أعتقد أن الأنظمة الدكتاتورية، والعربية منها بالذات، هي من اخترعت هذه المقولة؛ لتثبت دعائم حكمها الغاصب، وتخوِّف الغرب الذي لا يهتم إلا بمصالحه فقط، والأدلة على ذلك كثيرة، منها:
* أن الدكتاتوريات تحارب كلَّ من يقف في طريقها، سواء من الإسلاميين أو من غيرهم، ففي مصر نجد أن النظام حارب كل من حاول التصدي له:
- فهذا أيمن نور، زعيم حزب الغد، والدكتور نعمان جمعة، رئيس حزب الوفد، لما ترشَّحا لانتخابات الرئاسة ضد الرئيس مبارك؛ كانت النتيجة سجن الأول وعزل الثاني عن رئاسة حزب الوفد بمؤامرة لم تخفَ على أحد.
- وهذا هو الدكتور محمد البرادعي الذي احتفى به النظام وسدنته من الكتَّاب المأجورين، حينما كان رئيسًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية ورفعوه مكانًا عليًّا، وفجأةً لما لوَّح بترشُّحه لمنصب الرئاسة رموه بكل نقيصة، واتهموه بالجهل والعمالة والخيانة.
وكثير من الملوك والرؤساء العرب عزلوا آباءهم وقتلوا إخوانهم وأصهارهم؛ من أجل البقاء وتوريث السلطة لأبنائهم، وبالطبع هؤلاء الآباء والأصهار ليسوا من الإسلاميين.
إذاً فهذه الأكذوبة اخترعتها الأنظمة لمعرفتها بقوة التيار الإسلامي (السياسي)، وقوة تنظيمه، وعمق أفكاره، وطهارة يده، وتفانيه في خدمة الشعب، وحبه للوطن، وكرهه للغاصبين المستبدين، والخوف من التفاف الشعب حوله، وعدم تعلُّق هؤلاء الأفراد بالمصالح الشخصية أو غيرها.
* ومن العجيب أن هذه الأنظمة تستخدم الدين لتمرير ما تريد؛ فالرئيس السادات الذي قال عبارته الشهيرة "لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين"؛ هو الذي أدخل المادة الثانية من الدستور أن "الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع"؛ لمعرفته بحب الناس للدين، وحتى ينطبع في قلوبهم الرئيس المؤمن، كما كان يسمِّي نفسه ويسمِّي دولته بـ"دولة العلم والإيمان"، أضف لذلك أنه استعان بالجماعات الإسلامية في الجامعات وغيرها لطرد الشيوعيين من مصر.
* الإسلاميون هم صمام الأمان للدول والشعوب، سواء الذين تسلَّموا زمام السلطة بطرق ديمقراطية شرعية عن طريق صناديق الاقتراع كما حدث في تركيا.. حينما فاز حزب الرفاة- برئاسة نجم الدين أربكان- بالانتخابات في تركيا، وشكَّل الحكومة برئاسته، ورغم ذلك تركها مع ضغط العسكر، ولم يقم بمظاهرات وإضرابات، بل آثر الحفاظ على الدولة وسلامتها.
وحينما تمكن أردوغان من تشكيل الحكومة أدارها باقتدار وإبداع، هو ومن معه، حتى صارت تركيا رقمًا صعبًا ولاعبًا أساسيًّا في السياسة الدولية، ورائدًا في المنطقة العربية والإسلامية، إضافةً إلى الطفرة الاقتصادية الهائلة التي رفعت دخل المواطن سنويًّا عشرة أضعاف ما كان عليه في الحكومات السابقة التي حكمت تركيا، وكل هذا خلال سنوات معدودة.
* وفي إندونيسيا شارك الإخوان في الانتخابات العامة، وفازوا بعدد من المقاعد؛ ما مكَّنهم من الدخول في ائتلاف حكومي مع الحزب الحاكم بعدد من الوزراء وسارت الأمور بطريقة طبيعية.
* وكذلك دخل الإخوان الانتخابات في الأردن أيام الملك حسين، وشكَّلوا معه الوزارة.
* وفي اليمن بعد الوحدة في التسعينيات من القرن الماضي وفي الكويت وغيرها من البلدان كانت هناك نماذج متميزة من الإسلاميين في الأداء والتفاني في العمل ونظافة اليد.
وحينما تترَّست هذه النظم بالكراسي، واستنعجوا الشعوب؛ خرج الإخوان من هذه الحكومات، وظلوا في المعارضة يؤدون أدوارهم.
* وهناك دول أخرى ليس للإسلاميين فيها أحزاب، ولكنهم مندمجون مع النظام، من خلال وجودهم في الوظائف العامة والمناصب السياسية، كوزراء أو سفراء، كأنه عقد غير مكتوب بين الإسلاميين وتلك الأنظمة.
* ومثال ذلك في دولة فقيرة بسيطة في شرق إفريقيا، هي جيبوتي، يتقلَّد الإسلاميون فيها بعض الوظائف العامة في بلد تقيم على أرضه القوات الأجنبية في كل جانب، ورغم هذا فطن النظام لأهمية الطوائف الإسلامية وتأثيرهم ودورهم في تنمية الدولة ورقي المجتمع.
* وفي الصومال المنكوب؛ حيث تدور حرب ضروس بين فئات متصارعة تحركها أيادٍ خبيثة؛ يقوم الإخوان بدور التنمية والإصلاح وإكمال دور الدولة الغائب في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الإغاثية؛ حيث إنهم الحركة الوحيدة التي لم تلوث يدها بالدماء، ويشهد الجميع بذلك أعداءً وأصدقاء.
* إذن الإخوان المسلمون أو الإسلام السياسي- كما يُطلق عليهم- ليسوا المشكلة، أو بينهم وبين العالم عداء، بل العداء الحقيقي بين النظم الدكتاتورية ومن يقف في طريقها من الإسلاميين، وبالطبع هم في المقدمة وغيرهم.
إذًا التيار الإسلامي واضحة أفكاره، صريحة برامجه، وملخصها: "إننا نؤمن بدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية تستند إلى الشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية تسع الجميع"، وفي فهم الإسلاميين أن الحرية مُقدَّمة على تطبيق الشريعة، ويبقى الشعب هو مصدر السلطة الحقيقي، يختار من يشاء إسلاميين أو ليبراليين، المهم أن يختار الشعب عبر صناديق الاقتراع بطريقة حرة مباشرة ونزيهة.
إذن نحن نتحدث هنا عن تجارب لأصحاب الإسلام (السياسي)؛ الذين يمثلهم تيار الإخوان المسلمين، والذين ينتهجون الطرق السلمية الديمقراطية للتعبير عن آرائهم وتحقيق أهدافهم؛ حتى لا يحدث خلط بينهم وبين غيرهم (حَتَّى لاَ تَكُوْنَ فِتْنَةً وَيَكُونَ الدِّيْنُ كُلُّهُ للهِ) (الأنفال: من الآية 39).
----------
* باحث مصري مقيم بجيبوتي.