سطَّرت بيدي حلمي الجميل في مقال سابق عنونته (دعوني أحلم)، ولكنني أفقت من هذا الحلم على واقع أليم مخالف لما رأيته في حلمي المذكور.
أفقت من حلمي على أن حكومة السيد أحمد نظيف التابعة للحزب الوطني الحاكم، والذي يخوض هذه الانتخابات التشريعية في مصر؛ هي المسئولة عن إجراء العملية الانتخابية برمتها, إذًا فالجاني هو ضابط التحقيق وهو القاضي وهو هيئة تنفيذ الأحكام.
أفقت من حلمي فوجدت أن حكومة نظيف قد أوكلت العملية الانتخابية برمتها لميليشياتها المسلحة، بقيادة الجنرال العادلي، ابتداءً بإعداد جداول الناخبين إلى تحديد شروط التقدم للترشح والأوراق المطلوبة والتي حددت أيضًا أن الجهة المخولة باستخراج هذه الأوراق هي مقار هذه الميليشيات على مستوى الجمهورية, وأن هذه المقار هي المخولة أيضًا باستقبال كل من تسول له نفسه ويترشح لنيل عضوية مجلس الشعب الموقر, كل هذا طبعًا تحت ستار ومظلة ما يُسمى (اللجنة العليا للانتخابات) التي جعلت مقارها سرية وأعضاءها والوصول إليهم- فضلاً عن تلبيتهم مطالب المرشحين القانونية- من رابع المستحيلات.
أفقت من حلمي فوجدت أن ميليشيات الحزب الوطني قد وضعت العراقيل في وجه كل صوت وطني حر يريد الترشح في هذه الانتخابات، ابتداءً بوضع العراقيل أمامه في التقدم للترشح حتى آخر يوم محدد لتسلم الأوراق, مما اضطر هؤلاء إلى اللجوء للقضاء المصري الشامخ، والذي بدوره حكم بأحقية هؤلاء في إدراج أسمائهم بجداول المرشحين, فحمل هؤلاء الأحرار هذه الأحكام القضائية إلى اللجنة العليا للانتخابات، والتي قررت إدراج أسمائهم بسجلات وقوائم المرشحين؛ ولكن ميليشيات الحزب الحاكم كشرت عن أنيابها ورفضت التنفيذ, معلنةً أنها هي المسئول الحقيقي عن العملية الانتخابية، تدرج مَن تشاء وترفض مَن تشاء, ولا محل للأحكام القضائية وقرارات اللجنة العليا للانتخابات من الإعراب!.
أفقت من حلمي فرأيت هؤلاء الأحرار يلجئون إلى "الإدارية العليا"، والتي يحكم قضاؤها العادل مؤيدين حكم الدرجة الأولى بأحقية إدراج أسماء هؤلاء الأحرار في كشوف المرشحين، مع إلزام اللجنة العليا للانتخابات والجهات الإدارية بتنفيذ هذا الحكم بمسودته ودون النظر للاستشكالات غير الدستورية وغير القانونية التي تقدم بها الحزب الحاكم ضد الأحكام السابقة, فيحمل هؤلاء هذه الأحكام ويتوجهون بها إلى اللجنة العليا، فإذ بها تخبر هؤلاء المرشحين بأن مشكلتكم مع وزارة الداخلية أقصد (ميليشيات الحزب الحاكم وجناحه العسكري)، وعليكم بحل مشكلتكم معها وعجبي!.
أفقت من حلمي على بعض المشاهد الساخرة المضحكة, فالنائب البرلماني عصام مختار عن دائرة مصر الجديدة، يذهب لاستخراج ما يثبت قيده في جداول الناخبين بالدائرة، فيُفاجأ برفع اسمه من هذه الجداول في الدائرة التي هو يمثلها في البرلمان؛ مما يشكل فضيحة عالمية، يخجل كل وطني حر منها أمام العالم المتحضر, وفي المقابل نجد وزراء، تُسجل أسماؤهم بكشوف الناخبين بدوائر لا علاقة لهم بها على الإطلاق لا إقامة ولا عملاً, ووجدناهم يترشحون فيها مما أطلق عليهم المواطن سخرية بذلك بمرشحين البراشوتات!.
رأيت 4 من النواب الحاليين عن محافظة الإسكندرية حسين إبراهيم عن دائرة مينا البصل بالإسكندرية منذ عام 2000م، وحتى الآن، وصابر أبو الفتوح عضو مجلس الشعب عن دائرة باب شرق بالإسكندرية، والمحمدي السيد أحمد عضو مجلس الشعب عن دائرة الرمل بالإسكندرية، ومصطفى محمد عضو مجلس الشعب عن دائرة المنتزه بالإسكندرية, يمنعون من التقدم للترشيح في الوقت الذي يسمح فيه بالترشح لأصحاب السوابق، ومن صدر ضدهم أحكام قضائية تمنعهم من الترشح!, فيلجأ النواب الأربعة للقضاء، ويحصلون على أحكام نهائية من الإدارية العليا بإدراج أسمائهم في كشوف الناخبين، وترفض هذه الأحكام في تحدٍّ سافر من حكومة الحزب الوطني للأحكام القضائية النهائية, فلم يجد هؤلاء النواب سبيلاً إلا الاعتصام بمقر مجلس الشعب، والذي أخبرهم رئيسه فتحي سرور (رجل القانون والذي يعلم جيدًا ماذا يعني رفض السلطات تنفيذ الأحكام القضائية النهائية وخطر ذلك على مستقبل الوطن)، وهو أيضًا مرشح على قوائم الحزب الحاكم، أخبرهم أن هناك قرارًا سياسيًّا سياديًّا بعدم دخولهم المجلس كنواب مرة ثانية، ويأمرهم بفض اعتصامهم، ويأمر القوة الأمنية بالمجلس والتابعة لميليشيات الحزب الوطني وجناحه العسكري بقطع الكهرباء والمياه عن مكان اعتصام هؤلاء النواب بالمجلس!.
أفقت من حلمي على منافسة غير شريفة من الحزب الحاكم، فالإعلام المسمى زورًا وبهتانًا بـ"الإعلام القومي"، والذي ينفق عليه من أموال الشعب، مسخرٌ كلية للحزب الحاكم ومرشحيه، بل مسخر للنيل وتشويه الصورة الذهنية لكل من سوَّلت له نفسه أن يترشح منافسًا لهذا الحزب الحاكم، أيًّا كان لون هذا المرشح أو رائحته. رأيت بأم عيني وسمعت أذناي المسيرات الانتخابية المترجلة والراكبة لأعضاء الحزب الحاكم، تجوب الشوارع ليل نهار، تؤرق مضاجعنا حتى أذان الفجر مدعمة باللافتات ومكبرات الصوت المتعددة، تعطل المرور ليل نهار, وفي المقابل أيضًا رأيت وسمعت بنفسي ولم يخبرني أحد بمنع مسيرات المرشحين المعارضين، وخاصة مرشحي الإصلاح والتغيير من الإخوان المسلمين، ومصادرة لافتاتهم وتمزيقها ومصادرة مكبرات الصوت حتى "الميجافونات" الصغيرة، والاعتداء على المشاركين في هذه الجولات الانتخابية من قِبل ميليشيات الحزب الحاكم بالضرب والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والاعتقال (وصل عدد المعتقلين لأكثر من ألف وثلاثمائة معتقل)؛ مما أثار غضب واستياء المواطن العادي الكاره للتفرقة والظلم، مرددًا (أحرام على بلابل الدوح حلال على الطير من كل جنس؟!).
رأيت مؤتمرات تُعقد هنا وهناك لمرشحي الحزب الحاكم والأحزاب المتواطئة معه داخل المقار وخارجها، ورأيت في المقابل منعًا لمؤتمرات المرشحين المستقلين، وخاصة مرشحي الإخوان المسلمين ومحاصرتهم ومنعهم من التواصل مع جمهور الناخبين.
أفقت من حلمي ورأيت مؤامرة تُحاك ضد الوطن؛ أطرافها الحزب الحاكم وهذه الأحزاب الكرتونية التي لا يعرف المواطن المصري أسماءها ولا أسماء رؤسائها ولا أسماء هيئاتها العليا ولا السفلى، فهي ليس لها وجود يُذكر سواء المسماة منها بالكبرى أو الصغرى!, رأيت صفقة غير شريفة بين الحزب الحاكم وهؤلاء بتكرار ما حدث في الدائرة الأولى مركز وبندر دمياط بتزوير انتخابات الشورى السابقة لصالح عضو حزب التجمع، فلا مانع من تكرار هذا النموذج ومنح هذه الأحزاب الكرتونية والورقية بعض المقاعد في المجلس المقبل، مقابل لعب دور المحلل للنظام الحاكم وحزبه وتبييض وجهه أمام العالم، والمشاركة في تشويه المعارضة الشعبية الحقيقية الممثلة في الإخوان المسلمين، والتي تستطيع بشعبيتها أن تكسر من سطوة الحزب الحاكم وتنتزع منه حقوق الشعب المهضومة وتقضي على فساده.
أفقت من نومي على تلاعب من قبل وزارة الداخلية (أقصد ميليشيات الحزب الحاكم وجناحه العسكري) في جداول الناخبين, سواء بقيد جماعي لعمال المصانع في دوائر بعينها مرشح فيها وزراء, أو نقل مقار اللجان، وخاصةً النسائية، لأماكن بعيدة ومهجورة, أو نقل مقر اللجان في أماكن يسهل محاصرتها من قِبل ميليشيات الحزب الحاكم وبلطجيته؛ لمنع الناخبين من التصويت وتسويد البطاقات لصالح الحزب الحاكم وإتمام صفقته مع الأحزاب الورقية.
أفقت من حلمي فرأيت عرقلة من قِبل ميليشيات الحزب الحاكم لاستخراج التوكيلات لمندوبي المرشحين المستقلين في خطوة استباقية لإتمام عملية التزوير.
تمنيت أن لم أكن أفقت من نومي، ولكن الواجب الشرعي والوطني يفرض عليَّ وعلى كل محب لوطننا ومصرنا المحروسة أن ننتفض من نومنا، لنقف في وجه هؤلاء الذين صمموا على تحطيم حاضر مصر ومستقبلها.
فيا كل مصري أبي حر.. هيا لنشد على يد بعضنا البعض؛ لنقاوم الظلم والفساد بخروجنا يوم الأحد المقبل، ندعو الناخبين إلى المشاركة والتصويت لصالح المصلحين والتكاتف لإسقاط هذا الحزب الذي أفسد علينا كل شيء سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.
إلى كل أبي حر.. شارك من أجلك أنت, من أجل أبنائك, من أجل وطنك, من أجل أمتك.
إلى كل وطني حر.. لا تستمع لإرجافات المزورين الذين يحرصون على إشاعة ودعوة الناس للمكوث يوم الانتخاب في بيوتهم خوفًا من التعرض للعنف, أقول إياك من الاستماع لهذه الإشاعة المغرضة فهي محاولة يائسة من هؤلاء المزورين؛ لأنهم يخافون من أصوات الناس، فهم يثقون تمامًا أنها ستكون ضدهم, لعلمهم بالجرائم التي ارتكبوها في حق هؤلاء الناس، وأن هذا هو يوم العقاب.
يا كل أبي حر.. لا تفرِّط في حقك، فهذه فرصتك للتغيير وإلا عليك الانتظار 5 سنوات أخرى حتى تُتاح لك هذه الفرصة.
أعرف رجلاً تجاوز الـ75 عامًا من عمره يسكن بالمنصورة ومقره الانتخابي بالقاهرة يقوم في السادسة صباحًا، يركب الأتوبيس المتوجه إلى القاهرة للإدلاء بصوته، ويكرر ذلك في انتخابات الإعادة؛ فلتتخذ منه قدوة لك ولزوجتك وأولادك، فبأمثاله ستتقدم مصر وتستعيد مكانتها التي فقدت على يد هذا الحزب الحاكم.
إلى كل وطني أبي حر.. تفريغ نفسك يوم الأحد المقبل ليس كثيرًا على وطنك مصر من أجلك أنت وأبنائك ووطنك وأمتك؛ فاجعل من نفسك مراقبًا على العملية الانتخابية، ووظِّف جهازك المحمول ما استطعت إلى ذلك سبيلاً في مراقبة هذه العملية، فشهادتك الشخصية لما رأيته وشاهدته، ضعها في يد المنظمات الحقوقية المتابعة والمراقبة للانتخابات أداءً لواجبك الوطني، ثم إعذارًا إلى الله أنك قمت بواجبك.
إلى كل وطني أبي حر.. ليست هذه الجولة الأخيرة؛ ولكنها جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل التي سنها الله عز وجل، ولكن ثقتنا أن النصر للحق ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17).