ينتهج الحزب الوطني الحاكم في مصر هذه الأيام سياسةً قهريةً وشعارًا حاجبًا لكل التيارات المعادية لمصالحه الفاسدة- على حد فهمه- ولسان حاله.. "محدش يفتح بقه" (فمه يعني).
لم أرَ في حياتي فشلاً وخيبةً أكثر مما يحدث حاليًّا من هذا الحزب الحاكم بعد تصريحات أكبر سلطة إدارية وسياسية به، وهو رئيس الحزب، والذي هو في نفس التوقيت رئيس لمصر؛ بأن الاستحقاق البرلماني القادم يجب أن يكون في أُطر ديمقراطية ونزيهة، ثم نرى ما نرى من مواجهات أقرب ما تكون إلى محاربة أعداء، وليست مواجهات مع مرشحين شرفاء عزل مناضلين سلميين يخوضون انتخابات برلمانية وفق القانون والدستور، وجريمتهم أنهم يحبون هذا الوطن ويحملون له كل خير.
إن ما يحدث من مواجهات حالية من قِبل قوات "الرعب والفزع المركزي"- الأمن المركزي سابقًا- وبلطجية الحزب الوطني ضد المرشحين للانتخابات البرلمانية المقبلة وأنصارهم، والتي وصلت إلى حد محاولة اغتيال د. محمد سعد الكتاتني، رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، لا تعبر بحال من الأحوال عن أن هناك بقايا عقل لدى الحكومة المصرية التي تواجه أبناء الوطن في منافسة، المفروض فيها أن تكون نزيهة وشريفة، يواجهونهم بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع والتفريق وتمزيق اللافتات الدعائية والحرمان من الاتصال والتواصل مع الجماهير، ومحاولات الاغتيال، وإطلاق الرصاص عبر جحافل من قوات الرعب الذين هم من أبناء الوطن أيضًا، ولكن تم تغييبهم عن الواقع، وبث أفكار مسمومة في عقولهم؛ ما جعلهم يواجهون الشرفاء بالضرب والتنكيل، دون أن يستشعروا بأنهم يدمرون ما تبقى من الوطن.
لعن الله الصمت الحرام، وهو عندما يصبح الكلام والتعبير عن الرأي فرضًا على كل طوائف الشعب الذين لا بد أن يتحركوا إيجابًا وسلميًّا لاسترداد حقوقهم المسلوبة، ثم يلتزمون الصمت، ولا يتحركون لوقف الظلم، وليس أحق من الرأي المراد تغييبه، وإبعاده عن صناعة القرار والمستقبل لبلدنا الغالية مصر؛ لذا يجب علينا جميعًا أن نجابه كل محاولات التزوير سواء بالتصدي لمحاولات منع الحملة الدعائية الانتخابية للشرفاء من الاستمرار في طريقها المرسوم لها، وكذلك عبر حماية أصوات الناخبين.. إلى أن تُعلن النتائج معبرةً عن رأي الجماهير الحرة، وليست معبرة عن إرادة فاسدة ومفسدة لهذا الحزب الحاكم.
حان وقت العمل الفعلي وتحريك كل الجماهير المصرية؛ لوقف الظلم الواقع علينا جميعًا عبر مشاركة حرة في الاستحقاق البرلماني المقبل، ومنع أية وسيلة من وسائل التزوير، وعدم الخوف من الظالمين؛ لأن النظام يحكم حاليًّا بالخوف، وما أن ينتهي هذا الخوف حتى يتبدد حكمه، ويصبح بلا فائدة، كما أؤكد أن أساس التحرك هو التوكل على الله عزَّ وجلَّ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: من الآية 3).
وأوجه رسالةً إلى أقطاب الحزب الحاكم في مصر وكل أعوانهم، أنه عليكم أن توقنوا بأن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تستمروا في قهركم دون أن يوقفكم أحد، فسوف يتحرك الشعب يومًا ما لاسترداد حقوقه وكرامته؛ وساعتها لن ترحمكم محاكم الشعب ولا لعنات التاريخ.
والأكثر من ذلك أن الله لن يدعكم أبدًا بظلمكم فـ"الظلم ظلمات يوم القيامة"، وجاء في الحديث الشريف عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه عزَّ وجلَّ أنه قال: "يَا عِبَادِي.. إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي.. كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي.. إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي.. إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي.. لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي.. لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي.. لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي.. إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ" (رواه مسلم).