في أكتوبر من العام الماضي تقدمت زوجتي للترشح في انتخابات مجلس الشعب على مقعد "الكوتة" المخصص للمرأة في محافظة 6 أكتوبر (التي تمَّ إلغاؤها بعد الثورة)، وجهزت كل الأوراق الرسمية المطلوبة، وذهبت في أول أيام فتح باب الترشُّح، لكنها وجدت زحامًا مصطنعًا منعها من تسليم الأوراق، فقالوا لها تعالي غدًا، فذهبت في اليوم الثاني ثم الثالث والرابع دون جدوى.

 

وفي اليوم الأخير ذهبت كالعادة منذ التاسعة صباحًا، ومرَّ الوقت بطيئًا دون أي أمل في أن يتم النداء عليها لتقديم أوراق ترشيحها، وأدركت بوضوح أن النية مبيَّتة لعدم السماح لها، ولبعض المرشحين الآخرين بتقديم الأوراق؛ باعتبارهم ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، وعندما حاولت الاحتجاج ورفْض هذا الأسلوب، وجدَتْ نفسها معزولةً عن العالم في سرادق داخل مديرية أمن 6 أكتوبر يبعد حوالي ثلاثة كيلو مترات عن العمران، بعد أن تحفظوا على هاتفها المحمول.

 

لكنها لم تسكت عن ضياع حقها السياسي والديمقراطي الذي كفله لها الدستور والقانون، ورفضت الاستكانة وقبول الأمر الواقع والانسحاب بهدوء، وأعلنت احتجاجها وغضبها على هذه المعاملة المهينة، وإصرارها على تقديم أوراقها، وطلبت أي مسئول في ذلك المكان الموحش لتسأله ببساطة شديدة: لماذا يتعاملون مع الشعب المصري بهذا الأسلوب غير الآدمي؟! لماذا يدوسون بأقدامهم على كرامة المواطنين من أجل حفنة من المحظوظين والمتسلقين والمنافقين الفاسدين؟!

 

ولأن الجهاز الأمني حينها لم يكن لديه وقت لرفاهية الحوار والنقاش، ما دام يملك القوة الباطشة والتلفيقات الجاهزة، استدعى أحد الضباط الواقفين في السرادق كبيرهم اللواء أسامة المراسي، مساعد وزير الداخلية ومدير أمن 6 أكتوبر (وقتها)، وجاء الرجل الهمام مختالاً في هيئته الرسمية كأنه هامان عصره، وقبل أن يتحدث معها استدعى جنود الأمن المركزي، وأمرهم بأن يصيحوا ويزمجروا ويضربوا الأرض بأرجلهم؛ ليروِّعوها هي وأمثالها، فربما رحلوا عن هذا المكان بلا عودة.

 

وعندما لم يرَ هذا اللواء المتغطرس أثرًا لحالة الخوف والهلع على هذه السيدة المشاكسة قال لها: ما الذي جاء بك إلى هنا؟ لماذا لا تمكثين في بيتك تقشري البطاطس والبصل بدلاً من بهدلة السياسة ومتاعبها؟! فقالت له أنا أدافع عن حقي الذي كفله الدستور والقانون، ولن نسكت أنا وأمثالي عن تنظيف هذا البلد من الفساد والفاسدين، مهما تحمَّلنا من متاعب؛ فالله حسبنا ونعم الوكيل، وإياك أن تظن أنك باقٍ في منصبك هذا إلى الأبد، أو أننا يمكن أن نتخلى عن هدفنا ورسالتنا أبدًا.

 

وفي إحدى الليالي الباردة قبيل الانتخابات بأيام، اقتحم بيتها قبيل الفجر عشرة من ضباط وجنود مباحث أمن الدولة الأشاوس؛ ليحطِّموه ويعيثوا فيه فسادًا ويروِّعوا أولادها ويستولوا على أموالهم الخاصة، ويقتادوا زوجها- الذي هو أنا- إلى المعتقل السياسي في سجن طره؛ حتى تتعلم هذه السيدة الأدب، لكنها فاجأتهم برباطة جأش وعزة نفس، على الرغم من أن زوجها ما زال بين أنيابهم، بأنها في انتظارهم في الانتخابات القادمة؛ لأنها سوف تترشح أيضًا، وأن سلوكهم الأحمق زادها إصرارًا.

 

وفي المرحلة الثانية من الانتخابات الحالية، تقدمت زوجتي- السيدة عزة الجرف- بأوراق ترشُّحها ضمن قائمة حزب (الحرية والعدالة) بالجيزة، وفازت بعضوية مجلس الشعب؛ لتصبح من أوائل السيدات عضوات البرلمان في تاريخ الإخوان المسلمين، وتسهم- مع من اختارهم الشعب- في صناعة مصر المستقبل، وأقترح عليها أن تذهب لزيارة اللواء حبيب العادلي في السجن هو وتلميذه اللواء المراسي؛ الذي يحاكَم الآن، ومعها 2 كيلو (بطاطس وبصل)، فربما وجدوا لهم عملاً مفيدًا!.

 

------------

* Badrm2003@yahoo.com