اخترت قائمة الحرية والعدالة عن طمأنينة وضمير مرتاح؛ وذلك لأسباب ذكرتها في مقال سابق نشرته في هذا المكان بعنوان: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) بيَّنتُ فيه أنها القائمة الأنسب للمرحلة الحالية.

 

أقول: الأنسب للمرحلة الحالية التي تمر بها مصر، وأحمد الله الكبير المتعالي أنني لم يصدر من لساني كلمة قدح في غيرهم ممن يرفعون راية المشروع الإسلامي؛ بل استعملت عبارة "الأنسب"، وهي كما يفهم كل عارف باللغة أفعل تفضيل، وتعني اشتراك أكثر من فريقٍ في صفة، وإن كان تحققها في أحدهم أكثر من تحققها في غيره، مع الإقرار بأن الكل مشترك فيها، كما لو قلت: إن فلان أكرم من فلان، فلا يصح أن يقال عنك حينئذ: إنك اتهمت الأخير بالبخل؛ لأن كلمة "أكرم" تعني اشتراك الرجلين في صفة الكرم، وإن كانت نسبتها في الأول أعلى منها في الثاني.

 

وقد قال لي بعض إخواننا في الله تعالى: نحن لم نختر مثل ما اخترت، بل رأينا أن الأنسب هو حزب كذا وحزب كذا. فقلت: هل يمكن أن تتحفوني بأسباب عدم اقتناعكم بهذا الاختيار الذي رأيته؛ لعلي أطلع منكم على ما ليس لي به علم، ولا مانع لدي من الإعلان عن صواب اختياركم، والإقرار بأنني لم أصب الصواب في اختيار قائمة الحرية والعدالة، على أساس أن المسألة اجتهادية، وليس فيها نص قطعي الدلالة على وجوب اختيار معين، ويقيني كطالب علم أزهري أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ولأن أكون ذَنَبًا- يعني تابعًا- في الحق خير من أكون رأسًا في الباطل.

 

قالوا: عندنا جملة أسباب، وهي:

 

(أ) هذا الحزب لن يطبق الشريعة الإسلامية، ونحن شعب مسلم نتطلع إلى الشريعة ولذلك! فنحن أيدنا مَن سيعمل على تطبيقها.

 

(2) أن هذا الحزب يتغيا الوصول إلى السلطة بأي طريق، ومتى وصل لها سيكون نسخة كربونية من الحزب الوطني.

 

(3) أن أتباع هذا الحزب، والإخوان بصفة عامة عندهم خلل في التزامهم بأحكام الإسلام، ومن أظهر الأمثلة على ذلك: أنهم يرشحون على قائمتهم بعض النصارى.

 

قلت: أرجو أن نستحضر أننا بين يدي الله موقوفون وعن كلامنا مسئولون، فإما إلى الجنة دار الرضوان، وإما إلى نار نعوذ بالله من حرها، وحتى يزول الخلاف بيني وبينكم باعتبار أن مبتغانا هو الوصول إلى الحق، فأحسب أنكم في حاجةٍ إلى بعض البيان؛ الذي يميط اللثام عما رأيتم أنه أسباب قادحة في قائمة حزب الحرية والعدالة، والله يرضى عنا أجمعين.

 

أولاً: ما مستندكم الذي ستجيبون به على الله حينما يسألكم عن القول بأن حزب الإخوان المسلمين لن يسعى إلى تطبيق الشريعة؟ أخشى ما أخشاه أن تقولوا: هكذا قال لنا فلان، أو هذا ما سمعناه من فلان المرشح على قائمة الحزب الفلاني، وأنا أسألكم: ألم تتفكروا لحظة في صحة هذه الكلمة ومدى صدقها؟ لماذا نشأت جماعة الإخوان أصلاً منذ ثمانين عامًا؟ أليس من أجل تطبيق الشريعة؟

ولماذا تعرَّض أتباعها طوال هذه المدة للسجن والاعتقال؛ حتى كان الواحد منهم يجهز حقيبة المعتقل كل ليلة قبل النوم؟ أليس من أجل تطبيق الشريعة؟

كان ذلك يحدث لهم في الوقت الذي كان غيرهم- من أمثالي- ينام بين أهله وأولاده، وأقصى ما يمكن حصوله لغيرهم من العاملين في الدعوة- من أمثالي- إلغاء محاضرة كان سيلقيها، أو تعطيل الاستمرار في بناء مسجد كان يسعى إلى جمع المال لاستكماله، أو مصادرة كتاب كان قد ألفه، ولو حدث واعتقل غيرهم، فما أسرع إطلاق سراحه، وما هي إلا أيام معدودة يقضيها في المعتقل؛ حتى يتأكد أمن الدولة فيها أنه ليس منتميًا للإخوان، فإن استوثق الأمن من هذا فما أسرع الإفراج عنه في الوقت الذي يستمر فيه الإخوان سنوات خلف الأسوار؟!.

 

ولماذا كانت تصادر أموال الإخوان طوال هذه المدة؟ أليس من أجل تطبيق الشريعة؟ ولماذا أعدم الشيخ سيد قطب والشيخ محمد فرغلي والشيخ عبد الفتاح إسماعيل وغيرهم؟ أليس من أجل تطبيق الشريعة؟ لماذا تحملوا وصفهم المستمر في وسائل الإعلام المضللة بأنهم إخوان الشياطين؟ وأنهم يتلقون الدعم من الدول الخارجية؟ وأنهم الفئة الضالة؟ أليس ذلك من أجل تطبيق الشريعة؟

كان الإخوان يحدث لهم ذلك، في الوقت الذي كان أقصى ما يقال عن غيرهم- من أمثالي-: إنهم متشددون في فروع الدين لا سيما الظاهر منها. ولماذا طورد رجالهم، ومنع الكثيرون منهم من دخول البلاد؟ أليس ذلك من أجل تطبيق الشريعة؟ ولماذا حوكموا المرة بعد المرة أمام المحاكم العسكرية، وصدرت عليهم أحكام جائرة ظالمة؟

حدث هذا للإخوان في الوقت الذي لم يحدث مثله ولا نصفه ولا ثمنه لغيرهم من أمثالي، والحمد لله على العافية، لكنني أريد الإنصاف فقط: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: من الآية 8) أليس ذلك من أجل تطبيق الشريعة؟

هل يمكن أن نتخيل أنهم تحملوا كل هذا العنت بسبب الحرص على المنصب والمال؟ لقد قيل للشيخ سيد قطب: قل كلمة تأييد للرئيس عبد الناصر، وتنجو من حبل المشنقة، بل تخرج من السجن وزيرًا، فقال: إن الأصابع التي تشهد بالتوحيد لا تسبح بحمد أحد سوى الله، ومثل هذه التضحيات كثيرة في تاريخ الإخوان.

 

أخواني الأحباب!! كيف صدقتم أن للإخوان المسلمين قضية غير تطبيق الشريعة؟ وكيف ساغ لكم أن تتخيلوا شيئًا لم يقل به أحد في الشرق والغرب؟ ألم تسمعوا مرةً في وسائل الإعلام هذا التخويف المستمر من الإخوان، ومن التخوف من فرضهم الالتزام بالدين على المصريين إذا وصلوا للبرلمان؟ فإذا كانت للإخوان قضية أخرى غير قضية الشريعة وتحكيمها في واقع الحياة فلماذا التخوف منهم أصلاً؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم على حال أقوام لم يتفكروا فيما سمعوا حين سمعوا ما سمعوا، وإنما اعتبروا المتكلم معصومًا من الزيغ والهوى، فصدقوا على كلامه.

 

ثانياً: قلتم هذا الحزب يتغيا الوصول إلى السلطة، والسؤال: فما الذي تغياه الحزب الذي انتخبتموه إذًا؟ هل هو زاهد في السلطة فإذا انتخبتموه قام بتسليم السلطة لكم؟ أم أنه يسعى إلى الحصول على أكبر عدد في البرلمان شأنه في ذلك شأن حزب الإخوان تمامًا بتمام؟ أين العدل يا عباد الله؟ وكيف ساغ لكم أن تقولوا: إنهم سيكونون مثل الحزب الوطني المنحل؟ هل عندكم طرف من علم بالغيب فتخرجوه لنا؟ ألا يمكن أن يقال نفس هذا الكلام ذاته على الحزب الذي اخترتموه؟ وساعتها ستقولون: لا!! فإنهم تقدموا للناس ببرنامج إسلامي، لا يمكنهم أن يعدلوا عنه، وإلا فقدوا مصداقيتهم أمام الناس، ولم ينتخبوهم في المرات القادمة.

 

سبحان الله! ألا يمكن أن يجيب حزب الإخوان بمثل هذه الإجابة ذاتها، فقد تقدموا بحزب مدني بمرجعية إسلامية؟ فهل يضحي الإخوان بالشعار الذي اختارهم أغلب المصريين من أجله؟ هل هذا يصدقه عاقل؟ ألا يذكر أحدكم مرة أنه سمع الإخوان يعلنون صباح مساء ولمدة عقود: ليس المهم من يحكم؟ وإنما المهم: بماذا يحكم؟ فإذا احتكمت دولتنا للإسلام وبالشريعة، فلا علينا أن نكون في الصفوف الخلفية بلا مناصب ولا شهادات تقدير، وما ضرَّنا إذا لم يعرفنا البشر، أليس المبتغى أن ينظر إلينا خالق البشر؟.

 

ثالثًا: ما رأيتموه خللاً في التزامهم بالإسلام لا دليل لكم من قرآن أو سنة على اعتباره خللاً؛ لأن المسألة التي ذكرتموها، وكثير غيرها، تعتبر من مسائل السياسية الشرعية، والمقرر في الأصول أنها تقوم على الموازنة بين المصلحة والمفسدة، فما غلبت مصلحته توجهنا إلى العمل به، ما دام أن المسألة ليس هناك نص قرآني قطعي الدلالة يقضي بالتصرف فيها على نحو معين، على أن ما ترونه أنتم خللاً يراه الكثيرون من المشايخ والفقهاء والعلماء عين الحكمة والصواب، وله شاهد من صنيع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يؤسس للدولة المسلمة في المدينة المنورة، ألم يكتب وثيقة بينه وبين يهود بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة على التعاون في الدفاع عن المدينة ضد كل معتد؟ ألم يذهب إليهم في حادثة بني النضير؛ ليطلب منهم الاشتراك في دية القتيلين الذين قتلهما بعض أصحابه خطأ؟ وكنت أود منكم الإجابة على السؤال التالي: إذا تصورنا أن اليهود في المدينة ثبتوا على العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقضوه، ولم يظاهروا على المسلمين، ولم يعتدوا على حرمات الإسلام، فكيف كان سيتعامل معهم صلى الله عليه وسلم؟ هل كان سيطردهم من المدينة؟

كيف تغضون الطرف عن أن النيابة في البرلمان وكالة عن الناس، ولا مانع في الشرع من توكيل المسلم وغيره، وهذا حكم ثابت بالإجماع؟ ألم يستعن المصطفى برجل غير مسلم في رحلة الهجرة؟

ثم لماذا نضخم هذا الصنيع، ونعتبره خروجًا عن الالتزام بأحكام الشريعة، مع أن المرشحين على قائمتهم من النصارى لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، وسط المئات، بل الآلاف من المسلمين؟ ألم يتفكر أحدنا في أن هذا الصنيع فيه مصلحة ظاهرة للبلاد والعباد، وهي مصلحة تفويت الفرصة على الكارهين للإسلام من الشرق والغرب الذين يفزِّعون الناس من التيار الإسلامي؛ بدعوى أنه سيطرد النصارى خارج مصر، وسيعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، والنصارى- كما تعلمون- من خمسة إلى سبعة ملايين إنسان، وأرجو أن ندقق في هذا الرقم جيدًا؛ لكي نفهم أن تهميشهم يعني السقوط في فخ الفتنة الطائفية؟ وما أدراك ما الفتنة الطائفية؟ وقد رأيتم أحداث ماسبيرو، وكيف أن الغرب بدأ يقول: نرسل قوات لحماية نصارى مصر، فهل نعطي لهم هذه الذريعة؟ أم نشرك بعضهم معنا على حسب نسبتهم السكانية؟ لكي يكونوا معنا خطًّا للدفاع عن مصر ضد من يحاول اللعب بالنار فيها، ويبقى لنا بلدنا وديننا.

 

وأخيرًا، أهنئ نفسي وكل محب للمشروع الإسلامي بالنتيجة التي انتهت إليها الجولة الأولى من الانتخابات، وأسأل الله العظيم أن يديم علينا جميعًا نعمة الإيمان والأمان والسلامة والإسلام، وهذه النتيجة إن دلت فإنما تدل على شيء واحد: هو حب الشعب المصري للدين والتدين، وثقتهم الكبيرة في سلامة المنهج الإسلامي، وأن غالبية الشعب ترفض هؤلاء الذين يريدون فصل الدين عن الدولة، وإبعاد الدين عن واقع الحياة، وأن حيل هؤلاء وألاعيبهم ومحاولتهم التذاكي على الشعب وإظهاره بمظهر الجاهل الذي لا يعرف مصلحته، هذه الحيل- بفضل الله تعالى- لم تنطل على الشعب، مع أن الضجيج الذي يحثونه في وسائل الإعلام يكاد أن يصم الآذان، وتلك مسئولية عظيمة على عاتق من ندبوا أنفسهم للوقوف على هذه الثغرة؛ لكي يقودوا سفينة مصر وسط الأمواج العاتية، ويوصلوها بحول الله وتوفيقه إلى بر الأمان وليضعوا في قلوبهم أن قوله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا) (الأنفال: من الآية 46) موجه لهم، كما كان موجهًا للأصحاب الكرام.

 

اللهم احفظ مصر من كيد الكائدين وضلال المضلين وعبث العابثين، وانصر الحق وأهله، واخذل الباطل وحزبه، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

وأطمع ممن انتفع بشيء من هذه الكلمة ألا يحرم هذا الخويدم للإسلام من بركات دعائه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.