تزامن حلول العام الهجري 1433 وذكرى هجرة رسولنا صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وانتخابات 2011، ومصرنا الحبيبة تجتاز فترة دقيقة من حياتها، يتم فيها اختبار إرادة الشعب المصري لصالح وجهة مصر بعد ثورة 25 يناير العظيمة، ولله الفضل أولاً وأخيرًا في نجاحها، والفضل بعد ذلك لدماء الشهداء الذين أوقدوا فتيل هذه الثورة، وكذلك التفاف الشعب المصري حول ثورته التي حماها، وحافظ عليها مضيئة حتى تؤتي أكلها بإذن ربها، وفي القلب من هذا الشعب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لم يفت في عضدهم سجون ومعتقلات عبد الناصر والسادات ومبارك لعقود طويلة.
وكثر الحديث والجدل بعد أيام ميدان التحرير الأولى وانقسم الشعب الذي كان موحدًا داخل الميدان إلى شيع وأحزاب وجماعات وهذه سنة الله في خلقه.
واختلفت وجهات النظر، وهذا الاختلاف قد يكون محمودًا إذا كان اختلاف تنوع، أما المذموم والمنهي عنه فهو اختلاف التضاد.
وتبلور هذا التنوع بعد الانتهاء من المرحلة الأولى من الانتخابات، وخلال هذه المرحلة عشنا وما زلنا نعيش أجواء حملة شرسة ضد ما أسموه بالإسلام السياسي، والمدقق في الحالة التي وصلنا إليها يجد أن هناك اتجاهات ثلاثة تتبلور لفئات ثلاث:
الأولى: فئة تفهم أن الإسلام اعتقاد صحيح سليم بعيد عن الشرك، وطاعة واتباع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تبديل ولا ابتداع، ودون زيادة عليه أو نقص منه، ويتبع ذلك كله ويتصل به أخلاق وعبادات ومعاملات وأحكام ويتكون من هذا المجموع كله نظام يشمل الحياة كلها في جميع أنحائها وجوانبها، ومن هنا كان الكلام عن دستور الإسلام أو سياسة الإسلام أو اقتصاد الإسلام أو غير ذلك، وكذلك يكون الإسلام كلاًّ لا يتجزأ؛ فهو عقيدة قبل أن يكون نظامًا وأخلاقًا قبل أن يكون تشريعًا وقانونًا.
الثانية: فئة ترفض ذلك جملة وتفصيلاً، وفي القلب منهم طبعًا اليساريون ومن يطلق عليهم العلمانيون الذين ينشدون دولة بلا هوية ولا مرجعية إسلامية "فالدين لله والوطن للجميع" و"لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة" "ودع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
الثالثة: فئة يبدو أن البعض منها ليس لديه معرفة جيدة بالإسلام وتاريخه، فراح عن قصد أو غير قصد باتهامه بالعنصرية والتمييز ويردد مقولات الفئة الثانية، وقد غلبت عليهم مصالحهم الدنيوية، فحيثما كانت مصلحتهم فثم القصد والغاية.
انتخابات 2010 وانتخابات 2011
إن أخطر ما ارتبط بانتخابات 2010 وما زال مستمرًّا حتى الآن هو اتهام الإسلام بما ليس فيه، وتجييش الكتاب المرتزقة واليسار المتأمرك؛ للإلحاح على ما يسمى بالدولة الدينية والأحزاب الدينية والمواطنة، ولا يستطيع هؤلاء القوم توجيه هذا الكلام إلى الدولة اليهودية الدينية حقًّا والأحزاب الدينية التي تشكل حكومتها والعنصرية أو التمييز الذي تمارسه على أرض فلسطين، ومن منطلق الدين علنًا والتي تجعل غير اليهودي درجة ثانية، إن الذين يهينون الإسلام بهذا الأسلوب الرخيص لا يستطيعون أن يواجهوا حزبًا دينيًّا حقيقيًّا قائمًا على أرض الواقع، ويأتمر بأمر زعامات دينية، ويتحرك بإشارة منها في المناسبات المختلفة، ويرى نفسه فوق الأكثرية السياسية والدينية شاءت أم أبت.
الهجرة وعلاقتها بالدولة الإسلامية والمواطنة
صارت الهجرة فرضًا وما زالت فريضة على المسلمين، كما ذكر رسولنا صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" وانتهت الهجرة المكانية وبقيت الهجرة المعنوية، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة؛ حيث مجتمع الكفار والمشركين من جهة، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى إلى المدينة في مجتمع يجمع الأوس والخزرج واليهود، وظهرت بعد ذلك فئة المنافقين، والكل يعرف ما كانت عليه جاهلية الكفار والمشركين، وقد أبوا ولم يقبلوا هدي الله سبحانه وتعالى ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وقاموا بتعذيب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم، وكذلك نعرف جميعًا مجتمع المدينة ودور اليهود بين الأوس والخزرج، والعداوة التي كانت مسيطرة على مجتمع يثرب قبل الهجرة.
وبالرغم من هذا كله فقد أقام الإسلام أول دولة مدنية على ظهر الأرض وليس فيه وسيط بين العبد وربه، ولا يملك أحد أن يمنح أحدًا صكًّا بالغفران أو الحرمان والأحزاب، والجماعات التي جاءت بعد عهد الراشدين كانت كلها سياسية، ولكن نظام المجتمع على مدى أربعة عشر قرنًا ظل يحتكم إلى الإسلام في عباداته ومعاملاته، في ميلاده وموته، في بيعه وشرائه، في حروبه وسلامه، في صحوه ونومه، وسيظل بإذن الله نظام المجتمع إسلاميًّا إلى يوم الدين.
ولذلك بقيت الهجرة المعنوية جهادًا ونية فريضة علينا؛ لتنقل مجتمعنا المصري من واقعه المر إلى مثل المجتمع الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، والذي قام على أسس ثلاثة: المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والميثاق الذي قطعه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين من جهة واليهود من جهة أخرى، ولو كلف الرافضون لإقامة الدولة الإسلامية أنفسهم وطالعوا ما كتب في صحيفة (المدينة) لعرفوا أن الإسلام هو أول من أرسى حقوق المواطنة التي لا تجدها في أعرق الديمقراطيات الغربية الآن.
والأسس التي قامت عليها هذه الدولة ثلاثة أسس: المسجد، والمجتمع المسلم الذي قام على المؤاخاة والحب والإيثار، والعقد بين المجتمع المسلم بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب من اليهود؛ فكان المسلمون واليهود أمة واحدة، لليهود ما للمسلمين، وعليهم ما علي المسلمين، مجتمع يأمن جميع أفراده علي معتقداتهم وعباداتهم، والقيادة في هذا المجتمع للإسلام؛ فإنه يعلو ولا يعلى عليه بزعامة رئيس الدولة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من نحن وماذا نريد؟
المجتمع المصري بل المجتمعات العربية والإسلامية في أشد الحاجة إلى فئة تكون قدوة لغيرها في إحداث تغيير حقيقي في نفوسها حتى يغير الله ما بها، وإن من إعجاز هذا الدين أن تظل شعلة الإيمان كامنة في قلوب المسلمين مهما خبت وخمدت في الظاهر، حتى إذا جاء من ينفخ فيها ويزيل الرماد عنها استجاب له المؤمنون وقام لنصرته وتأييده الصالحون وصدق الله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)؛ فالأمر يحتاج من الجميع وقفة محاسبة، ولا أكون مبالغًا إذا قلت إننا في حاجة إلى ثورة لكل منا على نفسه، كثورتنا على حسني مبارك ونظامه، "وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"؛ حتى نتغير إلى الأصلح، فالواقع مر، وربما يكون أمر منه الذي يلوح في الأفق، إلا إذا بدأ الجميع في تغيير حقيقي يشمل جوانب حياتنا جميعها ومقياسنا في ذلك المجتمع الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة لبنة لبنة أو فردًا فردًا، واستغرق ذلك ثلاثة عشر عامًا من بعثته صلى الله عليه وسلم، وهم الذين هاجروا مع رسولهم صلى الله عليه وسلم واستقبلهم الأنصار بحب وترحاب، وبنى صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار دولة الإسلام، وهل كانت هجرته لغاية غير ذلك وهي إقامة الدولة الإسلامية؟
وإذا أسقطنا الأسس الثلاثة التي قامت عليها هذه الدولة في المدينة على واقعنا الآن فهناك عدة أسئلة يلزمنا الإجابة عنها؛ خاصة ونحن أمام اختبار صعب بعد أن منَّ الله علينا بنصرته في الجولة الأولى من الانتخابات وثقة الشعب فينا:
أولاً: هل أقمنا فيما بيننا مجتمعًا قلبه معلق بالمساجد غلبت فيه المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، متمثلين في ذلك مجتمع المهاجرين والأنصار الذين قامت بجهادهم الدولة الإسلامية؟
ثانيًا: هل حققنا الحد الأدنى من مراتب الأخوة، وهي سلامة الصدر؛ ناهيك عن أعلاها وهي الإيثار كما رأينا في مجتمع المدينة؟
ثالثًا: هل تعاملنا مع غير المسلمين، وخاصة شركاء الوطن والمصير نصارى مصر كما تعامل الرسول مع يهود المدينة فنسالم من يسالمنا ونعادي من عادنا؟
رابعًا: هل تربى فينا الفرد المسلم، سليم العقيدة، صحيح العبادة، متين الخلق، مثقف الفكر، النافع لغيره، المنظم في شئونه، القادر على الكسب، المحافظ على وقته...؟ هل ربينا أمثال مصعب بن عمير سفير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؟ والأمثلة كثيرة مثل بلال وياسر وصهيب وعلى الرأس من هؤلاء الصديق صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار، والذي خلف الرسول في قيادة الدولة بعد موته صلى الله عليه وسلم، والذي قاتل من امتنع عن دفع الزكاة، وقال قولته: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"، وقال: "أينقص الدين وأنا حي"، هل تربى فينا من يصدق فعله تلاوته للآية الكريمة: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) (الأنعام)، فيكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهويته إسلامية بحق، ويكون حراكه ونشاطه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أساس من الدين الذي قال الله فيه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ).
خامسًا: هل أقمنا الأسرة المسلمة لبنة المجتمع المسلم؟ الأسرة التي قام فيها الرجل بالقوامة الحقة التي تقيه وأهله نارًا وقودها الناس والحجارة، الأسرة التي قدمت للمجتمع أمثال علي بن أبي طالب من الشباب وأسماء بنت أبي بكر من النساء.
معالم الحراك في المرحلة القادمة
ونخلص إلى إجابات قصيرة وسريعة لما يدور في المجتمع المصري من أسئلة حول الدولة الإسلامية والهوية التي تحكم نشاط المسلم وحراكه اليومي، وكيف يعيش غير المسلم في الدولة المسلمة، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم، وبمعنى أوضح الرد على مقولة "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين" وحظر النشاط على أساس ديني وحق المواطنة.
حقًّا إنها معركة بين من ينشد الحياة على أساس ما شرعه الله وسنه لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم، وبين من يرفضنا إلا إذا اتبعنا هواه، وصدق الله حيث يقول: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (60))، وقوله سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) (النساء: من الآية 64)، وقوله سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) (النساء).
فهل سندافع عن هذا الدين ونعظم شرائعه ونعيش وفق تشريعاته أم سنتبع خطى من كان قبلنا لا قدر الله فيصيبنا ما أصابهم؟!
هدانا الله إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
إننا مطالبون جميعًا أن نتمثل قول الله سبحانه وتعالى فيمن قامت على جهودهم الدولة الإسلامية الأولى، ووصفهم الله في قرآنه: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)) (التوبة).
أما موقف الذين اتبعوهم بإحسان ونسأل الله أن نكون منهم هم الذين يقاومون إقصاء الإسلام عن الحياة بحماسة ووضوح، متمثلين في ذلك قول رسولهم صلى الله عليه وسلم لقريش وعظمائها وساداتها: "يا ابن أخي إن كنت تريد لما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد سيادة سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا" فجاء الرد الحاسم: "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".
لقد وجدوا في أنفسهم زهدًا في المال، وزهدًا في المنصب، وزهدًا في الجاه؛ لأنهم يريدون أكثر من المال والجاه والمنصب، إنهم يريدون عقيدة تنتشر، وفكرة تسود، ومجتمعًا ربانيًا يتكون، وإسلامًا يقوم على وجه الأرض، يعلم الناس ما لم يتعلموه قبل هذا الإسلام العظيم، إنهم يريدون وجه ربهم ذي الجلال والإكرام.
هؤلاء من استحضروا في أرواحهم القول الثقيل الذي خاطب الله به رسوله صلى الله عليه وسلم في أول الدعوة: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (2)) (المزمل)، وقد قال صاحب الظلال في هذه الآية: وهذا الثقل في القول ليس في ذات القول، فلقد يسر الله القرآن للذكر، ولكن الثقل في التبعة، في المهمة، في الواجب، في المشقة التي يحملها هذا القول الثقيل، وهم يعلمون أن الطريق شاقة، وليست مفروشة بالزهور والورود؛ بل هي مليئة بالأشواك والمكاره؛ فقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)) (العنكبوت)؛ فلنجعل فعلاً قلوبنا محلاًّ لنزول نصر الله حتى ندرك أن النصر الرخيص لا يبقى، والنصر السهل لا يعيش؛ ولأن الدعوة الهينة يتبناها كل ضعيف، أما الدعوة الصعبة فلا يتبناها إلا الأقوياء ولا يقدر عليها إلا الأشداء.
إننا نريد نظامًا حرًّا يحفظ كرامة الإنسان المصري ويعبر عن إرادة جموع المواطنين على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم وعقائدهم ويخضع فيه الجميع للقانون الذي يختاره نواب الشعب الحقيقيون، أما هذا الاختلاف والتشرذم فلن يقدم جديدًا وسيكون وبالاً على الجميع.
إن منهج الإسلام الذي نلتزم به يعتبر أن سياسة الناس بالعدل والحق والرحمة جزء من رسالة الإسلام، وأن إقامة شريعة الإسلام فريضة من فرائضه؛ ولكن الحاكم في نظر الإسلام بشر من البشر، ليست له على الناس سلطة دينية بمقتضى حق إلهي؛ وإنما ترجع شرعية الحكم في مجتمع المسلمين إلى القيام على رضا الناس، وإلى إفساحه للشعوب؛ ليكون لها في الشئون العامة رأي ومشاركة في تقرير الأمور، وأن يستحدثوا بعد ذلك من النظم والأساليب ما يتفق وأحوالهم وما لا بد أن يتغير ويختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وأحوال الناس، وإذا كان للشورى معناها الخاص في نظر الإسلام، فإنها تلتقي في الجوهر مع النظام الديمقراطي الذي يضع زمام الأمور في يد أغلبية الناس دون أن يحيف بحق الأقليات على اختلافها في أن يكون لها رأي، وموقف مخالف، وأن يكون لها حق مشروع في الدفاع عن هذا الرأي والدعوة إلى ذلك الموقف، ومن هنا فإن المعارضة السياسية المنظمة تعتبر عاصمًا لاستبداد الغالبية وطغيانها، وتكون كذلك جزءًا من البناء السياسي وليست خروجًا عليه أو تهديدًا لاستقراره ووحدته، وبذلك أيضًا تكون سلامة الانتخابات السياسية وإجرائها في حرية تامة ونزاهة كاملة تتمتع بهما جميع القوى ضمانًا حقيقيًّا لأمن المجتمع واستقراره.
أيها الأحباب وإخواني أبناء الشعب المصري ورجاله الذين انحازوا للحق وتدافعوا مع دعاة الباطل، ثقوا في نصر الله؛ فليس بعد هذا الظلام الذي حل بنا جميعًا إلا بزوغ نور الحق ولو كره ذلك دعاة العلمانية، فعلينا هجرهم وما يدعون، نهجر هذه العقول المحتلة والمنبهرة بفكرة العلمانية الغربية، ونهجر هذا النقل المختل لقيم ومبادئ حضارتنا الإسلامية التي أرساها رسولنا وخاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولينصرن الله من ينصره، وأختم بقول الله تعالى:
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا 40) (الحج).
والله أسأل أن يجبر كسرنا ويغفر لنا تقصيرنا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. والحمد لله رب العالمين.
-------------------------
* أستاذ بكلية الهندسة جامعة أسيوط.