لم يتبق سوى ساعات على موعد فتح باب الاقتراع في انتخابات مجلس الشعب المصرية 2010م، ويبدو أن النظام المصري تعلَّم من انتخابات 2005م فبدأ مبكرًا بتكميم الأفواه التي من الممكن أن ينفذ منها الإخوان المسلمون ولو على سبيل عرض الرأي الآخر، فقد تم إغلاق برنامج (القاهرة اليوم) التابع لشبكة الأوربت تحت حجة واهية بتأخر إدارة القناة في دفع إيجار "بلاتوهات" التصوير في مدينة الإنتاج الإعلامي ولم يشفع لمالكي القناة ومقدمي البرنامج قُرْبُهم من مؤسسة الرئاسة المصرية.

 

كما تم تفجير صحيفة (الدستور) للحيلولة دون خروجها للنور بالشكل الذي كانت تخرج عليه في الانتخابات السابقة، وعرضها لبعض آراء ولو على استحياء لبعض كُتَّاب الإخوان، كما قامت وزارة الإعلام بعدم منح ترخيص للقنوات الفضائية للبثِّ المباشر من الشارع المصري، واقتصار ذلك على مدينة الإنتاج الإعلامي حتى لا يمكن لأي قناة من القنوات أن تنقل الأحداث المتوقع حدوثها أثناء فترة الدعاية أو أحداث البلطجة المتوقعة من قِبَل رجال الحزب الوطني يوم الانتخابات.

 

كما كشَّرت وزارة الإعلام المصري والحزب الوطني عن أنيابهما عندما تجرَّأت قناة (بي بي سي) بإذاعة تقرير مصور عن الانتخابات انتقدت فيه ممارسات النظام والحزب في الانتخابات، كما أنها هدَّدت بإغلاق برنامج (العاشرة مساء) على قناة (دريم)، ولكن يبدو أن مالك القناة رجل الأعمال أحمد بهجت قد استطاع أن يحتوي الموقف بالضغط على القائمين على البرنامج بعدم السماح لضيوف من الإخوان بالظهور في البرنامج وهي السياسة التي اتبعتها وزارة الإعلام بالتنبيه على البرامج الحوارية في القنوات المصرية المختلفة بعدم استضافة أي ضيوفٍ من الإخوان، وإفساح المجال الأكبر للضيوف المنتمين للأحزاب؛ حتى ولو كانت أحزاب غير معروفة للمشاهدين.

 

وتميزت تغطية التليفزيون المصري للانتخابات بالتأخُّر الشديد، فعندما قام حزب الوفد بانتهاك هذا التأخر وبطلبه إذاعة بعض الإعلانات مدفوعة الأجر في التليفزيون المصري رفضت وزارة الإعلام في بداية الأمر، وذلك لتعطيل الحملة، وتقليص فترة التغطية للانتخابات لأقصى وقت ممكن.

 

كما أن التليفزيون المصري لم يستخدم برنامجه (حالة حوار) هذه المرة، فقد أفرد في المرة السابقة حلقاته لمدة طويلة في استضافة ضيوف كُثر ليس لهم هدف ولا غاية إلا الهجوم على الإخوان، بل إنه استعان وللمرة الأولى بأعضاء من حزب الوسط تحت التأسيس؛ لسبِّ الإخوان، رغم معرفة القائمين على البرنامج بصلتهم السابقة بالجماعة، والذي لم يؤت ثماره في المرة السابقة، وفاز الإخوان فيها بـ88 مقعدًا رغم الانتهاكات التي حدثت ولكن هذه المرة، فقد تكلم مقدم البرنامج في العديد من الحلقات عن مواضيع شتى ليس لها علاقة بالشأن الانتخابي.

 

وكان أبرز هذه الحلقات مع المخرج المسرحي سمير العصفوري الذي كان يتكلم عن المسرح بوصفه "صينية بطاطس"، كما أن المقدم أسهب في الكلام عن عرض سمير الأخير "يا ساكني مصر"، وكان واضحا أنه لم يشاهد العرض، فقد أثنى عليه كثيرًا بالرغم من أنه عرض لا يستحق مليمًا واحدًا مما تم إنفاقه عليه من أموال الشعب.

 

كما قام قطاع الأخبار بعمل برنامج خاص عن الانتخابات كان يقوم فيه رئيس قطاع الأخبار بعمل مناظرة بين أربعة من قيادات الأحزاب المختلفة على الشكل الأمريكي من المناظرات الانتخابية، ولكن دون أي مضمون يُذكر فما هي إلا أقوال وعرض لإنجازات وهمية من مندوب الحزب الوطني، وردود غير مقنعة من مندوبي الأحزاب الأخرى، فهي تعد وبامتياز دعاية صريحة لمرشحي الحزب الوطني.

 

أما برنامج (مصر النهاردة) فقد استخدم سياسة أخرى في تغطيته للانتخابات، ولكن بنفس الهدف وهو تشويه صورة الإخوان، فكان أبرز ضيوفه رفعت السعيد رئيس حزب التجمع، وعبد الله كمال رئيس تحرير (روزاليوسف) والجميع يعرف مدى ما يكناه في قلبيهما للإخوان، كما كان أبرز تغطية البرنامج هي التهليل للبلاغ الذي قدَّمه الحزب الوطني للنائب العام ضد مرشحي الإخوان على مستوى الجمهورية.

 

وفي تغطية القنوات الخاصة المصرية لم يكن الوضع أكثر حياديةً، فقد التزمت معظم البرامج بتعليمات النظام؛ خوفًا من تعرضها لشبح الإغلاق، فقد خصصت برامج (الحياة اليوم) على قناة (الحياة)، و(90 دقيقة) على قناة (المحور)، و(العاشرة مساء) على (دريم 2) فقرة واحدة فقط لتغطية أحداث الانتخابات اليومية دون أن تفرد إحداها أي حلقة كاملة، كما كانت تفعل قبل ذلك في انتخابات 2005م.

 

أما قناة (أون تي في) المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس فقد كانت ملكية أكثر من الملك، بل إنه يبدو أنها كانت هي البديل عن قنوات التليفزيون المصري الحكومي في الهجوم على الإخوان في هذه الانتخابات، فقدمت برنامجًا يوميًّا تحت عنوان برلمان 2010م يصعب متابعه فهم الكثير من كلمات المقدم، ويبدو أن الجهة الأمنية المشرفة على البرنامج لم تجد سوى هذا المقدم الذي يفتقر لبديهيات مقدم البرامج من سلامة اللغة، ومخارج الألفاظ، فلا يقل عن 30% من الكلمات غير مفهومة، وتحتاج إلى مجهود لفكِّ رموزها.

 

ويبدو أن المقدم كان يقرأ من تقارير أمنية مكتوبة ليس لها هم إلا الهجوم على الإخوان، والتشكيك في المرشحين، وحتى إذا كان عنوان الحلقة بعيد كل البعد عن الإخوان فإن المقدم يُحَوِّل دفة الحديث إلى الهجوم على الإخوان، وعندما يكون هناك حديث عن فئة من المرشحين بعينهم يتناسى مرشحي الإخوان تمامًا، وكأن هؤلاء المرشحين أسماء ليس لها أي برامج، فمثلاً في الحلقة الخاصة بالصحفيين المرشحين لعضوية المجلس أفرد لكلِّ مرشح دقيقة على الأقل ليتكلم عنه وعن دائرته وعن إنجازاته الصحفية، ووضع النائب محسن راضي في ذيل القائمة، وذكر اسمه وانتمائه السياسي وفقط دون أن يذكر أي شيء آخر عن إنجازاته في المجلس السابق أو برنامجه الانتخابي.

 

وعلى مدار ثلاثة أيام قامت القناة بعرض فيلم تدعي بأنه وثائقي من إنتاج القناة تحت عنوان المحظورة كان من أبرز المتحدثين فيه رفعت السعيد، والمستشار ماهر الجندي رئيس نيابة أمن الدولة سابقًا، وعبد الرحيم علي الصحفي وهو نفسه صاحب المادة الفيلمية والسيناريو، وأبو العلا ماضي وكيل المؤسسين لحزب الوسط، وظهور على استحياء لكلٍّ من د/عصام العريان، وأ/مختار نوح، والصحفي ضياء رشوان.

 

وقد حاول البرنامج تشويه الحقائق وتزوير التاريخ والوقائع، ولبس الحق بالباطل منذ إنشاء جماعة الإخوان المسلمين وحتى الآن، ولكن كانت أكبر هذه الأكاذيب هي تحميل الإخوان دم السادات، وموجة العنف التي تلت تلك الأحداث، كما لصق تهمة علاقة الإخوان القوية بتنظيم القاعدة، كما قام الفيلم بعرض العديد من صور العمال المضربين في الفترة الأخيرة على أنها مظاهرات وعصيان مدني للإخوان، ويبدو أن الفيلم قد أُنتج حديثًا جدًّا فالموسيقى التي صاحبت الفيلم الوثائقي هي موسيقى مسلسل الجماعة الذي تم عرضه في رمضان الماضي.