حتى يكون القارئ على بينةٍ من عنوان هذا المقال ومضمونه أقول: إن ركيزتي ومنطلقي قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)﴾ (الذاريات).
وخلاصة المعنى- كما جاء في تفسير الجلالين: لُعن الكذابون الذين هم في غمرة؛ أي في جهلٍ يغمرهم فهم غافلون.
*****
ولن أتحدث في هذا المقال عن الحرب التي يشنها عتاولة النظام الحاكم بأسلحتهم، وأمنهم على مرشحي الإخوان وأنصارهم، وإلقاء القبض على المئات منهم، وحرمان المتقدمين للترشيح من حقهم القانوني، ولكن سأكتفي بالإشارة إلى بعض مظاهر الحرب الإعلامية ضد الإخوان مرشدًا وأعضاءً وجماعةً تمثل قرابة نصف الشعب، ولها فروع وأنصار في ثمانين دولة من العالم.
ولن أقف أمام مفتريات "المستنقعيين" من أمثال: الدقاق وسرايا والقط وكرم جبر، ولن أقف أمام أكاذيب فؤاد علام، فهي أكثر من أن تُحصى، وأكتفي في هذا السياق من كلماته بما يأتي:
- زعمه بأن مؤسس جماعة الإخوان هو أحمد السكري، وأن حسن البنا "سرقها" منه.
- زعمه بأن الإخوان لم يتطوعوا للجهاد في فلسطين، فهو يقول: "من الأكاذيب الكبرى التي اخترعها حسن البنا والذين معه ادعاء أنهم جاهدوا في فلسطين وقدموا تضحيات، وشهداء وأراقوا دماءهم على أرض فلسطين الحبيبة، ولكن الحقيقة- كما يزعم - أنهم لم يقدموا شهيدًا ولم يطلقوا رصاصةً ولم يذهبوا إلى فلسطين".
- ويُحرِّض النظام لتوجيه مزيدٍ من الضربات الظالمة الغاشمة للإخوان، وكأنهم فصيلٌ من منبوذي الهند، أو سكان أستراليا الأصليين، أو الخونة الهبَّارين الهباشين الذين باعوا- ويبيعون- أوطانهم وضمائرهم بالمال.
ولن أتحدث عن عبد السلام المحجوب مرشح الحزب الوطني في دائرة الرمل الذي استقدم عمرو خالد الداعية الإسلامي ليلقي محاضرةً، واجتمع عليه آلاف أغلبهم من الشباب، وقد اعترض الإخوان على ذلك؛ لأن عبد السلام المحجوب يريد أن يستخدم هذا الداعية كورقة دعاية. وإلا لسمح وسمحت الدولة له بالدعوة في مصر، وهو الممنوع من دخولها، والحديث فيها، وحتى يوحي المحجوب بأنه يخاف على عمرو خالد من انتقام رجال "المحظورة"، نشرت وسائل الإعلام المباركية بأنه غادر المكان من بابٍ خفي، وبعدها ظهر المحجوب ليقول نحن لا نقول "الإسلام هو الحل"، ولكن نقول "الإنسان هو الحل"!!.
والهدف الأساسي من هذه الكلمات هو حرصنا على أخذ أنفسنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد صدق الإمام أبو حامد الغزالي إذ قال: "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة (الضعف)، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلى يوم التناد" (إحياء علوم الدين 7/1186).
*****
وأطرح أمام العقلاء وذوي النظر بعض ملامح الحرب الإعلامية الشرسة الخسيسة في القنوات التلفازية على "المحظورة" ورجالها، وهي حرب يومية لا تنقطع، وأظهر مَن يتولى كِبرها ثلاثة:
الأول: خيري طلعت، وفي منطقه التشويهي يهاجم الجماعة بأكاذيب متواصلة ما أنزل الله بها من سلطان.
والثاني: عبد الرحيم علي، وأنا ما رأيته إلا وتذكرت ممثلاً كوميديًّا ساقطًا، إذ أنه يحمل على كل ما يتعلق بالإخوان، ويحيل على ما يسميه وثائق، وأحيانًا يمسك بورقة لا كتابةَ فيها، أو فيها كتابة من بنات خياله المريض المتهافت، ويخاطب الجمهور قائلاً إنني أعتمد فيما أقول على هذه الوثيقة، والكذب عنده خلق ملازم، ووصل به الأمر إلى أن يتهم الإخوان بقتل الشهيد عبد الله عزام، فيقول- في حوار صحفي- بالحرف الواحد:
"الظواهري عايز.. نأخذ أموال مكتب خدمات المجاهدين ونروح نعمل ثورة في مصر وفي السعودية وفي الجزائر، ورأي عبد الله عزام لأنه جاي بأجندة خاصة ما فيهاش الموضوع ده، فقال لهم: لأ. أموال المجاهدين اللي تبرّعوا بها تبرّعوا لأفغانستان فتظل لأفغانستان.
قتلوه".. وأحيانًا يستضيف شخصيات في حوار كله للنيل من "المحظورة"، والرفع من شأن الحزب الوطني، ومنها حواريته- على مدى ساعة- مع علي الدين هلال، أمين الإعلام في الحزب الوطني (مساء الخميس25/11/2010).
ولو كنت مكانه لأقلعت عن هذا العبث "المنطوق" تلفازيًّا، فلثغته بالراء تجعل كل ما ينطق به مضحكًا.
أما ثالث الثلاثة فهو: رفعت السعيد رئيس حزب الأهالي، وعضو مجلس الشورى المُعيَّن من الحكومة، والسيد رفعت السعيد عضو مجلس الشورى بالتعيين يعتقد أنه جاء عضوًا بإرادة الشعب، بناءً على انتخاب حر نظيف لا تزييف فيه. وقد تحدثت ذات يوم لواحد من كبار أعضاء "حزب الأهالي"، اشتهر بالعلم الواسع والحكمة والالتزام: قائلاً: "أنا أعتقد لو أن رفعت السعيد رشَّح نفسه على المستوى الشعبي لمجلس الشعب أو مجلس الشورى لما حظي بأكثر من مائة صوت...". فكان جوابه "ولا عشرة أصوات"، ومع ذلك يعيش الرجل في وهم أنه ضرورة الضرورات في هذا المجلس.
وله غثاء عمن سماهم بالمتأسلمين، ويقصد جماعة الإخوان، وقد أصرَّ على ألا يسميها بغير "الجماعة المحظورة"، فهو بتضخمه المتخيل لا يمانع في السخرية من جماعةٍ تمثل الأغلبية في هذا الشعب، ويرى أنهم حين يحاولون أن يوحدوا صف المعارضة إنما هم مخادعون يعدمون الصدق والتأثير.
ورفعت السعيد كأنما وُلد للهجوم الخسيس على جماعة الإخوان: أعضاء، ومرشدًا، وتاريخًا، وعقيدةً، وشعارات، وسلوكًا، وله في ذلك عشرات من المقالات وعدد من الكتب منها كتاب: "الإرهاب المتأسلم لماذا ومتى وأين؟".
وليس فيما كتب عبارة واحدة ذات طابع علمي، لذلك لم أعجب حينما رأيته مساء يوم 20/7/2008م في برنامج الساعة العاشرة، وقد استعمل كلمة "أنا" أكثر من ثلاثين مرة، وكلمة "أتحدى" قرابة عشرين مرة: أنا أتحدى... أي واحد من هؤلاء الإخوان... ثم وصف الجماعة بأنها جماعة إرهابية، من أول نشأتها حتى الآن، فالقتل هو شريعتهم، وإذا لم يجدوا من يقتلونه قتل بعضهم الآخر، وأنا أعلم أنهم عاشوا وما زالوا جامدين، لم يطوروا أنفسهم، فلم يغيروا كلمة واحدة مما جاء به حسن البنا، وهم يخدعون الناس بالشعارات الدينية مثل "الإسلام هو الحل".
وفي جلسة مجلس الشورى التي انعقدت في 24/12/2006 شبه رفعت السعيد أعضاء جماعة الإخوان بالأفاعي والثعابين.
ولا أنسى في هذا السياق أن الله قد ساق له شابًا مسلمًا ينسف تشويهاته لجماعة الإخوان هو: "منصور أبو شافعي"، فسدد إليه القاضية بكتاب ضخم عنوانه "العلمانيون والحرام العلمي: مراجعة نقدية لعلمية كتابات رفعت السعيد عن حسن البنا".
ويستحل رفعت السعيد التزوير والتزييف حرصًا على تحقيق رسالته المعروفة، ففي واحد من أحاديثه الأخيرة زعم أن سيد قطب سُئل عمن يشتري اللحم من الجزار أحلال أم حرام؟ فأجاب: "اعتبرها حلالاً كذبيحة أهل الكتاب".
وأشهد الله أنني قد رأيت بنفسي، وسمعت بنفسي سيد قطب، في المركز العام للإخوان بالحلمية الجديدة يتلقى سؤالاً من أحد الإخوان نصه: هل يحل للمسلم أن يأكل البلوبيف؟ فأجاب رحمه الله: "لا أرى في ذلك حرمة، واعتبره من ذبيحة أهل الكتاب".
*****
إنني أكتب هذا المقال قبل إجراء انتخابات مجلس الشعب بيومين قاصدًا به وجه الله، لا التأثير على مجريات وأمور سياسية أو غير سياسية.
وأذكر القارئ بمفهوم عنوان المقال وهو "قتل الخراصون" وقد قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)﴾ (الذاريات)، وتكررت كلمة الخرص في عددٍ من الآيات الأخرى مثل: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)﴾ (الأنعام)، ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 148)، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (20)﴾ (الزخرف)، ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (66)﴾ (يونس).
وقانا الله شرَّ الخرص والخراصين، وأنار أبصارنا وبصائرنا، وأرانا الحق حقًّا ورزقنا إتباعه، وأرانا الباطل باطلاً ورزقنا اجتنابه. إنه نعم المولى ونعم النصير.
----------