تقرير: سمير سعيد

تتسارع وتيرة الأحداث في العراق ليشهدَ تغيرات سريعة وجديدة من بدء تشكيل أول حكومة "عراقية" "منتخبة" وتصريحات حول الانسحاب الأمريكي وزيارة للثنائي المحافظ وزيرة الخارجية كونداليزا رايس ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد لبغداد ثم إعلان الرئيس العراقي جلال الطالباني عن قيامه بالتفاوض مع المقاومة العراقية، ثم- أخيرًا وليس بآخر- حديث رامسفيلد يوم الخميس 4 من مايو 2006م عن وضع جدول انسحابات أمريكي من العراق بعد إتمام تشكيل الحكومة العراقية الجديد، فماذا يحدث في العراق، وما سر هذه التغيرات والتحولات الخطيرة والكبيرة؟!

 

 جورج بوش الابن

 

بدايةً يمكن ربط كل هذه الأحداث بالانهيار السياسي لإدارةِ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في الداخلِ الأمريكي من تراجعِ شعبيةِ بوش بدرجةٍ لم تحدث في التاريخ الأمريكي والمطالبة بعزل رامسفيلد "الفاشل" وتذمُّر أنصار الحزب الجمهوري قبل الانتخابات النصفية للكونجرس في نوفمبر المقبل، والهزائم الأمريكية العسكرية والسياسية في العراق، حيث كانت المحصلة لثلاث سنوات من "الديمقراطية الأمريكية" في العراق فوضى ودمار ومقتل مئات الآلاف من العراقيين والآلاف من الأمريكيين ونزوح وتهجير نصف مليون عراقي بسبب الاستهداف الطائفي من جانب المليشيات الشيعية لسنة وعرب العراق.

 

سلسلة الهزائم السياسية والعسكرية لإدارة الرئيس الأمريكي بوش الابن دفعت هذه الإدارة الفاشلة إلى الإعداد لسلسلة انتصارات تلفزيونية جديدة بدأت مع أزمة رئيس الوزراء المؤقت السابق الدكتور إبراهيم الجعفري ورفضه التنازلَ عن منصب رئاسة الوزراء، فكانت الأوامر من إدارة بوش بإجباره على الخروج من حلبةِ التصارع على منصب رئاسة الوزراء ليذهب في النهاية إلى نائبه في حزب الدعوة نوري كامل العلي أو "جواد المالكي"، وكان لزيارة رايس ورامسفيلد دور في حسمِ هذه المشكلة وقضايا أخرى كتمثيل السنة في الحكومة والإسراع في تشكيل هذه الحكومة وتحديد سقف زمني لها هو أسبوعان وهو ما أعلنه المالكي فيما بعد على خلفية الأوامر التي أصدرتها الإدارة الأمريكية!

 

 رامسيفلد

 

وقد تزامنت هذه الزيارة مع تصريحات لرامسفيلد ورئيس مجلس الأمن القومي العراقي موفق الربيعي حول الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق، ومن الواضح أن الواقع يسير في عكس اتجاه تلك التصريحات، والدليل على ذلك قضية إنشاء المقر الجديد للسفارة الأمريكية في العراق.

 

السفارة "المدينة"!

قد تبدو هذه القضية غير مهمة على الأقل إعلاميًّا، إلا أن لها من الدلالات السياسية الكثير، فالمبنى الجديد "لسفارة" الولايات المتحدة سيكون عبارة عن مدينة مكونة من 21 مبنى ضخمًا، وستقام على مساحة تبلغ حوالي 202 هكتار (أي حوالي 428 مترًا مربعًا) تحتوي في منتصفها قصر "صامد"، الذي كان يشكل المقرَّ الرئيسي للرئيس العراقي السابق صدام حسين في العاصمة العراقية بغداد.

 

وحجم هذه المدينة يُساوي تقريبًا حجم دولة الفاتيكان التي تقع في قلب روما ونصف مساحة مركز (واشنطن دي. سي)- أو العاصمة الأمريكية- الذي تتركز فيه المنشآت الأمريكية المهمة كالبيت الأبيض والكونجرس والمباني الحكومية والمتاحف الوطنية وغيرها.

 

وهذه السفارة "المدينة" تمَّ التخطيط لها على ألا تعتمدَ على أي مصدرٍ خارج حدودها بالعراق، حيث ستضم جيشًا قوامه 2500 فرد من عناصر القوات الخاصة ورجال المخابرات الأمريكية، وهؤلاء مَن سيتولون مسئولية الحماية، وسيتم تزويد هذه القوات بمدفعية وقوات مدرعة، كما أن هذه المدينة مزودة بمهبط للطائرات الخفيفة والمروحيات، وسيتم تزويد هذه المدينة أيضًا ب