تباينت مواقف وظهرت دلائل، لكن في النهاية يجب أن يبقى حسن الظن بلا تخوين ولا تشويه لأي طرفٍ من المختلفين في رؤيتهم وقراءتهم لمستجدات الأحداث وتطوراتها.

 

فالمجلس العسكري يجب أن نحسن به الظن على ما نراه من تأخُّر في إجراءات الديمقراطية، ويجب النصح له بثقل مهمة تولي حكم مصر من قبل مؤسسة قضت حياتها في العسكرية والجندية، ولا خبرة لها في التجاوب مع التطورات السياسية، فليس بمغنم أن يُضَيِّع الصورة المشرقة التي قدَّمها بحماية مطالب الثورة وتحمل تلك الأمانة، ثم بعد ذلك يضيع كل ذلك بقرارات خاطئة لم تكن على مستوى الحدث والمرحلة الخطيرة التي تمر بها البلاد.

 

وأهل التحرير لا نختلف معهم في مطالبهم بل نؤيدها؛ لكنهم أمام سلاح ذي حدين، ولا يعبرون في الحقيقة عن مطالب كل أطياف الشعب، وإن كانوا يخافون من حكم العسكر واستمراره؛ فهم في نفس الوقت يستبدون برأيهم دون المجموع بفرض سلطتهم ووصايتهم على الشعب، بل يريدون أن ينشئوا حكومة من بينهم، تعسفًا وجورًا دون التوافق عليها بل بالإكراه، فهل هذا مقتضى العدالة والحرية اللتين قامت من أجلهما الثورة؟ وهب أن أناسًا آخرين قاموا في ميدان آخر وكانوا من البلطجية؛ ففرضوا علينا حكومةً من عندهم فهل ستقبلونها؟ وأما المبالغة والتشبث باعتصامهم يظهر للعيان أنهم أحسوا أن التيار الإسلامي الذي يتزعم مشهده حزب الحرية والعدالة هو الأقرب من الحصول على الأغلبية فيه، وإلا فلماذا هذا التوقيت بالذات، ولماذا المطالبة بتأجيل الانتخابات؟ والجميع يستغل هذا الموقف؛ فنجد حشود الأقباط أكبر المتصدرين للوقوف في الميدان، والمنافسين للإخوان في الانتخابات النقابية؟!!

 

وأما الإخوان فيحسب لهم أن فطنوا للمؤامرة التي تُحاك بهم، رغم حملات التشويه والتخوين والتلويح بصفقاتٍ مع المجلس العسكري لكسب مواقف سياسية، لكنهم فصيل وليس الشعب، ومن حقهم مثل غيرهم أن يعبروا عما يريدون، ووجب على الغير أن يحترم وجهة النظر هذه؛ حتى وإن خالفهم في الرأي، وقد ظن البعض بتلك الحملات أنها ستنقص من رصيدهم بين جموع المصريين، لكنها أثبتت غير ذلك، فرأينا في وسط الأزمة اكتساحهم انتخابات النقابات في المحامين والمهندسين، فضلاً عن انتصاراتهم في المغرب يوم الجمعة الماضي بحزبهم العدالة والتنمية الذي فاز بالأغلبية هناك، لكن وجب على الإخوان المزيد من التلاحم مع أطياف الشعب المصري؛ لخدمة المصلحة العامة للوطن، وإثبات خطأ ما يثار حولهم من شبهات عن خيانتهم للثورة بالعمل وليس بالأقوال.

 

وأما الشرطة فما زال حولها علامات استفهام فمن أين تتلقى تكليفاتها من داخلها أم من المجلس العسكري؟ الكل في مصر يؤمن بأمرين مهمين:

 

أولاهما حتمية نزول الشرطة للشارع لحماية المصريين من أعمال البلطجة.

 

وثانيهما تخاذل الشرطة عن القيام بواجباتها قبل الثورة وبعدها.

 

فآمل أن يدركوا أنهم ليسوا عدوًا للمصريين، بل هم إخواننا وأبناؤنا وأصدقاؤنا، هم منا ونحن منهم، ولا يمكن أن يتم الأمن لنا إلا بهم، وإنها أمانة في أعناقهم ما داموا قبلوا أن يحملوها أمام الله.

 

وأما الغرب فهو دخيل في هذه القضية بتوجيه من لهم مصالح مشتركة معه، في تحقيق منفعة متبادلة من الطرفين؛ فالغرب والذي يتصدر مشهده أمريكا، يرى أن إبعاد الإسلاميين هو الضمان لاستمرار هيمنتها على الشرق الأوسط؛ وخصوصًا مصر، وأما من يتعاون معه من بني جلدتنا يشاركه في هذا الهدف لكن من وجهة نظره، وهو السيطرة بمقاليد الحكم في مصر، وإبعاد القوى ذات التشابك والتأثير في المصريين ألا وهي القوى الإسلامية، فلا نملك إلا ننصحهم أنهم بتلك الصفة يؤثرون مصلحتهم على حساب بلادهم واستقرارها.

 

صندوق الانتخاب هو الذي سيقيم الحرية في مصر، حتى لو اختار المخلوع بنزاهة وشفافية، فليس أمام المصريين إلا قبول خياره؛ لأنه الوحيد هو الذي يملك إرضاء الجميع، وتحقيق الحرية المنشودة، فما لنا نسعى إلى تشويه الحرية التي دفع ثمنها أناس أبرياء بدمائهم وأرواحهم.