هناك عبارات قالها أصحابها لتبقى عميقة المعني، قوية الأثر، شديدة الوضوح؛ رغم قلة كلماتها، من هذه العبارات: "الكورة اجوان"، و"السياسة هي فن الممكن"، و"الديمقراطية هي صندوق الانتخابات"، و"مصر ليست وطنًا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا".

 

ومن هذه العبارات عبارة تعتبر القاسم المشترك في ربيع الثورات العربية، عبارة أطلقتها الحناجر المظلومة، حناجر الشعوب المسلوبة ضد حكامها المفسدين، عبارة: " الشعب يريد..".
هذه العبارة رغم قلة كلماتها لكنها عميقة المعنى واضحة الدلالة، خرج الشعب المصري– الذي سُلبت إرادته لفترات طويلة من قِبَل حكامه ونخبه المصنوعة لتتحدث نيابة عنه، رغم أن هذه النخبة ليست نخبته الحقيقية، ولم تعان مما يعانيه– خرج ليستردَّ بنفسه إرادته.

 

استعاد الشعب المصري إرادته بعد سقوط نظام مبارك في 11 فبراير 2011 م، وأصبح بإرادته الفاعل السياسي الأول في المعادلة السياسية المصرية الجديدة، وأصبح بإرادته يقاوم الاستبداد ويرفض الوصاية التي تحاول فرضها عليه هذه النخبة المأزومة، وأنه لن يتنازل عن إرادته لأي أحد كائنًا من كان بعد اليوم.

 

بهذه الإرادة أدار الشعب المصري العديد من الأزمات التي وضعت في طريقه لعرقلة مرحلة بناء الدولة الحديثة، وفرض إرادته في استفتاء 19 مارس، ونجح في تجاوز أزمة المبادئ فوق الدستورية التي وضعها دكتور يحيى الجمل، وأخيرًا وليس آخرًا (!!!) أسقط حكومة الدكتور عصام شرف بعد أزمة المبادئ الحاكمة والملزمة لوثيقة دكتور علي السلمي.

 

بهذه الإرادة ظهر الشعب المصري بوعيه العالي والمتميز، فشارك في المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية لمجلس الشعب 2011م بنسبة قياسية غير مسبوقة (تتراوح بين 52% و62% حسب المصدر، وقابلة للزيادة في المرحلتين المقبلتين)، وهي نسبة لم يشارك بها من قبل، وظهر وعيه جليًّا في اختياراته وترتيبه للقوى السياسية المشاركة في هذه الانتخابات، ولم يخضع لوصاية النخبة وإرهابها الفكري الدائم في الفضائيات المملوكة لرجال أعمال النظام المخلوع، فوضع الأوزان النسبية لهذه القوى وفق معاييره وقناعاته المنبثقة من ثقافته ووسطيته، حيث أعطى صوته للقوى الإسلامية بنسبة 68% في هذه الجولة، ولم يقتنع بمن هو "مستقبل له تاريخ" ولم ينخدع بمن يزعم أنه "نيابة عننا هيجيب حقنا"، وتجلت قمة وعي هذا الشعب عندما وجدناه يختار وفق قناعته ببرامج الأحزاب، فاختار قائمة حزب ما وأعرض عن المرشح الفردي لهذا الحزب.

 

كما تجلت إرادة هذا الشعب عندما غابت إرادة المجلس العسكري وحكومة الدكتور عصام شرف في قانون الغدر أو العزل السياسي لمن أفسدوا الحياة المصرية- وعلى رأسها الحياة السياسية- من الحزب الوطني المحظور، فقام بطرد الفلول ديمقراطيًّا، ولم تحصل قوائم فلول الحزب الوطني الثمانية إلا على 7.16% من إجمالي الأصوات الصحيحة في المرحلة الأولى، والتي غالبًا لن تترجم إلى عدد مقاعد لعدم تجاوز بعض هذه الأحزاب على نسبة 0.5%، والتي تسمى بالعتبة الانتخابية، كما أسقط رموزًا للحزب الوطني المحظور كانت ترشحت على النظام الفردي (حيدر بغدادي نموذجًا)، وعاقب الأحزاب التي ضمت فلول الحزب الوطني المحظور على قوائمها.

 

ومن خلال ما سبق يتضح أن إرادة الشعوب هي الغالبة، وأن الرهان على الشعوب هو الرهان الفائز على من سواه، وأننا لن نستطيع بناء الدولة الحديثة إلا عندما نحقق على أرض الواقع أن الشعب هو مصدر كل السلطات، ولذا نتمنى على الجميع أن يحترم إرادة هذا الشعب، وألا يُنصب من نفسه وصيًّا عليه.

-------------------------

* أستاذ مساعد– جامعة المنصورة- دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية.