لم تكن الانتخابات الأخيرة هي الساحة الوحيدة لتغييب الأحكام القضائية أو تنفيذ سياسة انتقائية؛ لفرز ما يمكن إهداره أو الأخذ به من هذه الأحكام.

 

فالمشهد يتكرر بلا مواربة، بدايةً من رفض السلطة التنفيذية تنفيذ أحكام القضاء بإطلاق سراح المعتقلين أو عدم قانونية حبسهم من حيث المبدأ، كما حدث مع الأحكام القضائية الباتة التي حصل عليها المهندس خيرت الشاطر ومَن معه، ومرورًا بالرفض أو الرغبة في الالتفاف على الحكم بخروج الحرس الجامعي من ساحة الجامعات، ووصولاً إلى صدور 1200 حكم قضائي من بينها 300 حكم نهائي من المحكمة الإدارية العليا، ضد اللجنة العليا للانتخابات ووزارة الداخلية خلال الانتخابات الأخيرة، تمَّ إهدارها ولم يُنفَّذ منها سوى 15 حكمًا.

 

والمتابع يدرك أن هناك اتجاهًا خطيرًا للتعامل مع الأحكام القضائية باستخفاف ولا مبالاة حتى أصبح الانتقاء في تنفيذ الأحكام سمتًا رئيسًا للمرحلة، فإن صبَّت الأحكام في مصلحة الجهات التنفيذية- أفرادًا لا مؤسسات- تمت الاستجابة السريعة لها دون قيد أو شرط، وإن كانت الأخرى ضُرِبَ بهذه الأحكام التي تصدر عن الجهات نفسها عرض الحائط.

 

ويعود بنا هذا الواقع الخطير إلى حديث معجز للنبي صلى الله عليه وسلم في بقاء الأمم وانهيارها؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم "إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها".

 

والمطالع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أينما حلَّ أو ارتحل أو قلَّب صفحات سيرته وسنته مقاطعَ ثريةً من الرحمة والرفق والتسامح الذي وصل إلى حدِّ أن يقول لكفار قريش بعد أن مكَّنه الله منهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وللحد الذي يتسامح فيه مع أعرابي جبذ كتفه الشريف ثم يحسن إليه، بل ويأمر أصحابه أن يتلطَّفوا مع أعرابي بال في المسجد، ويقول لأصحابه لا تقطعوا على الرجل بولته، ثم يرشده إلى أن المساجد لا يفعل فيها مثل هذا.

 

على خلاف هذا المنهج نجد منطق الحديث الشريف في حالتنا هذه قاطعًا حاسمًا لا يقبل الحلول الأواسط في أمر تظهر خطورته على الأمة كلها، ويؤذن- وفقًا للإعجاز النبوي- بسقوط حضارات وأمم وقيام أخرى.

 

لقد كان حسم النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع ما من شأنه مخالفة القانون أو التفرقة والانتقاء في أحكام القضاء؛ لا يقبل النقاش، بل يؤكد- ويحذَّر من- خطورة هذه المخالفة على مستقبل الأمة؛ لندرك أن الهلاك هو مصير أي أمة يضيع فيها حكم القانون، ويستهان فيها بأحكام القضاء، فينفذ منه ما لا يضرُّ بالنخبة الحاكمة ويضرب بما سواها عرض الحائط.

 

إننا أمام حديث معجز في سياق بقاء الحضارات وانهيارها، وأمام محور مفصلي، يمكن أن يؤذن بميلاد أمة، ويمكن أن يؤدي إلى زوال أخرى؛ حتى إنه صلى الله عليه وسلم يزجر حِبَّه وابن حِبِّه أسامة بن زيد؛ الذي تصوَّر أن الشفاعة في تعطيل القانون أو تنفيذه بصيغة انتقائية يمكن أن تدخل في باب الرحمة والرفق، بل ويستدعي النبي صلى الله عليه وسلم الحديث عن أغلى ما يملك وأحب مَن أحب "فاطمة الزهراء" رضي الله عنها، حتى يوصد هذا الباب جملةً وتفصيلاً، ويستبعد أية مواربة أو مرونة مع السياسات الانتقائية في تنفيذ القانون وأحكام القضاء.