منذ عقود وأنا مشارك في الانتخابات المصرية مشاركة الآلام والآمال، ومن بين آمالي وأحلامي مشهد كنت أراه على شاشات التلفاز للانتخابات في أمريكا والغرب، وهو اصطحاب السيدات لأطفالهن الرضع وهنَّ يدلين بأصواتهن؛ فكنت أقول في نفسي هل يأتي اليوم الذي أرى هذا المشهد في مصرنا الحبيبة؟!
وشاء الله أن يمدَّ في عمري وأكون مشاركًا في ثورتنا المصرية المباركة ثم مشاركًا في هذه الانتخابات التي لم تشهدها مصر من قبل, ولقد رأيت بعيني ما كنت أحلم به؛ فها هن نساء مصر يصطحبن أطفالهن أثناء إدلائهن بأصواتهن ويحرص الأطفال على وضع أصابعهم في الحبر الفسفوري ويخرجن رافعات أصابعهن فرحات، رأيت الابتسامة والفرحة الحقيقية على وجوه المصريين، رأيت طوابير حضارية أمام اللجان الانتخابية يمتد بعضها مئات الأمتار، رأيت ورأيت ورأيت كما رأى الجميع وشهد العالم أجمع والفضل في هذا المشهد يعود كما قال رئيس اللجنه العليا للانتخابات المستشار عبد المعز، حينما قال له أحد الصحفيين- في المؤتمر الصحفي في المرحلة الأولى للانتخابات-: هل هذا المشهد الحضاري يرجع الفضل فيه للمجلس العسكري، فردَّ الرجل بسجيته: "الفضل لله", نعم الفضل لله ثم لدماء الشهداء الزكية الطاهرة، ولكن هناك من يريد أن يفسد علينا عيدنا وينكِّد علينا فرحتنا بمحاولة الطعن في نزاهة التجربة وعظمتها.
نعم.. هذه أول التجارب، وهناك بعض السلبيات، ولكني أثق في شعبنا، وأن التجربة القادمة ستكون أنصع بياضًا والتي تليها ستكون أفضل منها وهكذا، فلنخلع النظارات السوداء ولا نفسد على الشعب فرحته.
ولعل بعض التفسيرات والتحليلات للأحداث التي سبقت وتلازمت مع تجربتنا الديمقراطية تقول إن وراء هذه الأحداث أياديَ من لم ينالوا ثقة الشعب المصري، فرأوا أن افتعالهم لهذه الأحداث يجعلهم يتصدَّرون المشهد ويظلوا جزءًا من المعادلة, وبقدر اختلافي واتفاقي مع هذا التحليل أرى الخروج من هذا المأزق هو أن تشيع بيننا ثقافة الصندوق أو كما قال الدكتور يحيى الجمل في أحد مقالاته قبل الثورة (الصندوق هو الحل).
نعم.. لا بد أن يقدم كل تيار أكفأ عناصره لأي موقع يتم الاقتراع عليه، سواء مجالس نيابية أو محلية أو رئاسية، أو غيرها من المواقع، وليحسن كل فصيل أو تيار عرض بضاعته وفقًا للإجراءات الدستورية والقانونية، ثم لنتكاتف جميعًا ولنتعاون؛ حتى تكون إجراءات العملية الانتخابية صحيحة وسليمة, ثم بعد ذلك نعلن جميعًا القبول والرضا بما يأتي به الصندوق، وهنا أسجل إعجابي لموقف الدكتور محمد سعد أبو العزم، المرشح على مقعد الفردي فئات بدائرة مصر الجديدة عن حزب الحرية والعدالة؛ الذي بادر بتهنئة الدكتور عمرو حمزاوي، المنافس له على نفس المقعد، وذلك بعد إعلان رئيس اللجنة الفرعية بالدائرة النتائج النهائية بفوز الدكتور عمرو حمزاوي.
وقال سعد أبو العزم: إنه بعد إعلان النتائج الرسمية شبه النهائية للانتخابات هنَّأت منافسي الدكتور عمرو حمزاوي، قائلاً: تمنيت له التوفيق في الدائرة، وفي خدمة الوطن، وكذلك أثمِّن موقف الدكتور عمرو دراج؛ الذي بادر بالتهنئة لمنافسه الذي فاز بالمقعد الدكتور عمرو الشوبكي، قائلاً: أرجو أن يعينه الله على المهمة الثقيلة التي ألقيت على عاتقه.
هكذا يجب أن تسود لدينا ثقافة الصندوق، ثم لنراقب ونقيِّم أداء من أتى بهم الصندوق؛ فمن عمل وجدَّ واجتهد لخدمة الوطن والشعب فلنأتِ به من جديد، ومن قصَّر وتخاذل فلنأتِ بالأفضل، وهكذا تتقدم مصر وتبنى مصر التي ننشدها جميعًا.. مصر الحضارة والعلم.
ولكن.. هل يقتصر دور الناخب على عملية الإدلاء بصوته واختيار الأصلح، ثم يعود إلى عمله وبيته مشاهدًا ومراقبًا وفقط؟! هذا ما نبيِّنه في مقال لاحق بإذن الله، والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.