أيًّا ما كانت نتيجة الجولة الأولى لانتخابات مجلس الشعب التي انتهت الثلاثاء 29 نوفمبر، فإن الرابح الأكبر من هذه الانتخابات هو الثورة المصرية، التي قفزت قفزةً كبرى على طريق انتقال السلطة من حكم عسكري جثم على أنفاسنا لمدة ستين عامًا إلى حكم مدني حقيقي ينتج عن إرادة الشعب و"يحسب ألف حساب" للأصابع الزرقاء التي عرفت طريقها إلى الصندوق والحبر الفوسفوري.
ما حدث يومي الإثنين والثلاثاء هو بحق عبور ديمقراطي بمصر من أزمتها التي جعلت الكثيرين يتصوَّرون أننا على شفا حرب أهلية لن تقوم لمصر بعدها قائمة، وكانت الصورة أكثر تشوشًا لدى إخواننا العرب والمسلمين خارج الحدود؛ الذين أبدوا قلقًا كبيرًا على أرض الكنانة، وشاهدنا صلوات ودعاء المسلمين وبكاءهم في الحرم هلعًا على مصر.
الوصول إلى يوم الانتخاب بحد ذاته كان مكسبًا كبيرًا، فقد بذلت أطراف عديدة جهودًا مضنيةً لمنع الوصول إلى هذا اليوم، استغلت هذه الأطراف كل إمكانياتها المادية والإعلامية، وعلاقاتها الخارجية لتحقيق ذلك الهدف، لكن رد الشعب عليها كان قاسيًا، لقد ظلت تلك الجهود مستمرة حتى ليلة الانتخابات؛ حيث خرجت بعض الأحزاب ومعظمها لها مرشحون في الانتخابات ببيان تطلب فيه تأجيل الانتخابات، ولما فشلت في مسعاها حاولت تأجيل دائرة واحدة، هي دائرة قصر النيل، التي يتوسطها ميدان التحرير ووزارة الداخلية، وكانت الحجة أن لجان هذه الدائرة غير آمنة، وأنها محاصرة برجال الشرطة من ناحية، وبالمعتصمين من ناحية ثانية، ولكن أهل الدائرة أبوا إلا أن يكونوا جزءًا من السياق الشعبي العام، فذهبوا إلى اللجان واصطفوا طوابير كغيرهم أمامها.
طوابير الناخبين التي اصطفَّت أمام اللجان في منظر فاق طوابير الاستفتاء الدستوري في 19 مارس، خلقت شرعية جديدة هي شرعية الطوابير، وشرعية الشوارع والحارات والأزقة والقرى والنجوع؛ التي انتفضت من سباتها العميق لتشارك في صوغ مستقبلها، هذه الشرعية التطور الطبيعي لشرعية ميدان التحرير في نسخته الشعبية التوافقية، وليس في نسخته الانشطارية، وبالتالي لم يعد من حق أي أقلية سياسية- مهما علا صوتها، ومهما تعاظمت إمكانياتها المادية والإعلامية، ومهما تشعبت علاقاتها الخارجية- أن تفرض وصايتها على الشعب، وأن تحتكر الحديث باسم الثورة ومطالبها.
بعض القوى الليبرالية واليسارية التي حاولت إجهاض الانتخابات، هي أمام اختبار حقيقي للديمقراطية، ولإثبات إيمانها بالمبادئ والقواعد الديمقراطية، فهذه الانتخابات ليست نهاية العالم، وسيتبعها انتخابات كثيرة في السنوات المقبلة، وإذا كانت هذه القوى لم تستطع أن تصل إلى الشارع بالشكل المؤمَّل هذه المرة، فإن الفرصة لا تزال سانحةً أمامها في مرات مقبلة، شريطة أن تصدق مع نفسها ومع الشعب، عبر احترامها لخيار الشعب، أيًّا كان هذا الخيار، وعليها أن تظل في حضن شعبها، لا أن ترتمي في أحضان قوى غربية لإنقاذها كما فعل نجيب ساويرس في حديثه للتليفزيون الكندي قبل أسبوعين، بمطالبته للغرب بالتدخل لدعم الليبراليين في مواجهة الإسلاميين.
لقد بادرت بعض العواصم الكبرى، مثل واشنطن وبروكسيل (مقر الاتحاد الأوروبي)، بالترحيب بالانتخابات، بل إنها طالبت قبل أسبوع بإتمام العملية الانتخابية في موعدها، وأبدت هذه العواصم تفهمًا لاحتمالات فوز الإسلاميين، وهذه القوى تعمل وفقًا لمصالحها وليس لما تطلبه منها أطراف داخلية ضعيفة غير قادرة على حماية تلك المصالح، وعلى النقيض من هذه المواقف جاء الموقف الصهيوني المرتعب من نتيجة الانتخابات حسب تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان السابق ورئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست شاؤول موفاز، والتي دعت إلى الاستعداد لاحتمالات نشوب حرب بين مصر والكيان الصهيوني حال فوز الإخوان، وهي تصريحات- في تقديري- موجهة للداخل المصري أكثر من الداخل الصهيوني، ذلك أن الجيش الصهيوني هو بالفعل في حالة استعداد دائم، بل هو في حروب مستمرة لم تنقطع، وبالتالي فإن الرسالة كانت موجهة للشعب المصري لتخويفه من فوز الإسلاميين، وهي رسالة تعتمد على مخاوف حاولت بعض القوى الداخلية بثها في نفوس المصريين لتوظيفها لصالح قوائمها الانتخابية.
ستفرز الانتخابات حتمًا خارطةً سياسيةً جديدةً لمصر تعبر عن توجهات شعبها وهو ما بدا ظاهرًا في النتائج الأولية، وستمكننا هذه الانتخابات من معرفة الأوزان النسبية لكل حزب ولكل تيار؛ حتى لا يدَّعي أحد حق تمثيل الشعب دون سند من الواقع، وحتى يمكن تشكيل تحالفات في المستقبل على أسس واضحة وعلى أوزان حقيقية لكل طرف، وكم سيسعد المصريون لو أن الانتخابات أفرزت مجلسًا متوازنًا، يمثل كل القوى السياسية والحزبية؛ لأن ذلك سيكون هو الأفضل للتطور الديمقراطي، وللوصول إلى أفضل البدائل والحلول لمشكلات السياسة والاقتصاد، وكل المشاكل الحياتية التي يواجهها المصريون، فالمسئولية ثقيلة وتحتاج إلى تضافر جهود عديدة لحملها.
يجرُّنا هذا الأمر إلى حق الأغلبية البرلمانية المقبلة في تشكيل الحكومة الجيدة، وذلك بعد تصريحات اللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشئون القانونية، والتي أكد فيها أن الحزب الفائز بالأغلبية لن يشكِّل الحكومة الجديدة؛ لأن الإعلان الدستوري لم يتضمن ذلك، وهذا يعني أن المجلس العسكري سيكلِّف من يشاء بتشكيل الحكومة، وفي أغلب الظن أن هذه التصريحات هي رسالة طمأنة للقوى الخائفة من فوز الإسلاميين، سواء في الداخل أو الخارج، لكن هذا الأمر وإن وجد سندًا دستوريًّا إلا أنه سيصطدم بالواقع السياسي، فمجلس الشعب يمتلك حقَّ مساءلة الحكومة، وحجب الثقة عنها، وعرقلة أعمالها، ومن هنا فإن الحكومة الجديدة لا بد أن تكون من بين الأغلبية بشكل مباشر أو على الأقل برضا الأغلبية.