حالة من العصبية والتشنُّج وفقدان الحكمة والرشد، بل العدل والإنصاف، أصابت منظومة الحكم المصري بجناحيها، الحزبي والحكومي، بالتزامن مع اليوم الأول للدعاية الانتخابية.
خرج أنصار مرشحي الإخوان إلى الشارع، فخرج معهم ما تبقَّى للنظام من عقل، عشرات الآلاف من مؤيدي الجماعة يهتفون لدعوتهم وأمتهم ومصرهم الحبيبة، ومئات الآلاف من جنود الأمن المركزي البسطاء احتشدوا أو حُشدوا، لا يعرفون لماذا؟!
مئات اللافتات والملصقات والبوسترات، يقابلها الآلاف من العصيِّ والهراوات والقنابل المسيلة للدموع، عشرات الآلاف من البيانات وأوراق الدعاية يقابلها مئات الآلاف من مذكرات التحريات المفبركة والمحاضر المكذوبة التي أُعدَّت على بياض، جاهزة بشهود الزور، لا ينقصها إلا اسم المتهم المجني عليه؛ الذي تجرَّأ وتحرَّك ممارسًا حقَّه الشرعي والدستوري والقانوني.
حتى الشعارات الدينية والمدنية مجرَّمة ومؤثَّمة، سواء بسواء، (رئيس مجلس مدينة المحلة الكبرى يعتبر "معًا ضد التزوير" و"معًا للتغيير" شعارات استفزازية وممنوعة)!.
حالة من الهوس أصابت الحزب ومرشحيه ولجنة سياساته البائسة حين صدمت بأن حملات التشويه والتشهير والتضليل والكذب باءت كلها بالفشل، صُدمت مع أول هتاف في الشارع "الإسلام هو الحل"، فتداعت الجماهير على المسيرات والمؤتمرات كما يتداعى النحل على رحيق الزهر الصبوح؛ أملاً منهم أن يعيشوا عرسًا ديمقراطيًّا طالما انتظروه أو بالأحرى أشواقهم لبديل غير الحزب الوطني الذي أصاب البلاد بالخراب المزمن.
وفي المقابل تداعت جحافل الجنود والسيارات من كلِّ نوع، حاملات الجند والمطافئ "المليئة بمياه الصرف الصحي شعار الحزب الوطني"، والعربات المصفَّحة، والإسعاف، قوات من كلِّ لون، القوات الخاصة، ومكافحة الشغب، والأمن العام، والمباحث بكل ألوانها، حتى مباحث السياحة والكهرباء والأموال العامة، فضلاً عن فرق البلطجة.. الذراع الأمنية الجديدة، نفرة غير مسبوقة، وبالتالي كانت اعتداءات النظام وما تبعها من جرحى وأسرى في كثير من الدوائر والمحافظات (750 معتقلاً حتى كتابة السطور)!!.
جولة سياسية غير متكافئة، لم تتمكن منظومة الحكم من الصمود أمامها، وكيف يصمد مَن حَكَمَ بالحديد والنار، بل باع الحديد وفرَّط في مصدر النار "تصدير البترول والغاز للكيان الصهيوني"، فلم يعد أمامه إلا تحويل الجولة إلى معركة حربية غير متكافئة، لن تتمكن المعارضة الوطنية من الصمود أمامها، لكنها تُنذر بردود أفعال غير محسوبة ولا مضمونة، خاصةً في بعض الدوائر الساخنة التي لا وجود فيها للوطني ميدانيًّا ولا شعبيًّا بل ولا شرعيًّا أمام شعبية المعارضة الكاسحة.
الأيام المتبقية في الجولة قليلة، سيفقد فيها النظام ما تبقَّى له من عقل وقوة دفعةً واحدةً، هكذا سنن الأشياء، المهم تعزيز الأمل، والمزيد من الحركة والعمل؛ ليبقى النضال السلمي هو المخرج الآمن لمصر المأزومة بهذه المنظومة أو الميليشيا المسمَّاة بالحزب الوطني!، حفظك الله يا مصر.