![]() |
|
م. محمد كمال |
إذا كانت قيادة الإخوان تعلم أهداف خوض المعركة الانتخابية، وتوقعت خطط النظام السادي، ولم تصدمها النتائج، وعوَّدتها الأحداث على مواجهة الظلم والاستبداد برباطة جأش؛ فإن شباب الدعوة قد يخرج من معركة الانتخابات ببعض الانطباعات.
قد تكون هذه هي التجربة الأولى للآلاف من أبناء الدعوة، التي يرون فيها الوجه القبيح للظلم وتزييف إرادة الأمة.
قد تكون آمالٌ قد لاحت لشبابنا، في بعض اللحظات؛ أن النظام سيحتفظ بقدر من التعقل- ولو بسيطًا- فيترك "لبعض" القيادات الإخوانية فرصة المنافسة الشريفة بدون تزوير.
قد تكون مصادرة الجهود والملاحقات الوحشية قد شيدت جدارًا من الكراهية والمقت الكامل ضد المستبد، وساعد على ذلك الاعتقال وإسالة الدماء والاعتداء على الحرمات.
قد تغلي الدماء في عروق الشباب؛ بسبب التهجم الكاذب على قيادات الدعوة، وتشويه التاريخ، وخلط الأوراق.
بل قد تنفطر القلوب حزنًا على "الغد" الذي طمسوا ملامحه، و"الوطن" الذي هدموا أركانه، و"الإنسان" الذي مسخوا بنيانه.
قد يحدث لأبنائنا هذا، وأكثر من هذا، ومن أجل هذا كانت وقفتنا.
من جديد، ينبغي على صفنا أن يعلم أنه صاحب دعوة إصلاح، وأنه مهما كانت قدرات المستبد الغاصب فلن يحول بيننا وبين الوثوب إلى أهدافنا، أو الاستمرار في تحرير إرادة شعبنا قلبًا وعقلاً، روحًا وجسدًا، من الخنوع والخضوع، أو الاستسلام لقوة يتصورها قاهر، وما هي إلا لحظات الاحتضار، التي يخمش فيها النظام بأظافره وجه الشعب، وهو يتهاوى ليودع حياة لم يكن يستحقها، وليحتضن عارًا هو أهل له وسيظل سمة عليه إذا ذُكر!.
حين خرج الإخوان من سجون عبد الناصر، وبدءوا في إعادة بناء الجماعة، لم نسمع منهم كراهية لناصر، ولا محاولة لتغذية روح الثأر في قلوب الشباب الذين آمنوا بهم، عشرات السنين قضوها وراء القضبان، وتحت سياط التعذيب، بل وعلى أعواد المشانق، وخرجوا يمتلئون إيمانًا بدعوة الإسلام، وجماعة الإخوان، ودعونا فاستجبنا لهم، علمونا الحب فأحببناهم، وأحببنا بسببهم كل شيء؛ أحببنا الناس والوطن، أحببنا المخالفين والمعاندين.
من ينسى دعاء الأستاذ عمر التلمساني لعبد الناصر بالرحمة كلما ذكر اسمه، ولما انفعل أحد الشباب وقال له: تترحم عليه وقد فعل بالدعوة ما فعل؟.
هدَّأ "الأستاذ" روعه، فقال لنا: "يا أبنائي وهل تتصورون أن رحمة الله ثقب إبرة؟!، إنها تسع الجميع، وأسأل الله أن يعفو عنا وعن عبد الناصر وعن كل خاطئ من المسلمين".
ومَن مِن أبناء الإسكندرية ورشيد ينسى الضحكات المجلجلة للحاج عباس السيسي بعد كل تزوير في الانتخابات، ويعقِّب على ذلك ويقول: "هيه خلصنا الواجب اللي علينا في الانتخابات، تعالوا نشوف اللي بعده، وينفعل بعضنا: يا عم الحاج دول زوروها وخدوا حقنا، فيبتسم: "زوروها أيوه.. خدوا حقنا لأ"، نحن لا نتحرك لأنفسنا، وإذا غاب عنكم في يوم من الأيام أنكم تتحركون لأمتكم فستكون هذه هي خسارتنا، ويوم تسترد الأمة إرادتها نكون قد أخذنا حقنا؟!.
لقد حاول الكثيرون من جيلنا أن يقنعوا قيادات الدعوة بأن يكتبوا تاريخ السجون كما يفعل كل أصحاب هذه التجربة في العالم، ولم تنجح- إلا قليلاً- وكانت الإجابة دائمًا، "الأمل فيكم، أبدلنا الله خيرًا حين رأيناكم، لقد خفنا على ضياع الدعوة بسجننا؛ ولكن الله أذهب الآلام برؤية شباب غض، يبايع على دعوة كل قياداتها خرجت أمامهم من أشد المحن الإنسانية، أما ما حدث لنا فلا نريده أن يشغلكم، كما نريده ذخرًا لنا عند خالقنا".
سمعناها من كل المرشدين: ليس بيننا وبين أحد ثأر، وليس بقدرة أحد أن يحرفنا عن طريقنا مهما كانت ممارساته ضدنا.
في كتاب "الوفد والمستقبل" كتب يقول صاحبه: (أخشى ما أخشاه أن نترك أنفسنا أسرى لثأر له مبرراته القوية، ولا يتجاوز الفعل إلى إيجابية الاعتراف بالواقع والتوجه للمستقبل).. كان الرجل يلمح أن حزبه الوفدي مشغول بالثأر مما فعلته به الثورة من إقصاء وإسقاط، فتاه في زحام الماضي، ولم ينتبه إلى المستقبل، فأصبح وجوده بلا معنى، وعاش فيما وصفه المحللون "بالردة التاريخية".
وحين انشغلت جماعات اليسار- بكل أطيافها- بموقفها العدائي من السادات، ثم موقفها الاستجدائي من مبارك، حين انشغلت بهذا، لم تقم بواجبها في نشر مبادئ العدالة والمساواة التي ينادي بها اليسار في أنحاء العالم، بل دفنوا أنفسهم في تنظيمات سرية لدرجة أنهم كانوا يكتبون في جريدة (الأهالي) بأسماء مستعارة، ثم تفجرت التنظيمات وتشعبت الخلافات، وأصبح العداء الذي بينهم أشد من العداء الذي مع النظام، وزاد ذلك في بعدهم عن المجتمع، حتى إن أحدًا لا يكاد يعرف أسماء قياداتهم، فضلاً عن هبوط العضوية في حزب التجمع من 170 ألف عضو إلى أقل من عشرة آلاف.
أعلم أن مصر كلها قد تجرعت سمًّا زعافًا وهي تسمع (أحمد عز وصفوت الشريف وعلي الدين هلال)، وهم يتحدثون بما افتروه من أرقام، وزعموه من خطط، كيف أسقطوا الإخوان...!! وكيف قال الناس كلمتهم بحرية!.. وكيف حاز الحزب الوطني على ثقة "كل" أبناء الوطن!، وكيف وكيف...؟!.
إن لحظة العار التي كلَّل بها النظام هامته قد أضرمت نارًا في صفوف شباب الوطن، وامتدت النار إلى المدونات والـ(فيس بوك).
ومن هنا يأتي الدور الأكبر للصف الإخواني، الذي عليه أن يتفاعل بكل ما أُوتي من ثقافة ومنهجيَّه؛ ليدعو هؤلاء الشباب إلى الاصطفاف في مظلة مشروع وطني، يرتكز على هوية الأمة، ويحقق آمالها، بدلاً من ضياع الجهد في التصارع وصب اللعنات على النظام، الذي اعتاد مواجهة الهدير الصادق بالرد الكاذب.
لقد عاشت مصر لحظة انتكاسة- كتلك التي نعيشها- يوم ظهر عجز النظام الناصري في هزيمة 67، وغاب الوطن في براكين الغضب ومرارة اليأس، حتى ظهر الشباب المؤمن بجامعات مصر، ورفعوا راية الأمل في ربوع الجامعة، فاستطاع هؤلاء الشباب وقتها (أبو الفتوح والعريان والجزار والزعفراني وشحاتة وغزلان وغيرهم)، أن يقودوا الغضبة ويحولوها إلى صحوة إسلامية ليعيدوا لمصر وجهها الصبوح، وليسترد الشعب، بعض آماله الضائعة.
أعلم أن شباب الدعوة يعصمهم فهمهم الراقي من الانفلات، وأن لحظة الضيق لن تستفحل لتصبح صيحة ثأر، ولكن الذي أخشاه أن تنطوي القلوب على كراهية وغل يشغلنا عن مهامنا الكبرى.
إن طريقنا طويلة، لكنها وثيقة.
وأهدافنا كبيرة، لكنها واقعية.
وجراحنا عميقة، لكنها لا تثنينا.
وكما أن الصف الإخواني مطلوب منه أن يسعَ الغضبة الشبابية في حركة وطنية؛ فإن صف الإخوان منوط به أن يتحدث مع رموز الوطن، وأن يسعى لقيادات المعارضة ويمد يديه للمستقلين، معبرًا عن ضرورة التوحد على قاعدة رفعة الوطن ومقاومة الاستبداد.
والحمد لله؛ فإن مثقفي مصر وكتابها ومفكريها كانوا عند حسن الظن إذ قدَّروا جهود الإخوان في الانتخابات، ولم ينشغل من عارض موقفهم بالعتاب على النتائج، ولكن صوبوا أقلامهم ليسجلوا الكارثة التي حلت بالوطن جراء آثام النظام، وقاموا بدورهم في إسقاط أكاسرة الإعلام الكاذب وقياصرة الحكم الظالم.
لقد سقط المزيفون، وسقطت كل دعاواهم، وسقط مفكروهم وقياداتهم.
إنها لحظة نادرة في حياة الوطن، لحظةٌ توحَّد فيها الصالحون في مواجهة الفاسدين، لحظةٌ صاح فيها الصادقون في وجه الكاذبين،
لحظةٌ ينبغي أن تكون فارقة في حياة الوطن بوحدة المشروع، ونبذ الخلافات والاستعداد لمسئوليات المستقبل.
إنها لحظة "فرز" المجتمع إلى شرفاء منحازين للشعب وحقوقه ومبادئه، وفاسدين محتمين بالاستبداد ومدافعين عن مصالحه.
