في المذكرة المقدمة مني إلى مجلس القضاء الأعلى، سجلت أني تحاشيت أن أشير في المذكرتين السابقتين إلى قرار المجلس بتشكيله السابق الصادر بتاريخ 6/4/2010م رغم علمي السابق به، وناشدت زملائي أعضاء المجلس أن نحرص جميعًا على عدم الإشارة إلى هذا القرار المنعدم، ليس صونًا لسمعة القضاء؛ ولكن إشفاقًا على أمتنا الثكلى التي تفتقد من يروي ظمأها إلى أناس يتطهرون.. لأن الإشارة إلى هذا القرار قد تفتح الباب إلى حديث عن نوايا مبيتة.. وإصرار سابق.. يجر إلى الحديث عن مجلس القضاء.. ومدى استقلال القضاء ذاته في أداء رسالته وليس مجرد الإشراف على الانتخابات.

 

وبتاريخ 13/12/2010م طالعت بيانًا منسوبًا إلى السيد أمين عام المجلس يؤكد فيه صدور ذلك القرار من المجلس، وأنه لا صحة لما تردد نشره من أن ندب القضاة ورجال النيابة العامة في انتخابات مجلس الشعب تمَّ دون موافقة المجلس أو العرض عليه.. ومن ثم بات من الملائم أن أفصل بعض دوافعي إلى طلب تكتم أمر هذا القرار بالذات، رغم أن هناك الكثير من قرارات مجلسنا التي تقصر عن تحقيق آمال القضاة وطموحاتهم، مثل الموافقة على مشروعات قوانين لا تتلاءم مع استقلال القضاء، أو الموافقة على ندب رؤساء المحاكم الابتدائية والعاملين بوزارة العدل لمدد تخالف ما أعلنه المجلس من قواعد، أو السكوت عن المطالبة بتبعية التفتيش القضائي، أو وضع ضوابط للندب إلى المحاكم الاقتصادية، أو المطالبة بالتسوية في المعاملة المالية بين القضاة، وكل ذلك أمور أتفهم وغيري أسبابها، حتى لو لم نقبلها؛ لكن الدرجة التي وصل إليها القرار سالف الذكر يستحيل تحملها، وذلك أن رفع الحرج بسبب الظروف لا يمكن أن يصل إلى حد السماح بهذا الأمر.

 

يقول قرار مجلس القضاء الصادر يوم الثلاثاء 6/4/2010م أنه (بناء على طلب السيد المستشار مساعد وزير العدل لشئون التفتيش القضائي قد وافق على ندب السادة القضاة الرؤساء والنواب والقضاة بمحاكم الاستئناف، وكذلك الرؤساء والقضاة بالمحاكم الابتدائية، وكذلك أعضاء النيابة العامة) أي كل رجال القضاء- عدا أعضاء محكمة النقض.

 

أما المهمة كما جاء بنص القرار فهي (رئاسة وعضوية لجان فحص الطلبات والاعتراضات) وهي لجان يصدر بتشكيلها قرار من وزير الداخلية.. وتنعقد في مديرية الأمن.. مهمتها فحص طلبات الترشيح سواء في مجلس الشعب أو الشورى الأولى، برئاسة رئيس محكمة، وعضوية قاضٍ وممثل عن الداخلية، أما لجنة الاعتراضات فمثلها وبرئاسة مستشار، ويستمر قرار المجلس فيقول: اللجان العامة المشرفة على التجديد النصفي لعضوية مجلس الشورى وعلى انتخابات وعضوية مجلس الشعب، المقرر إجراؤها عام 2010م، والانتخابات التكميلية لعضوية هذين المجلسين الذي قد تُجرى في دوائر أخرى مستقبلاً!!.

 

أول ما يلفت النظر في هذا القرار أن الطالب هو السيد مساعد وزير العدل لشئون التفتيش القضائي!! فما صفته لأن يسوق هذا الطلب؟.. ابتداءً لا يستطيع سيادته أن يطلب من مجلس القضاء الأعلى ندب زميل ليكون مفتشًا قضائيًّا، بل جرى العمل على أن يعرض الأمر على وزير العدل.. وهو الذي يقدِّم طلب الندب إلى المجلس.. كان من المفروض أن يطلب وزير الداخلية ندب قضاة لعضوية لجان فحص الطلبات ولجان الاعتراضات التي يصدر سيادته قرارًا بتشكيلها، والتي تنعقد في مديريات الأمن.. مبينًا عدد هذه اللجان، فهي قد تتعدد في المديرية الواحدة... وكذلك كان من الواجب أن يطلب ندب القضاة لرئاسة وعضوية اللجان العامة المشرفة على الانتخابات السيد رئيس هذه اللجنة، وهو عضو المجلس ذاته.. وكل ذلك جرت عليه سوابق المجلس.. فلماذا حل السيد مساعد وزير العدل للتفتيش القضائي محلهما؟!

 

أحسب أنه ما كان لوزير الداخلية.. أو رئيس اللجنة العليا للانتخابات أن يطلب ندب قضاة إلا في حدود ما يلزم لإجراء انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى، والذي تبلغ عدد دوائره 42 دائرة، ولكن قصد عمدًا أن يحمل هذا الطلب بأمور أخرى لا يسوغ طلبها.. وهي انتخابات مجلس الشعب، المقرر إجراؤها سنة 2010م، بل وأكثر من ذلك أية انتخابات تكميلية لعضوية هذين المجلسين قد تُجرى في دوائر أخرى مستقبلاً.. فالمطلوب ليس مصادرة اختصاصات المجلس الحالي فقط.. بل أيضًا المجالس المستقبلة.

 

فإذا تجاوزنا شخصية الطالب، فلا بد أن نقف عند حقيقة المطلوب، فالندب هو اختيار شخص محدد باسمه لشغل وظيفة محددة بذاتها.. ولقد سبق لنا أن شرحنا ذلك في المذكرة الأولى المقدمة إلى مجلس القضاء الأعلى.. وبيَّنا الحالات التي يترك فيها الاختيار لمجلس القضاء الأعلى، وتلك التي يجوز فيها للجهة طالبة الندب أن تحدد شخصية القاضي المنتدب.. ولكن في جميع الأحوال لا بد أن يصدر القرار بالموافقة على شخص محدد بالاسم، بعد أخذ رأي الجمعية التي يتبعها، وأن يحدد بدقة العمل المسند إليه، وذلك بصريح نص القانون وطبقًا للسوابق، أما طلب ندب القضاة كافة، لكي تغترف إحدى الجهات عددًا منهم، فتسند لمن تشاء العمل الذي تريد وفقًا لتقديرها هي وحدها؛ فهذا في حقيقته ليس طلبًا بالموافقة على ندب قاضٍ، وإنما طلب بأن يتخلى المجلس عن دوره في ضمان استقلال القضاء، ومن اللافت للنظر أن المجلس بتشكيله السابق لم يقف عند حد التخلي عن اختصاصه في شأن انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى، بل تعدى ذلك إلى التخلي عن اختصاص المجلس الحالي في شأن انتخابات مجلس الشعب التي حل ميعادها بعد انتهاء ولايته، بل أكثر من ذلك تخلى عن اختصاصات مجالس القضاء التالية بشأن أية انتخابات تكميلية.

 

وأظن أن هذا القرار قد غل يد اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات عن مباشرة اختصاصها في اقتراح اختيار الزملاء الذين ترى أن تختارهم لرئاسة وعضوية اللجان العامة المشرفة على الانتخابات طبقًا لقواعد وضوابط كانت قد أعلنتها، تمهيدًا للعرض على المجلس، فقد احتج عليها بأن أعضاء هذه اللجان قد سبق الموافقة على ندبهم بهذا القرار المعيب.

 

وبعد.. فرغم أني ما زلت عند رأيي أن ننأى بالقضاء ورجاله أن يكون له صلة بالانتخابات التي تُجرى في مصر، ليس فقط الإشراف عليها.. بل حتى الفصل في منازعاتها؛ سواء أكانت الطعون على إجراءات الترشيح التي يختص بها مجلس الدولة، أو كانت الفصل في الطعون الانتخابية التي تختص بها محكمة النقض؛ لأن كل ذلك لا يُنفذ؛ إلا أنني أرى من واجب مجلسنا الحالي.. أن يعرض لهذا القرار المعيب ليبطل أثره حتى بالنسبة للانتخابات التكميلية المتوقعة بين يوم وآخر.. ولا بد من وضع ضوابط محددة تتفق ونصوص القانون وتقاليد هذا المجلس بالنسبة لأية انتخابات قادمة، إلى أن يتم إعفاؤنا منها، فلن يسلم عمل هذه اللجان من شبهة البطلان إلا إذا وافق المجلس على تشكيل كل لجنة على حدة، أسوة بمئات اللجان التي يُعرض على المجلس الموافقة على ندب القضاة لرئاستها وعضويتها.

----------

* عضو المجلس الأعلى للقضاء ونائب رئيس محكمة النقض