أقسم بالله العظيم أن أقول الحق!
ليس عبثًا أن أفتتح مقالتي هذه بهذا القسم الذي يدين بالاستسلام لله سبحانه ويقدر عن إيمان ويقين أنه مهما رحلنا أو حللنا.. أو خططنا، أو نزلنا فإن ما لنا إلا الوقوف بين يديه والعرض عليه.
وأفتتح مقالتي به راجيًا من القارئ الكريم أن يقبلها ويستقبلها؛ بما هي شهادة حق، في مقام رهيب وخطير، وفي محكمة هي أخطر آلاف المرات مما يألفه الناس من معهود المحاكمات، وفي قضية هي بميزان الحق، والعقل، والواقع أخطر مما يتصوره أحد، في قضية أعرف فيها المجرم، وهو يتلذذ بجريمته، ويحشد لإتمامها، ويعينه عليها حزب من أراذل الخلق، وأعرف فيها الضحية وقد سقطت مضرجة في دمائها، وهي ضحية بحساب العد غير منحصرة في فرد، رجلاً كان أو امرأةً بل في شعب بأسره وأمة بتمامها، وجيل موصول بجيل.
(1)
أنا ابن حي نشأت فيه طفلاً، ودرجت على أرضه شابًا، وتعلمت في جنباته تلميذًا، وسكن ضميري وسكنت ضميره، وعرفت فيه ألوانًا من البشر والخلق، وأخذوا بيدي، واستقام فيما أحسب بفضل نفر من أبنائه ظاهر أمري وباطنه، واستوى عقلي واستقر وجداني على الإسلام بعون من رجالات الحركة الإسلامية فيه.
وقد عشت أرى أرتال القمامة والقذر تقتحم العيون، وأتقلب على طرقاته التي امتلأت بالحفر والعفن بفعل فساد إداري وتنفيذي يستهين بسكانه، ولا يعبئون بآدميتهم، ركونًا غير عاقل لطيبة هذا الشعب، وفهمًا غبيًّا لصبره وتحمُّله على غير صورته الحقيقية.
عشت كلَّ ذلك غير عابئ حينًا، وعشت كل ذلك، وأنا أحيل في تفسيره على حال البلاد، وقلة تعافيها الاقتصادي حينًا آخر حتى كان ظهور الإخوان المسلمين في الحي الذي أسكنه، ووجدت كيف يمكن أن ينمو وعيي بالوطن، وكيف يمكن أن يشعر الإنسان بإنسانيته، بما يقدرونه فيه من قيمة، ويحترمونه فيه من مواهب، ويستفزونه فيه من قيم وأخلاق ومبادئ.
وحصد ذلك الحضور النبيل لهم، ولفكرتهم أصوات الناس في انتخابات سنة 2000م يوم كان مرشحهم هو الدكتور حسين الدرج رحمه الله، وكان ما كان مما الدنيا كلها على ذكر منه، ومعرفة به.
(2)
وجاء عام 2005م، ونجح صديقي الدكتور محمد البلتاجي، ومن أول يوم وبنسبة تصويت لم تعرفها شبرا الخيمة من قبل، وكان نجاحه في حد ذاته عنوان مرحلة جديدة يرتقي فيه نائب له مواهب البلتاجي، وعلمه، وحركته، وحضوره، وحسن تقديره الأمور، وحس وطني بالغ الظهور.
وانتقلت شبرا الخيمة لأول مرة، تستشعر بعض كرامتها التي أُهينت على دورات متتالية، واستشعر أبناؤها كثيرًا من الفخر؛ لأن صوتهم يمثله أستاذ جامعي في واحدة من أعرق جامعات الدنيا، وطبيب ماهر ومثقف من طراز فريد وسياسي نابه تكونت ملكاته في نشاط الحركة الطلابية في الجامعة، وحركي يقدر عن وعي وتربية قيمة خدمة قضايا الوطن والجماهير.
شعرت شبرا الخيمة لأول وهلة بهذا كله، وخبر إعلان فوزه بتمثيلها يسكن الأسماع والقلوب ابتداءً.
ونما هذا الشعور بالفخر مع امتداد الأيام وتزاحم التجارب، حتى غدت شبرا الخيمة تتيه بأن قدمت للحياة النيابية في مصر، والعالم العربي والغربي نموذجًا فريدًا للنائب الواعي المؤهل، لأسباب كثيرة جدًّا، نما شعور بالفخر لأننا رأينا نائبًا يحنو على الناس ولا ينفصل عنهم تراه ساعة تراه فتجد أنه أقرب الناس إليك وأقربهم شعورًا بهمومك وتقديرًا لإنسانيتك، وتراه ساعة تراه هادرًا كالطوفان، يناقش خلل السياسات ويفضح فسادًا هنا ويهتك الستر عن نية فساد هناك بكلام موثق وأرقام وإحصاءات بفهم عميق يطرحه، وتراه ساعة تراه مفكرًا سياسيًّا ووطنيًّا مرموقًا بما يفاجئك به من كتابات بالغة القيمة في الصحف السيارة وفي المواقع الإلكترونية، وفي الكتب التي أخرجها لإنقاذ مصر في هذه المرحلة السوداء من تاريخها، وتراه ساعة تراه سفيرًا مرموقًا في برلمان الإسلاميين، وحائط صدٍّ ضد محاولات التطبيع، فاضحًا بيع مصر للكيان الصهيوني ومشاركًا فعّالاً في جهاد فك الحصار المضروب على غزة، رافعًا الحرج عن شعب مصر بمشاركته في أسطول الحرية.
كان مبعث فخر لي بين كثير من زملاء العمل وأصدقاء العمر أنني أعرفه وأكلمه وأحاوره، وكانت شبرا الخيمة تستشعر ذلك الفخر، ويحاول يمحو من وجهها ندوب النظام الحاكم الذي تركها وخلفها خلال السنين الطوال بخيانته لقضاياها وخيانته لخدماتها.
ومرت سنوات خمس هي عمر الدورة البرلمانية حتى جاء موعد انتخابات 2010م وشهدت تدفق الناس في ألوف مؤلفة خلفه مما نقلته الفضائيات نقلاً حيًّا.
كان طبيعيًّا أن تُهدَر هذه المواهب المستجدة فيه؛ لأن الزمان ليس زمانه.
كان طبيعيًّا أن تغتال هذه الطاقات المنبعثة من بين جنبيه؛ لأنه استطاع أن يقول: لا لفساد الطغمة الحاكمة، وأن يقول: لا لِمَن همَّشوا إنسانية المصريين.
كان طبيعيًّا أن تُشَّوَه أصوات الذين أيدوه؛ لأنه استطاع أن يواجه الكيان الصهيوني ويفضحه ويفضح الأيادي الملوَّثة بمصافحة ذلك الكيان اللئيم الغادر.
كان طبيعيًّا أن يتحوَّل الهلال إلى منجل يقصف أحلام المصريين، كان طبيعيًّا أن يتحول القمر إلى طوق تُشنق به آمال المصريين، ثم كان طبيعيًّا أن يحرق هذا الحزب أغصان الزيتون.
-------------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية