؛ ألا وهو تركهم يتصارعون بكل الوسائل غير الشريفة، وفي النهاية سيحصل أكثرهم بلطجةً على الغنيمة.
الفضيحة الحقيقية هي جريمة السكوت على هؤلاء المفسدين الذين أوصلونا إلى حال تسرُّ العدو وتُبكي علينا الصديق.. الفضيحة الحقيقية أن يتحرَّر العالم من حولنا ونحن نيام.. الفضيحة الحقيقية أن تُجرى انتخابات نزيهة في تركيا وماليزيا والهند وجنوب إفريقيا وقرغيزيا والبرازيل وإسرائيل وبلاد "الواق واق"، بينما أصحاب التاريخ والحضارة يرسفون في أغلال التزوير الذي صار ثقافةً واقعيةً من امتحانات الابتدائية، مرورًا بالإعدادية والثانوية، وحتى الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
إن تبرير السكوت على جرائم الإفساد بزعم "خلينا نعيش"؛ لن يجعلنا نعيش، فهم يقتلوننا كل يوم بالفيروسات الكبدية والمياه الملوثة والأغذية الفاسدة والنفايات السامة والهواء الخانق.
وتبرير السكوت بزعم تجنيبنا ويلات الحروب لن يدوم طويلاً، فباكستان تتعرَّض للمجازر الوحشية، على الرغم من تحالفها مع المحتلين في أفغانستان، واليمن يصبح الساحة الجديدة للحرب على ما يسمَّى الإرهاب، وها هي الفزَّاعة المريبة التي يطلق عليها (القاعدة) تُستدعى من جديد وتُهدِّد بنقل عملها إلى بلدنا- التي ظنَّها البعض آمنةً بركونها إلى قوى الاستكبار العالمية- مع ما قد يستتبعه ذلك من مصائب التدخل الخارجي المباشر.
لقد فرضت على شعبنا الطيب حالة من اليأس والاستسلام؛ حتى لا ينهض من جديد شامخًا كالطود العظيم، فيُبدِّل خرائط المنطقة شرقًا وجنوبًا وغربًا، تلك الخرائط التي تُرسم في غيبة أو غيبوبة من أصحاب الشأن؛ حيث ينتظر الفلسطينيون التهجير للوطن البديل، ويُمزّق السودان أشلاءً، ويُتلاعب بالنيل شريان الحياة المصرية، ويوشك المغرب العربي على الانفجار.
ولذلك فإن الفئة القليلة من المصلحين- وهم في كل عصر قليلون- مطالبة اليوم ببذل أكبر جهد ممكن بكل وسيلة متاحة؛ لإيقاظ وعي الشعب المخدر بالكرة والأفلام والبانجو، واستعادة عقله الذي طار خلف معدته الخاوية.
إن استغلال الفرص المتاحة- ومنها موسم الانتخابات في الالتحام بالشباب الذي لم يتلوث بعد بالخوف والخضوع والنفاق والفساد، واستقطاب هذا الشباب ليكون رافدًا لدفع عجلة الإصلاح والتغيير وصنع مستقبل أفضل- هو من أوجب الواجبات في هذه الأيام.
وإن شعبنا الكريم الذي تصدَّى للفرس والإغريق والرومان والصليبيين والتتار والفرنسيين والإنجليز والصهاينة؛ قد آن له أن يرفض الذل ويسحق الجرذان التي تنهش لحمه.