د. إيهاب فؤاد

 

أيها العقلاء ألا تدعونا نكتة الانتخابات السخيفة إلى وقفة مع النفس، وإلى محاسبة للضمائر التي خلعت من ربقتها العهد، وأقسمت زورًا وبهتانًا أن تحتكم إلى القانون، وأن تحترم القضاء، وأن تدافع عن ثرى مصر حتى اللحظة الأخيرة؟ شعارات براقة، وكلمات معسولة، لكنها صورة حق أريد به باطل، صور ممسوخة، ومساحيق مزيفة تواري وراءها قبحًا تشمئز منه النفوس، تخبط هنا وهناك، رقصات كرقصات الطائر الذبيح، لا يرقص طربًا لكنه يرقص مذبوحًا من الألم، تخرج الأبواق لتقول زورًا إننا شهدنا أنزه انتخابات في تاريخ مصر، نعم لقد كانت نزيهةً عن النزاهة، وبعيدة عن الحرية، ومكبلة للشعب بالأغلال، وكانت مزيدًا من الإمعان في قهر الشعب المغلوب على أمره، أحسب أن لجنة السياسات لم تكن موفَّقةً في اكتساحها المزعوم، وفي إداراتها المشبوهة للعملية الانتخابية، لقد ورطت معها البرلمان، وأسقطت هيبته، وحامت شبهات البطلان بكل ما يتعلق به من إجراءات، وما يترتب عليها من قوانين، وأدخلت القيادة السياسية في "حيص بيص"، والذي لم يأخذه الدور بهذا التمثيلية يراها تتخبط في تصوراتها، وأوضاعها، إنها تخلع ثيابها، وتمزقها كالمهووس، وتتلبط كالممسوس، لا يدري ما يفعل، ولا يحسب حسابًا لما يقول، تصرخ من الألم، وتجري كاللص الطريد، وتضحك كالمجنون، وحولها فئات من المنتفعين على حساب شعبنا المكلوم، حيرة طاغية، وشرود كئيب، وتساؤل عجيب، هل انتهت اللعبة عند هذا الحد؟

 

هل سيفرح المزورون وهم يجلسون على أنقاض الحرية، ويمتطون صهوة الطغاة، ألا ينظرون إلى أنفسهم؟ ألا يحاسبونها؟، ظني أن الأمر أشد مما نتخيل، إنها آلام تؤرق النوم وتقض المضجع، إن القاتل يغيب عقله لحظة تنفيذ الجريمة، لكنه سرعان ما يؤنبه الضمير، ويذهب النوم من عينيه، إن الساكتين إذا بقوا على صمتهم وسلبيتهم التي هم عليها طلبًا للسلامة إنما يسيرون إلى زوال، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 38).

 

والمتبصر حالنا اليوم يدرك معنى قول ابن مسعود: يذهب الصالحون أسلاخًا، ويبقى أهل الريب من لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.

 

طريق الخلاص

الطريق واضح ووضوح الشمس في رابعة النهار، إنه طريق الأنبياء والصالحين، والسائرين على دربهم إلى يوم الدين قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: من الآية 36)، فهذه هي رسالة الأنبياء، إنقاذ الناس من براثن الطاغوت، وهذه رسالة الصالحين، ورسالة أصحاب الدعوات، إنها قضيتهم الكبرى، معًا لنصلح الدنيا بالدين، ولننقذ البشرية جمعاء، لا الوطن الضيق من براثن الاستبداد، ولعل أبلغ مقال ما قاله ربعي بن عامر عندما سأله رستم قائد الفرس: "ما الذي جاء بكم"، فقال: "ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

 

مهمة الأنبياء

إن أعظم ما يقدمه أصحاب الدعوات إلى أوطانهم أن يمتثلوا مهمة الأنبياء، فهم الورثة الحقيقيون للأنبياء، وأجدر بالوريث أن يقوم على وصية الوارث حق القيام، وأن ينفذها على أكمل وجه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44)﴾ (المؤمنون)، وفي الحديث "العلماء ورثة الأنبياء".

 

إن الدعاة أدوات تحركها يد القدر، وكل ما عليهم أن يأخذوا بالأسباب، وأن يتركوا أمر النتائج، فأمرها موكول إلى الله.

 

إننا أحوج ما نكون إلى بث روح الأمل في النفوس التي بذلت الوسع، واستفرغت الجهد، وتحملت النصب في سبيل خدمة أوطانهم، يتعبدون إلى الله بما يقدمونه، وكلٌ يقدم قدر ما في وسعه، وتحضرني هنا صورة الأخ الذي توفاه الله، وهو داخل إحدى لجان الانتخابات بمحافظة المنوفية، حسبه مات على ثغر من ثغور الإسلام، حسبه حسن الخاتمة التي اختارها الله تعالى له، وكلنا يسعى إلى هذا، رحم الله المهندس حسام حميدة، دخل في إغماءة، وهو على فراش الموت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، ثم أفاق من غيبوبته، وطلب من زوجته أن تنادي على أخ خصه بعينه، ثم قال له: إن رسول الله قال لي أقرأ إخوانك السلام، وقل لهم إنكم على الحق، ثم نطق بالشهادتين، وفاضت روحه على الله.

 

ويبقى أن نذكر بما قاله ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)﴾ (يونس).