ما حدث مؤخرًا في عملية ترشيحات الحزب الوطني وما أعقبها من تصدعات خطيرة بالحزب وصلت إلى حدِّ العنف من المرشحين وأنصارهم، ومن تدخل قوات الأمن في بعضها ضد أعضاء الحزب وضد أنصار المرشحين الغاضبين، وما شَابَ ذلك من اتهامات خطيرة ضد قيادات الحزب تتضاعف خطورتها من كون القائلين بها من أكبر وأهم أعضاء الحزب والمطلعين فيه، اتهامات وصلت لحدِّ وصم قيادات بالحزب بالتربح والفساد وتغليب الأهواء الشخصية، والانتصار للشللية والمحسوبية، وبالإضافة لما صادف كل ذلك من انشقاقات داخل جسد الحزب واستقالات بل وتهديدات بالوقوف في صف خصوم الحزب، حتى أن كثيرين منهم هددوا بالتصويت لمرشحي الإخوان.

 

كل ذلك كان بمثابة قنبلة كبيرة انفجرت في جسد الحزب الوطني وتطايرت شظاياها في كلِّ مقراته، لقد حدثت عملية تفجير هائلة داخل الحزب الوطني، وتحول الملايين الذين كان يفتخر بأعداد عضويتهم قيادات الحزب إلى مئات البؤر والجماعات المحلية التي تناصب الحزب الوطني العداء وتتوعده بإسقاطه في الانتخابات المقبلة.

 

إن المتأمل في تفاصيل هذا المشهد لا يرى فحسب أعضاءً غاضبين أو كوادر ثائرة على حزبها أو حتى حركة انشقاق واسعة، بل يرى بوضوح مظاهر انهيارٍ كبيرٍ في قوام الحزب الحاكم وسقوط شنيع للمبادئ التي تحكمه أو يفترض أنها كانت تحكمه وتحكم أي عمل جماعي حتى وإن كان قائمًا على المصلحة والبحث عن المنافع الشخصية، أبسط هذه المبادئ- كما كان يتم من قبل- هو كتم الخلاف أو التستر عليه أو حصره داخل أروقة الحزب، حتى وإن تناثرت شظايا غضبه، فلا يتحول إلى خصومة مقاتلة، وانضمام فوري إلى صف الخصوم والمنافسين دون النظر إلى أي أبعاد فكرية؛ حيث تسيطر فكرة الانتقام وحدها على المشهد.

 

وهكذا يتحول ثعبان التيفون الرهيب في الميثولوجيا الإغريقية ذو الألف رأس إلى كائن يثير الشفقة يمزق رءوسه ويلقيها هنا وهناك؛ لتعود وتصارع جسده، وتتوعد بنهشه، وتقاتل رءوسًا أخرى بقت عليه، لم يكن الحزب الوطني إذن تيفونًا حقيقيًّا بل مجرد ثعبان ذو رأس واحدة وحيدة ألقت بنفسها على جسده آلافا من الحرباءات والضباء والسحالي الكبيرة، والتصقت به تفتح فوهاتها نحونا كالأفاعي لتكتسب خوفنا وتعظيمنا لها، ومزيدًا من سلبيتنا وسكوننا، وها هي مع اختلاف المصلحة وانحسار المنفعة تلقي بنفسها بعيدًا مهدِّدَة ومتوعدة.

 

السؤال الملح الذي يطرحه هذا المشهد البركاني لماذا كل هذا الغضب الذي يصل إلى حدِّ الرغبة في الاقتتال ضد نظام يعلمون هم أول من يعلم أنه متعسف ومستبد ولا يرعى الحقوق أو القوانين، فضلاً عن الواجبات الاجتماعية وأعراف القبيلة التي يحلمون بها؟ لماذا هذا الجنوح في الغضب ممن اعتبرهم الحزب سواعده وكوادره، لم يحدث ذلك من قبل، فلماذا يحدث الآن؟
الحقيقة أن الإنسان مهما تباينت درجات ذكائه إلا أن ذكاءه الفطري المرتبط بوجوده وبقائه على قيد الحياة لا يغيب أبدًا وحاضر عند الجميع، والمشاهد المصرية الأخيرة أظهرت كيف يتحول إنسان من علاقة حميمة بالحزب في ساعات معدودة أو ربما دقائق إلى ملياردير بمجرد تخصيص قطعة أرض عظيمة له بقروش قليلة أو لمجرد السماح له باحتكار سلعة معينة أو الموافقة على إقراضه مئات الملايين من الجنيهات ليقيم بها مشروعات تصاحبها امتيازات خيالية.

 

لقد شهد الناس في الفترة الأخيرة- وكان أعضاء الحزب الأكثر اطلاعًا- مَشْهَدَيْنِ في غاية الأهمية. الأول: هو التربح من السلطة بصورة تتفوق على العثور على مغارة على بابا، وذلك عن طريق الوصول مباشرة إلى الأربعين حرامي، لقد شاهد الناس أعضاء البرلمان من أنصار السلطة وهم يتربحون من أبواب عديدة، علاج على نفقة الدولة يبيعونه للشعب، وتأشيرات حج، وتخصيص شقق سكنية، وتخصيص أراضٍ، وفرص توظيف تباع لمن يدفع، واستثناءات للبناء على الأراضي الزراعية، واعفاءات جمركية، وإذون استيراد لسلع يحتكرها الكبار...إلخ، اكتشفوا أنها ليست مغارة واحدة بل أربعين مغارة. الذهب والياقوت والمرجان باتت سلعًا فقيرة بجوار ورقة تخصيص لقطعة أرض على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي... وعمار يا مصر.

 

المشهد المؤثر الآخر في نفوس الطامعين وأصحاب الشهية القوية كان مشهد انتخابات الشورى الأخيرة، وكذلك ما سبقها من انتخابات المحليات إذ تبين لهم أن النجاح المحتم يقع بمجرد اختيار الحزب لمرشحيه؛ لأن هذا أمر نهائي ونجاحه عندئذ مضمون حتى وإن كان من أحزاب المعارضة ولكنه "أخذ كلمة"، فالأمر تحسمه الحكومة بقدرة قادر ودون هامش تسامح لرؤياها.

 

من هنا نفهم الاحتفاليات الصاخبة التي خرجت مؤخرًا تحتفل بظهور اسم أحدهم في كشوف البركة، أقصد ترشيحات الحزب الوطني لانتخابات مجلس الشعب 2010م حتى إن بعض مسيرات الاحتفال صاحبها إطلاق الرصاص فرحًا وابتهاجًا بالنصر المحقق، فقد اجتاز مرشح الوطني العقبة الكئود والباقي على الحكومة.

 

تَأَمُّلنا لهذين المشهدين المصريين الصميمين يؤدي بنا لتفهم هذا الغضب الموتور من قِبَل أعضاء الوطني المحجوبين.

 

ليس هذا قلب المقال، لكنني أردت أن أقف وراء كواليس المشهد فما يخفيه أكبر مما يظهره، لكن مع التأمل يتبدى شبح الخفى، فالحزب الوطني لم يعد يتحلى بأى مقومات لمؤسسة أو حتى تجمع شعبي أمام منفذ لبيع الخبز المدعم، إن أي مؤسسة صغرت أو كبرت تعاظمت أو تهاونت لا بد لها أن تبقى على شيئين هما الحد الأدنى لاستمرار أي تجمع. أولهما رؤية الهدف وثانيهما نوع من النظام، قد يقول قائل: لا تصح المؤسسة بدون وحدة الفريق، لكن دعوني أتكلم هنا عن الحد الأدنى لتجمع ما من البشر لهدف ما وإن كان دنيئًا، إن الانشقاقات بهذه الصورة عن الحزب الوطني والتي تحولت من فورها إلى كتائب تقاتل ضده وهذا الخروج الجماعي لكل مرشح مخدوع مع أنصاره وعائلته، والتهديد بكتلته التصويتية ليثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الحزب قد دخل في مرحلة النزع الأخير، لقد كان الحزب يستعيض عن وحدة الهدف عند أعضائه المنتفعين بسعيهم المتشابه نحو رضا السلطة، وكان يستعيض عن قوة التنظيم بهيبة السلطة وسيادة الدولة التي تعتلي رئاسة الحزب.

 

لكن ما جرى مؤخرًا يظهر أن رضا السلطة لم يعد مغنمًا في ذاته ما لم تصاحبه المغانم المعجلة، كما يوضح أن عصا السلطة انكسرت وأن يدها شاخت وفقدت هيبة الجميع، لذلك فإن يقيني أن النظام الآن مشغول بهذه المسألة، كيف يستعيد الرغبة في رضائه والهيبة من سلطانه (مقار الحزب الوطني بل مقار المحافظات نفسها اعتدى عليها من قبل ثوار الحزب)، والنظام يعي أن الذي انتهى به إلى هذه النهاية ليس سوى الحزب الوطني بقياداته وممارساته، ومن هنا أخرج إلى سؤال؛ هل تقتضى حكمة النظام أو حكمة بعض شيوخه أن يتخلوا عن هذا الحزب ويتبرأوا منه؟. أم سيصرون على التمسك به فيهوون معه إلى هاوية سحيقة؟.

 

لعل جمال مبارك اليوم أشد ما يكون ندمًا على عدم المضاء في فكرته الأولى بتأسيس حزب جديد يعتمد على رجال الأعمال بأموالهم وشباب الجامعات والخريجين بثقافتهم لينافس بهم الحزب القديم ويقاسمه السلطة في شكل ديمقراطي وإن كان ديكوريًّا، لكن بالقطع الحرس القديم العالمين ببواطن الأمور رأوا أن الحزب الوطني حينها قد ينتهى بهذه المنافسة، ترى ما رأيهم في شكل الحزب الآن وما وصل إليه؟

 

إن الناس لترى في مقابل ذلك من خصم "الوطنى" وأعني الإخوان المسلمين رقيًّا وسموًّا في الأداء السياسي قد يتفوق على أعتى الأحزاب الأوروبية في الديمقراطية، لقد رأينا في العديد من المحافظات مرشحين محتملين للجماعة يجوبون القرى والنجوع والعزب، يتواصلون مع الناس على أنهم مرشحون لانتخابات مجلس الشعب القادمة، ثم صدر التوجيه لعدد من المحافظات بتخفيض مرشحيها التزامًا بنسبة الـ30%، فنحَّت الجماعة في المحافظات بعضًا من هؤلاء المرشحين الذين كانوا قد انطلقوا بالفعل بين الناس فما كان منهم إلا أن خرجوا باشين إلى أهليهم وذويهم ومجتمعاتهم يعتذرون إليهم ويعدونهم بالبقاء على القرب خادمين وإن لم يكونوا نوابًا تحت قبة المجلس، لم نر في أحدهم شذوذًا أو خروجًا أو اعوجاجًا أو غضبًا أو شيئًا من ثورة، بل خرجوا يضعون أيديهم في أيدى من بقي من إخوانهم.

 

هذه الصورة ليست خافية على شعب مصر كما لم تخفَ عليه صورة انتفاضة الثائرين الماردين في الحزب الوطني، وأبسط تعليق سمعته من المواطنين كان يقول: "حزب لا يستطيع قيادة أعضائه كيف سيقود دولة؟".

 

المشهد الأكثر عبثية وغرابة هو قرار الحزب بترشيح اثنين أو ثلاث مرشحين باسم الحزب على نفس المقعد في أكثر من أربعين دائرة، الكثيرون حاولوا أن يفهموا الحكمة الغامضة وراء هذا الحدث الغريب والمبتكر لأول مرة في تاريخ الأحزاب والسياسة، لكن الحكمة فيه بدت أخفى من دبيب النمل؛ لأنه لا يوجد حزب في العالم يقوم بتفتيت أصوات كتلته الانتخابية بهذا الشكل.

 

لكن يمكنني القول هنا أن الشرطي الماهر هو من يفكر بعقل لص، ليست قيادات الحزب الوطني على هذا القدر من الحماقة والغباء السياسي، لكن العيب فينا حيث لا ننسى أننا شرفاء ونتبع قواعد المرور، بالطبع إن قرار الدوائر المفتوحة لا يقدم عليه حزبي إلا أحمق أو من يوقن أن مفتاح الكنترول في جيبه ومن السهل عليه أن يدخل هناك ويبدل كراسات الناجحين بكراسات الراسبين، ولا عزاء لأصحاب الفضيلة، فهل سيكون الإعلان عن نتائج الانتخابات تحت سيطرة هؤلاء الجبابرة؟ هل سيتمكنون مما يمكرون؟ ربما هذا ظنهم لكن مع ذلك فالله أعلم وأقدر.

 

وأيًّا كانت مسارات هذا الاحتمال فاللافت في هذا القرار المغامر والمقامر أن قيادات الحزب لجأت لإرضاء أكبر عدد ممكن من كوادرها؛ لتجنب ثورة داخل الحزب، ولتفادي غضب بدت منذ فترة بوادره، القرار السريالي لم يخمد الثورة ولكنه أعطى دلالة في منتهى الخطورة، فالحزب يتمادى في إرضاء أعضائه وإن كان ذلك على حساب مصلحة الحزب، وهكذا انهارت تمامًا المؤسسة، فمصلحة الفرد فيها تأتي قبل مصلحة المجموع, والأهداف الشخصية تسبق الأهداف السياسية، وهنا أثير سؤالاً شائكًا، إذا كان الحزب الوطني غير قادر على التصادم مع رغبات عدد من قياداته الوسطى حتى من أجل وجود الحزب ذاته فكيف يواجه هذا الحزب رغبات وجنوح مسئوليه وقياداته الكبرى؟ بل كيف يستطيع هذا الحزب أن يسيطر على سلوك الوزراء وكبار مسئولي الدولة ويقف ليصد طموحهم الشره ونهمهم تجاه ثروات الدولة؟ أم أنه سيتعامل بكل تأكيد بنفس مبدأ الإغضاء والإرضاء؟ وهكذا يتم التسامح في إهدار وتبديد ثروات مصر وموارد الأجيال القادمة.

 

إن مشهد ما سموه بالدوائر المفتوحة أو تعدد المرشحين لحزب واحد على مقعد واحد قد يكون هو المؤشر الأول على سقوط حزب وانهياره، ولكن تبقى بعد كل ذلك فكرة شائكة ومثيرة للقلق والفزع، أن هذا الحزب إن لم يَسقط أو يُسقط سريعًا فإنه سيُوقع بمصر كلها من قِبَلِهِ.