يعلم الجميع أن مبدأ التزوير هو ركن أصيل في النظام السياسي المصري منذ عقود طويلة.. وتتواءم المعارضة مع هذه الحقيقة رغمًا عن أنفها.
فللحكومة في كل دورة ما يقرب من 350 مقعدًا أو يزيد.
تأخذهم بطريقتها.
والباقي يقبل الأخذ والعطاء.
وعلى هذا الأساس تدور وتُدار الانتخابات كل 5 سنوات، بمشاركة وإذعان الجميع؛ فما الجديد هذه المرة؟!
الجديد هو حالة التزوير الشامل الكامل على وجه لم يحدث منذ انتخابات 1979م التي تمت بعد توقيع اتفاقيات "كامب ديفيد" وحل مجلس 1976م.
تزوير في كل الدوائر، ضد كل الأطراف والقوى والشخصيات والأحزاب.
تزوير لم يستثنِ أحدًا.
تزوير يحصد 99% من مقاعد المجلس.
وهو ما يستدعي منَّا التوقف قليلاً لفهم الحكاية، ولماذا قرروا أن يفعلوها هكذا؟
******
في ذلك أتصور أنه يمكن تحديد أهدافهم ونواياهم هذه المرة فيما يلي:
1- ضمان ترشيح رئاسي مريح وآمن للرئيس مبارك فيما لو أمد الله في عمره.
- وضمان احتياطي لترشيح مريح وآمن للابن الوريث، فيما لو حدثت مفاجآت صحية للأب "الرئيس".
- وكذلك ضمان انتقال وتسليم هادئ للسلطة، فيما لو أصاب الرئيس أي سوء بعد التجديد له.
******
2- التخلص من بقية آثار المرحلة الماضية التي بدأت باحتلال العراق، وما سببه من تفجير طاقات غضب ورفض كبيرة، تزامنت مع الضغوط الأمريكية لإدارة بوش على النظام؛ لتقديم بعض التنازلات الديمقراطية الداخلية، كان على رأسها تخفيف حدة التزوير في انتخابات 2005م، ما أسفر مع عوامل أخرى عن:- سيطرة المعارضة على ما يقرب من ربع مقاعد البرلمان لأول مرة منذ زمن بعيد.
- وتنامي قوة وصعود وتأثير الإخوان المسلمين.
- وميلاد عدد من حركات التغيير الأكثر جرأةً في معارضة النظام.
- بالإضافة إلى ظهور حركات احتجاج شعبية مطلبية في الشارع لأول مرة.
- كما أسفر بشكل عام عن رواج غير مسبوق لخطاب معارض معادٍ للنظام في معظم الأروقة السياسية والإعلامية والثقافية.
- وكلها أمور لم يكن من الممكن أن يسمح بها النظام في الظروف العادية، وقد آن الأوان لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه طبقًا للأمر العسكري الشهير (كما كنت).
والفرصة الآن سانحة في ظل إدارة أوباما التي لا تضغط على النظام بما فيه الكفاية؛ بسبب التنسيق معه في قضايا أهم، وبسبب الخوف من نجاح التيار الإسلامي المعادي للغرب.
كما يتوجب إنجاز هذه المهمة قبل انتهاء مدة هذه الإدارة، وعودة المحافظين الجدد المحتملة بـ"رذالتهم" وضغوطهم وأوامرهم التي يجب أن تُطاع.
على أن تكون تصفية المعارضة من البرلمان هي مقدمة لحملات أخرى متوقعة لتصفية بقية آثار المرحلة الماضية في الساحات الإعلامية والسياسية والشعبية، ومطاردة فلول المعارضين.
وكل ذلك سيتطلب سياسةً جريئةً وقاسيةً وعنيفةً؛ بسبب الصعوبات المعتادة في إلغاء أي حقوق مكتسبة ومستقرة؛ فلا بد منذ البداية من ذبح بضعة قطط للمعارضة، وأول قطة هي طردها من البرلمان.
******
3- ومن أهداف التزوير أيضًا تخفيف حدة المعارضة تحت القبة؛ لتخفيف حجم الأعباء والجهود التي كانت تُبذل للتصدي لها.******
4- وفتح الباب لرجال الأعمال والنظام لاستعادة حريتهم الكاملة في تمرير ما يرغبون فيه من تشريعات وسياسات تخدم مصالحهم بدون تعقيب، ولا معقبين ولا ضوضاء سياسي أو إعلامي.******
5- ثم أنه استعراض مفيد للقوة أمام الخارج، يُظهر أن النظام في كامل لياقته، قادر على فرض سيطرته الكاملة على كل صغيرة وكبيرة في هذا البلد.
مع الادعاء بضآلة وضعف كل حركات وجماعات الإصلاح والتغيير التي ظهرت في الفترة الأخيرة بما فيها الإخوان، وأن لا حول لهم ولا قوة أمام جبروت النظام وقوته، وهو ما يحمل رسالةً ضمنيةً أو صريحةً للخارج؛ بأن يكف عن تقديم أي دعم للمعارضة أو الرهان على أي منها، وأن يدرك أن مصلحته الكاملة مع النظام الحالي ورجالاته.
******
6- بالإضافة إلى ذلك فإن التزوير الشامل يساعد النظام على توزيع أكبر عدد من المقاعد على رجاله وأنصاره الكثيرين، كهبات وإقطاعيات لضمان الولاء، وتبادل المصالح، والحفاظ على تماسك الحلف الحاكم والمسيطر، وربما أيضًا لتحصيل مقابل شراء المقاعد البرلمانية بأموال طائلة؛ وحيث إن عدد مقاعد المجلس محدودة، فإنه يجب عدم التفريط في أيٍّ منها لهذا المعارض أو ذاك، فهو هدر للإمكانيات المتاحة، وتنازل بلا مقابل.******
7- وبالإضافة إلى ذلك فإن إسقاط المعارضة له فوائد أمنية جمة، مثل تجريدها من الحصانات القانونية لمقار نوابها البرلمانيين، التي كان لها دور كبير في السنوات الخمس الماضية في تفعيل الحراك السياسي والشعبي.******
8- وأيضًا التمكن من القيام بحملة متوقعة من الثأر والـتأديب، لكل من تجرأ في الدورة البرلمانية السابقة في التصدي للحكومة والحزب ورجاله، حتى يتعظ الآخرون في المرات القادمة، حملات على وزن حملة أيمن نور بعد انتخابات الرئاسة أو الأحكام العسكرية لخيرت الشاطر وإخوانه.******
9- وأتصور أن أصحاب قرار التزوير الشامل الكامل لم يعبئوا بردود الفعل المتوقعة خارجيًّا وداخليًّا؛ لعدة أسباب: أولها أنهم يعلمون جيدًا الأجندة الحقيقية للأمريكان، ويعلمون دورهم فيها.. والثاني التقارير الأمنية التي تطمئنهم على أن كل الأمور تحت السيطرة.. والثالث هو أن الإصلاح السياسي هو قضية نُخبَوية إلى حد كبير، لا تهم معظم المواطنين الغارقين في همومهم المعيشية.. والرابع هو الجبروت المسيطر عليهم واستخفافهم بكل من عداهم.******
كان ما سبق هو حديث عن بعض أهداف النظام من التزوير الشامل الكامل للانتخابات الأخيرة.
والخطوة التالية الواجبة يجب أن تكون هي الحديث عما تنويه القوى الوطنية الشريفة في الأيام المقبلة.
-----------