معايير الفوز والخسارة ليست هي معايير البشر ولا مقاييس الدنيا وإنما هي ما قرره الله تبارك وتعالى في كتبه السماوية وما أرسله على لسان أنبيائه؛ وذلك كله هو منهاج الأديان السماوية؛ ولننظر سريعًا إلى قصة أصحاب الأخدود، وفي سورة البروج، وكلنا يعرفها وكيف أن الفئة المؤمنة تعرَّضت للحريق في الدنيا في سبيل أن تنجو من حريق الآخرة الأبدي، فكانت لهم السعادة الأبدية والخلود في جنات النعيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11)﴾ (البروج)، حقًّا وصدقًا ذلك الفوز الكبير كما وعد ربُّ العزة وانظر إلى الفئة الباغية الطاغية ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)﴾ (البروج).. هذا هو المصير وسوء العاقبة والخسران المبين، وهذه هي آيات الله- عزَّ وجلَّ- في عباده إلى يوم القيامة.

 

ولنتدبر ما حدث من مهزلة الانتخابات الأخيرة، ولنتساءل مَن الذي فاز ومَن الذي خسر؟ وأُقدم أولاً بالفئة الفائزة التي تجرَّدت لله- عزَّ وجلَّ- ودخلت حلبة المسابقة وهي تنوي نصرة دين الله- عزَّ وجلَّ- تحت منهج الإسلام هو الحل لقضاء مصالح العباد، وليس بحثًا عن منافع شخصية ومطامع نفسية، لتحقق خير البلاد وتصلح الدنيا بالدين لا أن تفسد وتسلك سبل الشر والبغي دون ضوابط أخلاقية للوصول إلى كرسي البرلمان بأي وسيلةٍ مهما انحطت.
أما الفئة الفائزة الصالحة هي التي تخلَّقت بأخلاق الإسلام وبصفات المؤمنين في دعواتها للناس وفي وعودها ومواقفها ولم تسلك إلا الطريق الصحيح مهما كانت الفتن والابتلاءات، أما الفئة الخاسرة فهي التي بغت وطغت، واستخدمت مناصبها وقوتها في الوصول إلى مغانم ليست لها ولا من حقها واستخدمت الأكاذيب والشائعات والزور والبهتان لقمع لكل من خالفها ولم تنضبط بدين أو ضمير أو أخلاق واستحلت الرشوة والبلطجة والكيل بكل المكاييل.

 

إن هناك يومًا سوف يقف فيه الجميع عراةً حفاةً لا تنفع فيه المناصب ولا القوة ولا المال ولن ينفع أحدٌ أحدًا، وإنما العمل الصالح هو سبيل النجاة ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ (88)﴾ (الشعراء)، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾ (الفرقان)، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42)﴾ (إبراهيم).

 

الفائزون هم الذين تخلقوا بأخلاق الإسلام وبذلوا ما في وسعهم من مالٍ وجهدٍ وقتٍ للنهوض بالأمة وإزالة عثرتها والقيام من كبوتها، وأدركوا أن النتائج بيد الله تبارك وتعالى، وهو يُقدِّر الخير، ويغرس لهذا الدين بكلتا يديه، أما الخاسرون فهم الذين تآمروا وتحالفوا مع الشيطان لإقصاء المصلحين وباعوا دينهم لدنياهم، واشتروا مناصب زائلة بثمنٍ بخسٍ فكانت قافلة التزوير التي سار فيها الكثير لينالوا جزءًا من كعكة البرلمان ومحاولة إرضاء السلطان الذي أرسل الأوامر في كل مكان أنه لا مكانَ لأهل الإصلاح والإيمان، ولن يتكرر ما حدث في 2005م، فكانت المشاهد الحزينة التي رأيناها وعشناها في الأيام الأخيرة، والتي ودعنا فيها أمنا مصر إلى مثواها الأخير في مشهد جنازةٍ بكى فيها المصلحون وضحك فيها الخاسرون من أعوان الظالمين والمنافقين والجبارين وكل مَن ساعدهم وركن إليهم.. أولئك هم الخاسرون.

 

إخواني وأحبائي..

هنيئًا لكم إن كنتم في فريق الصالحين المصلحين الفائزين برضوان الله، وأوصيكم أن استمروا في طريقكم، ولقد خرجتم من هذه الجولة، وأنتم أشدُّ إيمانًا ويقينًا بدعوتكم ومنهجكم: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).

 

واستبشروا بأنه كلما علا الطغيان والبغي والعدوان على المؤمنين اقتربت نهاية الباطل، وكلما زاد التزوير والتنكيل بالمؤمنين لاح فجر التمكين وشمس التغيير ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227)، والله أكبر ولله الحمد.