من عجائب هذا الزمن التي ابتدعها النظام الجاثم على صدورنا منذ سنوات طويلة هو الاستهانة بأحكام القضاء، وعدم تنفيذها؛ ما تسبَّب لا أقول في إهدار حقوق المتقاضين فقط، ولكن الأخطر هو إدخال الوطن كله في نفقٍ مظلم من الفوضى، وانتشار قانون الغابة، فالمواطن الذي لا يحصل على حقِّه عبر الأُطر الرسمية، والتي تواضع وتعارف عليها الناس في كلِّ أرجاء الدنيا فإلى أين يلجأ للحصول على حقِّه.
فهو إما أن يلجأ إلى الرشوة لمن يستطيع أن يجلب له حقَّه، أو يستكين ويُسَلِّم أمره إلى الله، أو المصيبة أن يلجأ إلى البلطجة والعنف.
وهذا للأسف يؤسس فوضى غير مسبوقة لا يعلم مداها إلا الله، وحين تعود بنا الذاكرة إلى الوراء قليلاً نسترجع استهانة الدولة بالأحكام القضائية، فمن حكم منع تصدير الغاز للكيان الصهيوني، ووصولاً إلى حكم الحدِّ الأدنى للأجور، وانتهاءً بحكم طرد الحرس الجامعي من الحرم الجامعي، فمن أحكام تُهْمَل ويمتنع النظام عن تنفيذها (مثل أحكام تمكين بعض المرشحين من الانتخابات) إلى أحكام يتم الالتفاف عليها (فمثلاً بأن يتم استئناف الحكم أمام دائرة غير مختصة).
والآن نحن أمام حالة جديدة، بالأمس الأول أصدر القضاء الإداري حكمًا بتمكين القضاء من الإشراف على الانتخابات، أو بالأدق زيادة عدد القضاة، وامتداده إلى الإشراف على اللجان الفرعية؛ حتى يكون الإشراف القضائي على الانتخابات حقيقيًّا لا شكليًّا، وأحالت المحكمة الفصل في دستورية المادة 24 من القانون للمحكمة الدستورية العليا، والحكم معروف وعَلِمَ به الجميع.
والآن الجميع ينتظر ماذا ستصنع اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات هل تثبت للجميع أنها بحقٍّ لجنة مستقلة وبعيدة عن هيمنة النظام، وكما هو وارد في القانون المحدد لكيفية تشكيلها في تنفيذ الحكم، وليتها تفعل حتى تستحق الاحترام، واطمئنان المجتمع المصري والإقليمي والدولي، وحتى يثق المصريون (ناخبون ومرشحون) فيها، وحينها يمكن أن نقول إننا قطعنا شوطًا عظيمًا نحو حلِّ المعضلة المصرية، وخلخلة الحالة المتيبسة للسياسة المصرية.
فنحن ننتظر وكلنا أمل، بل إننا نرجو من اللجنة التي يترأَّسها رجل شهد له العديد من القضاة الأفاضل، بل كان قاضيًا عادلاً، فهل نراه يمضي على نفس النهج، فَيَحُوز شرفًا ما بعده شرف، وبطولة لا ينازعه فيها أحد، هذا ما نتمنَّاه من كلِّ قلوبنا، وندعو الله أن يقوي ظهر وعزيمة رئيس وأعضاء اللجنة؛ حتى يحقِّقوا للأمة أمل أن يروا ضمانةً واحدةً لإجراء انتخابات نزيهة يُحترم فيها رأي الناخب، ويستعيد الناس توازنهم النفسي، الذي فقدوه بعدم وجود ضمانة واحدة لإجراء انتخابات ترضيهم، وتحمل بلدهم إلى طريق التقدم، وحتى تجد لها مكانًا بين الأمم، أم تكون الأخرى جزءًا من النظام الفاسد مؤكدة للناس ذلك، وتظل على حالها دار بن لقمان.
---------------
* مرشح الإخوان في انتخابات مجلس الشعب عن دائرة مركز دمنهور فئات eng.h.omar@gmail.com