روحٌ جديدةٌ للمصريين ظهرت في أول انتخابات بعد ثورة يناير، على الرغم من أن آخر انتخابات لم يمر عليها سوى عام واحد، وكان الجو بها مختلفًا تمامًا.

 

فأظهرت هذه الانتخابات قيمًا حاول البعض طمسها عبر عقود، لكنها فاجأت الجميع في ميدان التحرير إبان الثورة، وحاول آخرون تشويهها بعد ذلك، فعادت من جديد أمام اللجان الانتخابية بإيجابية وإيثار وتحمل للمسئولية ورغبة في التغيير.

 

فهذا رجل في الستين من عمره وقف ممسكًا بكاميرته الخاصة، ليرصد أي مخالفات قانونية قد تحدث هنا أو هناك، وعيناه تدوران يمينًا ويسارًا لتلتقطا أي محاولة لتزوير أو رشوة للناخبين أو موقفًا ايجابيًّا.

 

سألناه عن مهنته وهل يتقاضى أجرًا مقابل ذلك العمل أم لا، فأكد لنا أنه على المعاش ولا يتقاضى أي أجر مقابل مهمته تلك، ولم يدفعه لهذا العمل سوى رغبته في المشاركة في نزاهة الانتخابات ونهضة مصر ولو بشيء يسير.

 

سيدة أخرى وقفت لتصد أي محاولات لاستمالتها تجاه مرشح بعينه، لترد بكل قوة أن مرشحيها محددون من قبل واختارتهم على أسس واضحة، فهي ليست في حاجة إلى من يستميلها أو يؤثر عليها قبل الإدلاء بصوتها بلحظات، فهدفها واضح ومن ستقوم بترشيحه أيضًا لا شك فيه لديها ولا تردد.

 

وبعدها بخطوات تروي لنا فتاة أن جدتها منذ المساء ظلت تحث أقاربها وجيرانها وأصدقاءها على المشاركة بكل قوة في انتخابات الإعادة أيًّا كان المرشح الذي سيختارونه، مبينةً لهم أن تلك الإعادة أهم مما سبق، حتى تساهم في بناء بلدها لآخر لحظة في حياتها.

 

ومن أمام إحدى المدارس وقف شاب يبدو في الثلاثين من عمره، خلع رداء "وأنا مالي وكل واحد يخليه في نفسه" ليرتدي ثياب "الإيجابية"؛ حيث أمسك بكشكول صغير، علمنا فيما بعد أن به أرقام تليفونات العديد من الصحفيين ووسائل الإعلام المختلفة ومراقبين حقوقيين، يستعين بهم في حال حدوث أي انتهاكات أو مخالفات، سواء في اللجان أو خارجها ليرصدوا كل تلك الأحداث.

 

وأوضح صاحب الكشكول أنه بدأ في الإعداد لهذا الكشكول منذ شهر تقريبًا ليتمكن من تجميع أكبر قدر من أرقام الهواتف، كما أخذ إجازة من عمله على مدار يومي الإعادة ويوم الفرز لمتابعة نزاهة الانتخابات.

 

حرص شعبي

 الصورة غير متاحة

 سيدة لم تمنعها إصابتها من المشاركة في الانتخابات

وفي مشهد يدل على مدى حرص المواطن على الانتخابات وشعوره بالانتماء لذلك البلد بعد غربة سنين عديدة، أسرع شخص من سيارته نحو سيارة أخرى على الجانب الآخر؛ ليخبر سائقها بضرورة إزالة الإعلانات المؤيدة لمرشح ما بالدائرة والتي قام بتعليقها على سيارته؛ محذرًا إياه أنها تعد مخالفة قانونية تحسب عليه ويقاضى عليها، وحتى لا تظهر الانتخابات بمظهر غير لائق في وسائل الإعلام وغيرها، واستجاب له الآخر على الفور.

 

ذاتية

ومن أمام مدرسة أخرى وقفت تلك الفتاة النشيطة التي لم تكتف بالتصويت فقط، بل أخذت تنظم الصفوف وتساعد المسنين، وتحمل الأوراق الملقاة على الأرض، وتنصح الناخبين دون أن تسأل، سألناها عما إذا كانت تتبع أي حزب أو مؤسسة ما فقالت: "لا.. إنما أحاول أن أخدم وطني فقط".

 

"أنا هفْرِق"

كما أصرت سيدة حامل في شهورها الأخيرة على الإدلاء بصوتها في الانتخابات، على الرغم من أن لجنتها بالدور الثالث في إحدى المدارس، متحدية كل ظروفها ومتاعبها من أجل أن تعبر مصر إلى بوابة النهضة والرقي والتقدم على حد تعبيرها، رافضةً أن تكون في صف من يقولون: "صوتي مش هيفرق".

 

وهذه مهندسة عادت من عملها مسرعة في الدقائق الأخيرة قبل إغلاق باب التصويت لليوم الأول في جولة الإعادة، حاملةً أطفالها على كتفيها بعدما انتهوا من مدارسهم؛ وظل الكبير متعلقًا بثيابها يجري خلفها وهي تحاول أن تلحق بلجنتها بأقصى سرعة؛ لتدلي بصوتها حتى ترجِّح كفة النائب الذي تراه الأصلح لدائرتها، وحتى تستطيع وصول المنزل قبل زوجها لتعد له الطعام.

 

ومع مشقة عمله وتكدس الشوارع وزحمة المواصلات، وتوافق كل ذلك مع صيامه ليوم عاشوراء، أصرَّ سائق التاكسي عبد رب النبي جودة على أن ينتظر دوره ليدلي بصوته في انتخابات الإعادة؛ حتى لا تخذل الأمة بضياع صوته، كما قال.

 

ملاكي مجاني!

رجل يبلغ من العمر 40 عامًا خصص سيارته الخاصة لنقل الناخبين أيًّا كانت توجهاتهم أو من سيقومون بانتخابه من المدرسة إلى مقدمة الشارع إلى أن يجدوا وسيلة مواصلات مناسبة لهم، وذلك دون أي أجر.

 

سألناه عن سبب إقدامه على مثل هذه الخطوة فأجاب: "خفت من تكرار مشهد المدارس الفارغة صباح أمس، ففكرت في تذليل العقبات أمام الناخبين لمساعدة أكبر عدد منهم على الإدلاء بأصواتهم، وعرضت على المواطنين على نواصي الشوارع أن أنقلهم إلى مقار لجانهم.

 

وأكد أنه لم يجبر أي أحد خلال فترة ركوبهم معه على الإدلاء بأصواتهم لصالح مرشح بعينه؛ لأنه يقوم بتلك الخدمة لصالح مصر فقط.