محمود الجمل

لنتفق أولاً على أن الحزب الوطني مجرد تمثال كبير من الشظايا، عظيم الجثة، صغير الرأس، قليل الحيلة، حتى ولو أظهر أصحابه والقائمون عليه قدرًا من الذكاء المصطنع والنباهة الاستثنائية، وما تم مؤخرًا في مهزلة الترشيحات الجماعية على المقاعد الفردية الخاصة بانتخابات مجلس الشعب، كشفت عن أننا إزاء تنظيم محظور يخشى قادته والمنتفعون الحقيقيون منه من مجرد التفكير في إغضاب مرشحين هامشيين أو غير مؤثرين، كلهم- أو قل معظمهم- عرضة للسقوط المروع لو سارت العملية الانتخابية بعيدًا عن التدخلات الميتافيزيقية من قِبل قوى مجهولة ترى أن في استمرار الوضع الحالي من تزوير فادح في الانتخابات- كانت الشورى الماضية خير مثال لها- هو المناخ الأمثل للحصول على المزيد من المكاسب غير المشروعة، هذه المكاسب- لا يمكن إعداد كتالوجات محددة بها- هي على المشاع مكاسب لا يمكن تصورها، واحتكارات لا يمكن تحجيمها.
نحن أمام عصابة حقيقية، أو لنقل نحن أمام حكومة خفية تدير شئون أعضائها من خلف الستائر، ومن داخل أقبية موغلة في العتمة، حكومة يجيد أفرادها لعبة تحريك العرائس، وهم أيضًا بارعون في صناعة الوهم، حكومة تملك قدرات النصاب البارع الذي يسمعك رنين الذهب، فلا تملك إلا أن تخلع له ملابسك، فما يلبث أن يتركك في الفضاء- المريع- تصرخ من الكمد، ثم لا تسمع سوى صدى صراخك الجريح.
ما جرى في شأن ترشيحات الوطني الجماعية أمر غير مسبوق، يؤكد أننا إزاء تنظيم هلامي غير قادر على فرض اختياراته، تنظيم يخشى قادته- رغم قسوتهم- من غضب الأتباع، وإلا فما معنى أن أقدم على المقعد النيابي الواحد ثلاثة مرشحين أو أربعة، وأتركهم يتطاحنون ويمزقون بعضهم البعض، وكأن ثمة قرارًا بتركهم يتصارعون حتى الموت، كعبيد الرومان، بينما يجلس السيد في المدرج مستمتعًا بدماء الأتباع وهي تسيل، محتفظًا بالتاج للعبد الأقوى الذي نجح في قهر زملائه وسحلهم وسلخهم بعد ذبحهم، نحن أمام حالة سادية طاغية، حالة من حالات العقاب المعلن، عقاب لكل من أصر- من بين كوادر الوطني- على أنه الأجدر والأحق بالترشيح، فكان الحل هو فلتتركهم يأكلون بعضهم بعضًا، وفي الختام من ينجح سوف يأتي راضيًا، وسوف يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، ومن سنقوم بإنجاحه، "وطني" كان أو معارضًا، عليه أن يعلم جيدًا، أننا في أية لحظة نشك فيها في ولائه العميق، سوف نعيد التفتيش في صناديق الاقتراع لكي نكتشف أن نجاحه كان ملفقًا، ونحن عصبة، لا نقبل أن يكون بيننا مزور أو من زوّر له!.
ما جرى داخل الوطني، قبل وأثناء وبعد عمليات اختيار مرشحي الوطني للانتخابات النيابية القادمة؛ لم ينجح في تقوية البناء الداخلي للحزب وتحسين عافيته التنظيمية بل كانت كل الخطوات التي تمت- بحثًا عن وسيلة علمية تضع قواعد صارمة لاختيار الأفضل- سببًا في تمزيق الممزق- الحزب الوطني، تجمع أصحاب المصالح- وتفتيت المفتت، وكان الناتج النهائي إعلانًا مبدئيًّا عن ضعف التنظيم، وارتخاء قبضة الحزب وإعادة ضخ المقولة المتهافتة- كلهم أبنائي- وكأن الانتخابات القادمة، مجرد انتخابات داخلية، أو لعلها تمثيلية متفق عليها مع بعض الأحزاب التي ارتضت المشاركة في هذا الفيلم الهزلي، مقابل الحصول على بعض الأدوار الثانوية والهامشية، فيلم يجري إنتاجه، من أجل عرضه على جمهور من الأغبياء، عليهم أن يضحكوا وبهيستريا لأي "إفيه" بارد لا حياة فيه، كما عليهم أن يبكوا وبشجن تراجيدي مؤثر، عند مرور أي مشهد يوحي بالحزن.
إن إعادة ترتيب المشهد بهذه الصورة الفظة، وعمليات الحذف التي تتم لقوى اجتماعية مؤثرة، وضاربة بجذورها في الأعماق، تتم للأسف باستخدام- مناشير صدئة- تحدث صريرًا عاليًا مؤلمًا، فقط لمن يسمعون صوت المناشير؛ فما بالكم بمن يتم قطعهم؟.. إن القطط قادرة على الخمش والفئران يمكنها أن تنقل الطاعون، فما بالكم من أناس يرون أن الآخرين يصرون ليس فقط على سرقتهم، بل واغتصابهم، ثم إلقاء أجسادهم المجهدة في البرك الآسنة، إنها اللعنة!!.