اتصل بي أحد الأدباء وقال لي:
(منكم لله فضحتوا مصر كان لازم تدخلوا الانتخابات)..
قلت له مستغربًا: نحن نفضح مصر.. بل نحن من يتشرف بالانتساب إلى مصر، وهي تفرح بنا وتتشرف بنا.. وأردفت قائلاً: لعلك تقصد الحكومة المصرية.. قال: ليس هناك فرق أنا الآن في لندن وسيرة مصر (زي الزفت).
قلت له مستغربًا: (أنحن السبب رغم ما وقع علينا من ظلم، وما نحس به من مرارة، ليس من حكومتنا المسكينة، وإنما من لندن هذه وحليفتها الكبرى أمريكا، إنهم سبب المصائب التي تنهال على المصريين من ضيق وذل.. هم معلمو حكامنا أصول وقوانين الظلم والإفساد).
قال: مرارة؟ أنتم تحسون بمرارة؟
قلت له: ما إحساسك وأنت مطارد بغير ذنب؟
ما إحساسك وأنت ترى المرشح الذي كان نائبًا عن الدائرة مشطوبًا من كشوف دائرته، فتحكم له المحكمة، والحكومة تعطِّل الحكم وتخالف القانون؟.
ما شعورك وأنت تسير في الشارع تطاردك جحافل الأمن المركزي الذين أذاقهم الصهاينة الذل والعار، ويمارسون القهر والبطش بنا.
وأنت تعلِّق الدعاية وتضع الملصقات بتخويل من القانون فيعتقلونك بلا قانون.
وأنت تتحدث عن برنامجك ومشروعك وإنجازاتك وأنت مطارد.
وأنت تزور حتى جيرانك وعائلاتك وأحباءك وأنت مطارد.
وأنت تعود إلى بيتك منهك القوى، كل أمنيتك أن تضع جنبك على السرير فتتذكر أنك مطارد.
وأنت تنتفض من نومك كلما سمعت جلبة أو وقع أقدام ثقيلة على السلم، أو كلما آن صوت المصعد، أو نبحت الكلاب في الشارع، أو كلما سمعت عربة نقل ثقيل فتظنه صوت عربة الترحيلات.
أشعر بمرارة وأن معي توكيلاً رسميًّا بالوكالة عن النائب في يوم الاقتراع، فيمنعني الضابط بألف حجة واهية، ويترك الحثالة المزورين يرتعون في اللجان بدون حتى إثبات شخصية، وعندما تقع عيني في عينه، ويرى حجم الظلم الذي ارتكبه وحجم المهزلة والتمثيلية المقامة يهرب بعينيه بعيدًا، ويتمنى ألا يكون قد عاش اليوم.
أشعر بمرارة وحسرة، وأنا أرى اسمي ورقمي الانتخابي قد استخدمه ناخب مزور أحمق أمام مراقب فاسد أخرق، وتم التصويت لصالح بائع الوطن للكيان الصهيوني وأمريكا، وليس الغاز والبترول والحديد والإسمنت والمياه فحسب.
قل لي ما شعورك؟..
وأنت تحمل على ظهرك الأرز والزيت وتذهب به إلى دور الفقراء.
وأنت تحمل على ظهرك الحديد والإسمنت وتبني دارًا للمساكين والأيتام.
وأنت تحمل على ظهرك غسالةً وثلاجةً؛ لتساعد فتى وفتاة فقراء أحبا بعضهما وتمنيا أن يكونا مثلنا.. أن يكون لهم بيت جديد وأسرة جديدة مثلنا.
وأنت تبني دارًا للتحفيظ وسط بيوت متهالكة أهلكها الظلم.. وقتلها الجهل والفقر والتخلف.
وأنت تسير وسط الجموع الهادرة ذات الوجوه الشاحبة والأقدام الحافية، تحمل همومهم، وتذهب إلى قضاء حوائجهم، وتترك مصلحتك وبيتك وعملك وأهلك وأنت مطارد.
نعم.. ومَن يطاردني؟ ضابط شرطة طيب من أهلي ومن ناسي، لعبنا في الطفولة معًا، وركدنا خلف الكرة معًا، وأحرزنا أهدافًا معًا.. وكم بكينا على حال أمتنا معًا في آخر الليل عندما ينقشع غبار الهموم والأحزان، وعندما يرسل الليل سدوله، وينتشر السكون يشكو لك.. تُفاجأ أنه أيضًا مطارد.
يا ربي هذا الضابط الطيب الذي غنَّى لي أغنيةً عن غزة، وتغزل في حب الرسول.
كم بكي من خشية الله.
وانتشرت على جبينه علامة الصلاة.
وكم ساعدنا في دار الأيتام.
وكم بكى لأسرة فقيرة لم تجد الطعام.
وكم وكم.. هو نفسه مطارد فتسأله لمَ؟ لمَ له وجه آخر معنا؟ ولصالح مَنْ؟ يقول إنها الأوامر.
يوم ملحمة التزوير الفاضح.
همس في أذني كم أنتم عظماء، كم أنتم شرفاء، كم أنتم تحبون مصر، كم أنتم مرتبون ومنظمون ومثقفون، كم أنتم إيجابيون وعمَّليون ومخلصون، أنظر إلى وجوهكم ووجوه الآخرين؟
وجوهكم طيبة مضيئة، وأسركم عفيفة مستقرة شريفة، أنظر إلى أولادكم، ابتسامة الحياة تملأ وجوههم البريئة، يهتفون بحب الله وحب الوطن بأصواتهم الصافية الجريئة.
لقد كنت معكم في انتخابات 2005م، والآن.. والله ما ازددتم في عيني إلا إعجابًا.. وفي قلبي إلا حبًّا؛ لكنها الأوامر التي تأتي من...
ثم سكت..
قلت نعم أعرف، وسكت..
قلت في نفسي: من الأعداء ومن واشنطن وتل أبيب.
ارتفع صوتي قليلاً الفرق بينكم وبيننا.
أننا لا نسمع إلا أوامر ربنا.
بالرغم مما يحدث لنا من عدونا.
(سنظل نزرع الخير في جنبات الحياة..
ونرسم السعادة على الوجوه والشفاه..
ونصنع الأمل في العيون وعلى الجباه..
ونحمل عن أهلنا بعضًا من ظلم الطغاة..
وبعضًا من قسوة الولاة وشطط الجباة..
لأننا ببساطة لا نخشى إلا الله..
نعمل رغم كل ذلك لأننا أيضًا ننفِّذ الأوامر..
ليست أوامر البشر..
إنما أوامر الإله)..