ما حدث في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة 2010م كان متوقعًا، وتزوير هذه الانتخابات بدأ التخطيط له تحديدًا بعد الكارثة التي حلَّت بجماعة المنتفعين بالحزب الحاكم المسماة بالحزب الوطني، وذلك بعد ظهور نتائج المرحلة الأولى من انتخابات برلمان 2005م التي تعد أنزه مرحلة انتخابية جرت في عهد حسني مبارك، وكانت نتيجتها نجاح 60 عضوًا من الإخوان المسلمين والذين يشكلون حوالي 90% من مرشحيهم لهذه المرحلة وسقوط كل أعضاء الحزب الوطني بالكامل، ولم ينجح إلا المستقلون المنشقون عن الحزب الذين تم ضمهم بعد ذلك تسولاً من أجل الأغلبية المريحة (تعبير صفوت الشريف)، المهم حاول الحزب الوطني تدارك الفضيحة؛ فلجأ إلى التزوير الناعم في المرحلة الثانية التي نجح فيها 28 عضوًا من الإخوان أيضًا.. فلم يجد الحزب الفاشل إلا الطريقة المعهودة له في البلطجة والعنف والتدخل الخشن، رغم الإشراف القضائي، ولذلك لم ينجح أحد من الإخوان المسلمين في المرحلة الثالثة.. وهنا نفتح "قوسًا"، ونسأل الدكتور محمد كمال مسئول التثقيف، وصفوت الشريف غراب الحزب، وعلي الدين هلال منظِّر الفكر وفيلسوفه: إنكم تزعمون اليوم زورًا وبهتانًا أن الإخوان المسلمين لم ينجحوا في برلمان 2010م بعد نجاحهم في 2005م؛ لأنهم فقدوا شعبيتهم في الشارع بعد أن اكتشف الناس حقيقتهم!!؛ وحيث إنهم لم يؤدوا دورًا برلمانيًّا له قيمة.. يا سلام!!

 

ولو فرضنا جدلاً صدق دعواكم وهي أكذوبة، فمن منكم أيها الفلاسفة الأدعياء يفسر لنا المشهد الانتخابي في عام 2005م، وكيف انهارت شعبية الإخوان المسلمين من 90% مرحلة أولى، ثم 50% مرحلة ثانية، ثم صفر% بعدها بأيام ثلاثة، والإخوان المسلمون لم يدخلوا المجلس بعد، ولم يمارسوا أي دور تشريعي أو رقابي بعد.. يا عالم هل عندكم تفسير؟! لقد كان الدكتور أحمد نظيف صادقًا مع نفسه وهو يدلي بحديثه للإعلام الأمريكي حين قال: لو لم نتدخل في الوقت المناسب لفاز الإخوان بمقاعد أكثر من ذلك، ثم تبعه مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين في ندوة بتصريح أكد فيه أن الإخوان المسلمين كانوا سيفوزون بما لا يقل عن 120 مقعدًا من أصل 150 لولا تدخل الدولة.

 

إن تزوير مجلس الشعب 2010م بدأ التخطيط له مع التعديلات الدستورية، وأهم ما فيها إلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات الذي كان يحدُّ كثيرًا من التزوير الممنهج الذي تمارسه السلطة الغاشمة، خاصةً تسويد البطاقات لصالح الحزب.. كل ما كانت تستطيعه آلة التزوير من قبل محاصرة اللجان، ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم وأحيانًا في دوائر، خاصةً تبديل الصناديق (دائرة آمال عثمان وحازم أبو إسماعيل والتي بكت فيها للرئيس تلفونيًّا فأرسل لها مددًا من الصناديق سابقة التجهيز، وانتشرت في شوارع الدقي حينها جملة امسحي دموعك يا آمال).

 

والطريقة الثانية: وهي رصد الأصوات بآلة حاسبة خاصَّة تشبه كمبيوتر الداخلية (الفشار) أيام النبوي إسماعيل وهو يؤكد للسادات حضور 99% من الناخبين، وكلهم قالوا: نعم (ونموذج آخر.. حساب أبو لمعة كما حدث في دائرة دمنهور وزاوية غزال بين مصطفى الفقي وجمال حشمت، التي تم رصد الأصوات فيها بكلِّ دقة وحرفية، ثم عند إعلان النتيجة تم تبديل الأسماء يعني الأصوات التي حصدها جمال حشمت كانت للفقي وما حصَّله الفقي يكون لحشمت يعني (مفيش فرق أنا وإنت واحد يا أخي)، وهو ما جعل المستشارة النقية التقية النزيهة (نهى الزيني) تصدع بالحق وتدلي بشهادتها الجريئة التي نسأل الله أن تكون في موازين حسناتها، فقد كانت امرأة بألف رجل في زمن عزَّ فيه الرجال، تلك الشهادة التي استحدثت فيها مصطلحًا جديدًا بعد القضاء الجالس والقضاء الواقف (المحامين) فكان تعبيرها العبقري عن القضاء المنبطح.

 

معذرةً نفتح "قوسًا" آخر.. مضت انتخابات 2005م بحلوها ومرِّها، والآن الناس في برِّ مصر كلها تعرف من هي نهى الزيني، فمن منكم يعرف اسم القاضي رئيس لجنة الانتخابات الذي خضع للضغوط..؟ سجلات الرحمن لا تكذب يا إخواننا.. ولكي تكون لك بصمة في الحياة لا بدَّ من مجاهدة.. ممتاز القط تفرَّغ للنيل من نهى الزيني والتهوين من شأنها ورئيس تحرير (الجمهورية)- الذي لا أذكر اسمه- دبج المقالات في التشكيك في دوافعها النبيلة، ولكنهم في قرارة أنفسهم يحترمونها ويعلمون أن قلامة ظفرها الطائرة خير وأحب إلى الله من رقاب أصحاب الياقات البيضاء في لجنة السياسات، أو القابعين تحت القبة ينتظرون العطايا، ويلهبون أيديهم بالتصفيق، وهم يتلاحون موافقون.. موافقون.

 

لقد كان توفيق الله للإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب 2010م لا مزيد عليه، وهذا من بركة العمل الجماعي، والتزام الشورى والمؤسسية، فكانت المشاركة نصرًا مبينًا والانسحاب فوزًا ثمينًا.. لو لم يشارك الإخوان المسلمون لأجرى الحزب الوطني أنزه انتخابات، ولأحضر رقابة دولية ومحلية وفتح اللجان لوسائل الإعلام؛ حيث كان سيضمن أغلبية تتعدى الثلثين، ثم يوزع غنائم الثلث الباقي، ويورث مقاعد الإخوان المسلمين المستلبة للموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل الحزب من المعارضة الدوبلير (والتي تمثل دور البطل)، فكانت مشاركة الإخوان المسلمين التي أربكت النظام، فبالغ في التزوير والتقفيل؛ خوفًا ورهبًا، ثم بعد انتهاء الجولة الأولى بالفضيحة (برلمان بلا معارضة)، ثم انسحاب الإخوان والوفد بدأ التزوير العكسي للمعارضة ضد أعضاء الحزب الوطني، فما هم إلا سقط متاع أو بعض الأنطاع.. هل يصدق أحد أن الأمن كان يضغط على الإخوان المسلمين المنسحبين من الإعادة ترغيبًا وترهيبًا للمشاركة..!! شيء لو قلته لأحد من أسبوع لقال لي لقد فقدت عقلك.. 27 عضوًا التزموا قرار الجماعة ورفضوا المشاركة رغم الضغوط والترغيب والوعود.

 

هنيئًَا للحزب الوطني بمجلسه الغثِّ الخالي من الدسم، مجلس يتصدره الغول، وأحمد عز، وعبد الأحد جمال الدين، ويُمنَع منه مصطفى بكري، وحمدين صباحي، ومحسن راضي.. مجلس خالٍ من الدسم، منزوع الشرعية، ليس له قيمة سياسية ولا فوائد رقابية.. وأعتقد أن بقاءه حيًّا مرهون بوضعه في حضانة تشريعات المبتسرين أو حصانة الأعضاء المخالفين.