ما حدث في انتخابات مجلس الشعب 2010م يعتبر حدثًا غير مسبوق في الحياة النيابية المصرية، إذ تتداخل السلطات الثلاث للدولة في تشكيله، سواء رغمًا عن أنف أهم طرف في تكوين الدولة وهو الشعب أو تأييدًا له.

 

فالسلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الدولة والحكومة كان لها نصيب الأسد في هذا الحدث غير المسبوق سواء بإعلان الرئيس بدء الانتخابات وفتح باب الترشيح أو التصريح قبلها في مايو بخطابه في عيد العمال "بأنها ستكون انتخابات حرة ونزيهة، وسيكون الشعب هو الحَكَم وستكون كلمته هي الفيصل في صناديق الاقتراع"، وهذا يعتبر تأييدًا لحقِّ الشعب في انتخاب ممثليه بإرادتهم، وانتهاءً بتصريح الرئيس في 12 ديسمبر أنها كانت في مجموعها نزيهة، ومع صحيح القانون لكن شابها بعض السلوكيات كالبلطجة والرشى الانتخابية والعنف.

 

وبين التصريحين كانت السلطة التنفيذية ممثلة في الحكومة ومنها وزارة الداخلية وعلى رأسها جهاز أمن الدولة ومَن خلفهم الحزب الوطني بلجنة سياساته تعيث في الانتخابات فسادًا وتزويرًا وإقصاءً خلال مراحلها الثلاث، وكانت الأولى منذ فتح باب الترشيح حتى يوم الانتخاب 28 نوفمبر تضيق على مرشحي المعارضة في الإعلان عن أنفسهم سواء في الدعاية أو الملاحقة الأمنية أو فتح مقار انتخابية.. إلخ، ويوم الانتخاب كان المرحلة الثانية التي منعت فيها توكيلات المندوبين، وطرد مندوبي المعارضة، واستخدام البلطجة في حماية الأمن، وحشو الصناديق بالبطاقات المسودة سلفًا.. إلخ، وصولاً للمرحلة الثالثة وهي الفرز وإعلان النتيجة والتي شاركت السلطة القضائية فيها السلطة التنفيذية، ورغم المخالفات الجسيمة التي قررتها كثرة أحكام البطلان من القضاء الإداري والتي شابت المراحل الثلاث خرجت علينا اللجنة العليا للانتخابات بنتائج الجولة الأولى وكذلك الإعادة رغمًا عن الشعب المصري وقواه السياسية وضربت بأحكام البطلان عرض الحائط وكأن شيئًا لم يحدث!!.

 

أما السلطة القضائية والتي كانت ممثلة بشكل جزئي في العملية الانتخابية سواء من خلال اللجنة العليا وما يستتبعها من لجان على مستوى الدوائر، فيكفي ما صرحه لى شخصيًّا رئيس لجنة الفرز في دائرة بندر دمنهور بأن دوره مقصور بحدود خيمة الفرز أما خارجها فهو منوط بوزارة الداخلية، وهذا شأن اللجنة العليا للانتخابات، والدور الثاني كان في استصدار هذا الكم الهائل من أحكام البطلان وما أيدته المحكمة الإدارية العليا، وكذلك شكوى المستشار وليد الشافعي وغيره، وصولاً لمطالبة المجلس الأعلى للقضاء بعدم المشاركة في الانتخابات.

 

وتأتي السلطة التشريعية صاحبة "سيد قراره" لكي تُكْمِل انعقاد مجلس الشعب بهذا الزخم والاحتجاجات وألفي حكم بطلان رغمًا عن الشعب المصري بكل أطيافه، وتبدأ اليوم بحلف اليمين الدستوري!!

 

هنا يجب أن نقف ونحدد مستقبل البرلمان كسلطة تشريعية ممثلة عن الشعب ما بين سيناريوهات عدة منها:

 

عدم الالتفات لكلِّ ما سبق وعدم الاعتداد بالأحكام التي أصدرتها السلطة القضائية وفي هذا تتوافق السلطة التشريعية مع كل ما قامت به السلطة التنفيذية، وتمضى الأمور كأن شيئًا لم يحدث ولا تأبه لأي شرعية تُفْقَد منها سواء قانونية أو شعبية أو عالمية، وهذا له خطورته على مستقبل البرلمان بل مصر بأكملها، إذ ستتحول الدولة بسلطاتها الثلاث إلى سلطة ونص فقط بعد غياب السلطة التشريعية وتغييب نصف السلطة القضائية.

 

الثاني: يقوم رئيس السلطة التشريعية بتحويل الأحكام القضائية إلى اللجنة القانونية المختصة بمجلس الشعب وإصدار قرارها بالبطلان لعدد محدود ومقصود من الدوائر يعاد فيها الانتخابات؛ لمحاولة إكساب الشرعية للمجلس، وإسكات أي صوت معارض بعد ذلك.

 

الثالث: إصدار قرار رئاسي بحلِّ المجلس، وإعادة انتخابه وهذا أصعبهم، ويرتبط بقدرة القوى السياسية على توحيد صفهم تحت قيادة واحدة لهدف واحد ومصير واحد، وأن يساندهم الشعب في ذلك حتى قرار الحل.

 

أيًّا كان السيناريو المتوقع فاستمرار الضغوط الشعبية والقوى السياسية بجانب الدور الإعلامي طوال انعقاد المجلس قد تدفع للسيناريو الأفضل شعبيًّا، بل ويتوقع إصدار قرار رئاسي بعدد محدود من التعديلات الدستورية التي تناسب المرحلة القادمة أي انتخابات الرئاسة القادمة، هذا إذا استمر الحال السياسي المصري بلا أزمات داخلية مصطنعة أو أزمات إقليمية غير متوقعة قد يلجأ إليها النظام؛ لتبرير مواقفه اللاديمقراطية، ويُدخل مصر بأكملها في نفق مُظلم لا يعلم مخرجه إلا الله.

--------------

مرشح الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب 2010م.