- 80% من المعونة الأمريكية عادت إلى جيوب الشركات الأمريكية!!

- اللوبي اليهودي في واشنطن سعى إلى حرمان مصر من المعونات العسكرية

- مصر دفعت من أمنها واقتصادها الكثير ثمنًا للعلاقات "الإستراتيجية" مع أمريكا

 

تقرير: أحمد التلاوي- هاني راشد

أخيرًا وبعد طول مناقشات في الكونجرس الأمريكي وافقت لجنة الاعتمادات المالية التابعة لمجلس النواب الأمريكي يوم الخميس الموافق 25 مايو 2006م، على تخصيص 21.3 مليار دولار للشئون الخارجية للسنة المالية التي تبدأ في الأول من أكتوبر 2006م المقبل، ورفضت تعديلاً على القانون الخاص بالإنفاق الخارجي يدعو إلى وقف المعونة العسكرية السنوية إلى مصر؛ بسبب ما أدت إليه الأحداث الأخيرة في مصر من الكشف عن انتهاكات مهمة لحقوق الإنسان، وتراجع عملية الإصلاح السياسي في البلاد.

 

ورغم أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن انتقدت القاهرة أكثر من مرة- بسبب قمع المعارضة السياسية- فإنها سعت لتخصيص 1.7 مليار دولار كمساعدات لمصر، من بينها 400 مليون دولار- بانخفاض قدره 215 مليون عن العام الماضي- و1.3 مليار للمساعدات العسكرية.

 

ووفق بيان للخارجية الأمريكية صدر يوم 26/5/2006- حصل (إخوان أون لاين) على نسخةٍ منه- حول هذه المسألة فإن الكونجرس الأمريكي رفض التعديل الذي قدمه النائب الديمقراطي المخضرم ديفيد أوبي؛ لأن خفض المعونة إلى مصر "سيؤذي المؤسسة العسكرية المصرية، وهي إحدى مؤسسات الحكومة الأكثر تقدميةً، وسيضطرها للبحث عن مساعدات من مصادر أخرى، مثل الصين أو بلدان الاتحاد السوفيتي السابق؛ لغرض تمويل العتاد العسكري"، هكذا بنص البيان الصادر عن مكتب الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأمريكية، برقم (505).

 

وطبقًا لما أقره مجلس النواب الأمريكي فسوف تشتمل المساعدات المقدمة إلى مصر 50 مليون دولار لبرامج الإصلاح السياسي، و50 مليونًا لمبادرات خاصة بقطاع التربية والتعليم، وبوجه عام فإن القانون الأمريكي الجديد للعام 2006م- الخاص بالمساعدات الخارجية- قد وَفَّر زيادة في المساعدات الأمنية لحلفاء الولايات المتحدة في الحرب على ما يسمَّى بـ"الإرهاب"، كما سيتلقَّى الكيان الصهيوني- في هذا الإطار- زيادةً قدرها 83 مليون دولار؛ ليصل مجموع ما يتلقاه الصهاينة إلى 2.3 مليار دولار، كمساعدات عسكرية لـ"جهود الأمن ومحاربة الإرهاب"، بجانب 120 مليون دولار كمساعدات اقتصادية.

 

سياسة أمريكية خَطِرَة!!

مع زيارة وفد الوكالة الدولية للمعونة الأمريكية مؤخرًا إلى مصر، ومع توتر العلاقات المصرية- الأمريكية على خلفية القمع الأمني والسياسي الأخير من جانب أجهزة الدولة المصرية لمظاهرات وتحركات المعارضة التي قادها الإخوان المسلمون، وفي ظل عوامل داخلية أخرى تخص الداخل الأمريكي ذاته.. ظهر على السطح في الولايات المتحدة وفي الإعلام الداخلي المصري والقوى السياسية الرسمية والوطنية على حد سواءٍ نقاشٌ عميقٌ حول ملف المعونة الأمريكية المقدمة إلى مصر، ومدى الاستفادة منها.

 

والحقيقة أن موضوع المعونة لم يعُد ملفًا جديدًا على أي شكل من الأشكال في إطار العلاقات المصرية- الأمريكية، بل إنه تحول إلى موضوع شبه ثابت على أجندة المباحثات الثنائية بين البلدين على أي مستوى من المستويات (الرئاسي أو الوزاري)، كما تحوَّل إلى مادة للأخذ والجذب بين الطرفين منذ أحداث 11 سبتمبر 2001م، وتبدل اتجاه ريح السياسات الأمريكية فيما بعد سبتمبر حتى تجاه حلفاء وأتباع واشنطن القدامى.

 

وأصبحت المعونة الأمريكية للخارج إحدى أهم قنوات السياسة الأمريكية للتأثير، واختلطت إلى حدٍّ كبيرٍ مع قضية الإصلاح السياسي وفرض الديمقراطية والتغيير واحترام حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، كجزء من الإستراتيجية الأمريكية الموسعة للحرب على ما يُعرف بـ"الإرهاب" التي هي في جزء رئيسي منها معركة معتقدات وأفكار.

 

وفي القوانين الأمريكية الجديدة المتعلقة بـ"معاداة السامية" (أكتوبر 2004م) وتقدم الديمقراطية (فبراير 2005م) جاءت المعونات الأمريكية للخارج على رأس قائمة الأدوات الملائمة من وجهة نظر البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية؛ للضغط على الدول لمحاربة أفكار معاداة الكيان الصهيوني، وتحقيق تقدم ديمقراطي وحقوقي على أي شكل من الأشكال، وكأداة أيضًا لمعاقبة الدول التي لا تلتزم بالمعايير الخاصة بهذه القضايا.

 

ومع انتفاء حاجة واشنطن لدور مصري إقليمي كبير، بخلاف ما كان الوضع في السابق ولعوامل أخرى لا مجال لتناولها هنا، توترت العلاقات المصرية الأمريكية بدرجة غير مسبوقة؛ بحيث لم يقُم الرئيس المصري حسني مبارك بزيارة الربيع السنوية له للولايات المتحدة منذ ثلاث سنوات، وقام نجله الأمين العام المساعد للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم ورئيس لجنة السياسات في الحزب جمال مبارك بدلاً منه بزيارة هذا العام في بادرة لافتة.

 

وتُعتبر المعونات الأمريكية بوجه عام واحدةً من أبرز أدوات الخارجية الأمريكية للتدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وباتت المعونات بالنسبة لمصر بالذات واحدةً من أهم هواجس الأمن القومي المصري، بعد تشعبها ووصولها إلى قلب الريف المصري والمجتمع المدني في البلاد وكذلك التعليم، والممثلة في عدد من البرامج ذات الطابع الاجتماعي والتنموي، مثل برنامج التنمية الذاتية ودعم وتمكين المرأة، بجانب برامج التدخل في العملية التعليمية في مصر على كافة المستويات، سواءٌ ما يتصل بالبرامج والمناهج أو الطلاب أو المدارس والأبنية التعليمية نفسها.

 

وعمومًا سمحت قوانين- مثل قانون تقدم الديمقراطية وأنشطة هيئات مصل هيئة المعونة الأمريكية الدولية (USAIDS)- للسفارة الأمريكية بالتدخل في الشأن المصري على غير المألوف؛ حيث تقوم السفارة الأمريكية والسفير الأمريكي فرانسيس ريتشاردوني بزيارات دورية تقريبًا للمدن والمحافظات المصرية المختلفة، وبلقاءاتٍ مبرمجةٍ مع القوى السياسية الحزبية والحقوقية المصرية، ومنظمات العمل الاجتماعي العام.

 

ففي أبريل الماضي زارَ فرانسيس ريتشاردوني وزوجته ماري ريتشاردوني الإسكندرية في الفترة من 26 إلى 28 أبريل 2006م، وتفقَّد السفير الأمريكي- بمصاحبة محافظ الإسكندرية اللواء عبد السلام المحجوب- عيادة "أيادي المستقبل" لمرضى السرطان والتي تلقَّت دعمًا من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ‏(‏هيئة المعونة الأمريكية‏)‏ يُقدَّر بحوالي 2.2 مليون دولار لشراء معدات تكنولوجية متقدمة لعلاج مرض السرطان، وقد تجوَّل السفير الأمريكي أيضًا في ميناء الإسكندرية والذي يشهد تجديداتٍ كبيرةً، وقد ساهمت الولايات المتحدة في مشروعات التجديد بالمعونة المالية وتقديم الخبرة الفنية.

 

وفي 13 أبريل أيضًا قام كلٌّ من محافظ القاهرة الدكتور عبد العظيم وزير والدكتور رضا أبو سريع وكيل أول وزارة التربية والتعليم ورئيس قطاع التعليم العام، والدكتور كينيث إليس مدير هيئة المعونة الأمريكية بوضع حجر الأساس لأول مجمع مدارس يتم إنشاؤه تحت رعاية برنامج تطوير التعليم المموَّل من قِبل هيئة المعونة الأمريكية، ويقع مجمع المدارس الجديد في موقع قصر الأميرة نعمت سابقًا بحي المرج، ومؤخرًا اعترفت الحكومة المصرية باستعانتها بخبراء تربويين لبعض الوقت في وضع المناهج الدراسية للمرحلتين الابتدائية والإعدادية.

 

وفي النصف الأول من مايو الحالي تفاعل ملف المعونة الأمريكية لمصر، سواءٌ على مستوى الإعلام أو المؤسسات الرسمية الأمريكية؛ حيث أولاً طالب تقريرٌ رسميٌّ أمريكيٌّ بوضع قواعد توضح درجة الاستفادة الأمريكية من المعونة الأمريكية المقدَّمة إلى مصر، والتي تبلغ حوالي 1.9 مليار دولار سنويًّا كأحد مقررات اتفاقية السلام الموقَّعة بين مصر والكيان الصهيوني برعاية أمريكية في العام 1979م.

 

وذكرت جريدة (واشنطن بوست) الأمريكية في عددها الصادر يوم السبت 13 مايو 2006م أن تقريرًا أعده مركز المحاسبة الحكومي الأمريكي أشار إلى حاجة المعونة الأمريكية المقدَّمة لمصر إلى وضع العديد من القواعد التي توضِّح درجة استفادة الأمريكيين من هذه المعونة، بدلاً من تحولها إلى معونة سياسية فقط دون استفادة فعلية منها.

 

وركَّز التقرير- الذي استند إلى شهادات من كل من وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين- على الجانب العسكري من المعونة الأمريكية والبالغ 1.3 مليار دولار، وقال إنه يمثِّل حوالي 80% من مخصصات الدفاع المصرية، كما أكد أنَّ هذا المبلغ مخصصٌ لتحديث الجيش وجعله قادرًا على إجراء المناورات المشتركة مع الجيش الأمريكي، إلى جانب شراء السلاح الأمريكي وإحلاله محل السلاح السوفيتي الذي يعتمد عليه الجيش المصري.

 

وقال التقرير إن المعدات العسكرية الأمريكية تشكل حاليًا 50% من معدات الجيش المصري، موضحًا أن المستهدف هو وصولها إلى 66% بحلول العام 2020م، وأشار التقرير إلى أن المعونة العسكرية أيضًا تشمل ضمان مرور السفن العسكرية الأمريكية في قناة السويس، بالإضافة إلى مرور الطائرات العسكرية الأمريكية في الأجواء المصرية، وهو ما أشار التقرير إلى أنه متحققٌ بالفعل، وظهر في أثناء عمليات عسكرية تمت ضد كل من العراق وأفغانستان والسودان