كتب- سمير سعيد

تشهد فلسطين المحتلة حاليًا فصلاً جديدًا من الإرهاب الصهيوني يشمل مجازر ضد المدنيين العزَّل بقصفهم من البر والجو والبحر وعودة سياسة الاغتيالات واستهداف للمقاومين النشطاء بشكل دقيق!!

 

وبينما يرتفع صوت القصف هنا وهناك ارتفع صوت آخر ليغطي على صوت القصف، ألا وهو صوت الخلاف على الاستفتاء، ليتحول إلى معركة سياسية يحاول فيها الرئيس محمود عباس "أبو مازن" الالتفاف حول ما أسفرت عنه الانتخابات التشريعية وصعود حماس وتوليها الوزارة ليحاول من خلال ما عرف بـ"وثيقة الأسرى" إسقاط حكومة حماس بعد أن فشلت- حتى الآن- مؤامرة الحصار والتجويع الذي شارك فيها أبو مازن نفسه، ومِن ورائه مجموعةٌ كبيرةٌ من قيادات حركة فتح، وذلك بالتنسيق بين أنظمة عربية إضافةً إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

 

وفي ظل كثرة الحديث عن تلك "الوثيقة" وما سبَّبته من أزمة بين الرئاسة وخلفها فتح وبين الحكومة وخلفها حماس وبقية الفصائل الفلسطينية تُطرح العديد من الأسئلة نفسها: ما هي قصة هذه الوثيقة؟ ومن أصدرها؟ وما هو مضمونها ومحتواها؟ ولماذا يحاول أبو مازن فرض الاستفتاء على هذه الوثيقة؟ وهل من حق الرئيس أبو مازن طرح الاستفتاء؟ وماذا إذا وقع الاستفتاء؟

 

وثيقة أسرى هداريم

أولاً يجب توضيح أن هذه الوثيقة خرجت من سجن "هداريم" الصهيوني بمبادرة فتحاوية من قِبَل مروان البرغوثي- أمين سر الحركة في الضفة- فعرضها على بعض الشخصيات من الحركات الأخرى من المعتقلين معه في نفس السجن, فوقَّعوا عليها، وبالتالي هي "وثيقة فتحاوية" بدعم من بعض الشخصيات الأسيرة داخل "هداريم" فقط, إذًا هي تمثل أسرى سجن "هداريم" فقط؛ لأنه لم يتم عرضها على بقية الأسرى في سجون الاحتلال والبالغ عددهم عدة آلاف، وبالتالي فإن تسمية "وثيقة الأسرى" تسمية غير دقيقة، والأصح هو تسميتها "وثيقة أسرى هداريم" أو "وثيقة هداريم الفتحاوية".

 

ثانيًا هذه الوثيقة في أساسها وُلدت كمبادرة لدعم الحوار بين الفصائل والحركات الفلسطينية، وليست بالتالي ملزمةً للقوى الفلسطينية وليست قانونًا أو كتابًا مقدَّسًا كما يحاول أبو مازن وحركة فتح إظهار ذلك.

 

ثالثًا هذه "الوثيقة" (إن جاز التعبير)- المكونة من 18 بندًا- بها نقاط خلل وتناقض كثيرة، وتقدم تنازلات كبيرة للاحتلال وتنازلات عن الثوابت الوطنية الفلسطينية.

 

مقدمة الوثيقة

وردت في مقدمة "الوثيقة" عدة جمل وعبارات توضح عدة أمور، منها:

- لم تنص "الوثيقة" على أنها باسم الحركة الأسيرة في كافة سجون الاحتلال.

 

- "استنادًا إلى إعلان القاهرة" توضح أن الأساس الذي تقوم عليه الوثيقة هو مؤتمر القاهرة للحوار.

 

- "قيادة منظمة التحرير الوطني الفلسطيني" هذه العبارة توضح الأسلوب الفتحاوي، وتوضح أيضًا أن البرغوثي الذي كتب "الوثيقة" اختلط عليه الأمر بين اسم حركته "حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح" واسم "منظمة التحرير الفلسطينية"، وهذا الخطأ في التعريف تكرر في البند الثاني من الوثيقة!!

 

- "آملين اعتبار هذه الوثيقة كلاًّ متكاملاً، وأن تلقَى دعمَ ومساندةَ وموافقةَ الجميع وتسهم بشكل أساسي في التوصل إلى وثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني" هنا جعل البرغوثي "الوثيقة" كلاًّ متكاملاً، أي أن على من يقبلها أن يقرَّ ويوافق بكل ما فيها- رغم أن بنودها تمس الثوابت الفلسطينية- أو يرفضها بكل ما فيها، كما يتضح أيضًا من خلال هذه الجملة أن "الوثيقة" ما هي إلا مجرد طرح قابل للأخذ والرد وكمقدمة لوثيقة وفاق وطني فلسطيني، أي أن هذه "الوثيقة" ليست نهائيةً، ومن هنا فإنه ليس من حق أبو مازن أن يطرحها للاستفتاء كما يفعل الآن.

 

بنود "الوثيقة"

كما سبقت الإشارة هناك غموضٌ وتناقضاتٌ ومغالطاتٌ في كثير من بنود "الوثيقة" باستثناء البنود (8 و9 و10 و11 و14 و18) أما بقية البنود فتحتاج إلى مناقشة خاصة، وأنها تبين أمورًا كثيرة والنية من وراء طرح مثل تلك "الوثيقة".

 

وفيما يلي بعض الملاحظات على بنود "الوثيقة":

في بندها الأول تقول: "إن الشعب الفلسطيني في الوطن والمَنافي يسعى من أجل تحرير أرضه وإنجاز حقه في الحرية والعودة والاستقلال وفي سبيل حقه في تقرير مصيره، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف على جميع الأراضي المحتلة عام 1967، وضمان حق العودة للاجئين، وتحرير جميع الأسرى والمعتقلين، مستندين في ذلك إلى حق شعبنا التاريخي في أرض الآباء والأجداد، وإلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وما كفلته الشرعية الدولية".

 

هذه البند فيها كثير من الغموض وعدم التوضيح للعديد من القضايا المصيرية للشعب الفلسطيني، كحقه في كامل ترابه الوطني، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وأراضيهم وممتلكاتهم التي سلبها الاحتلال، وأن الشعب الفلسطيني كلٌّ متكاملٌ بكافة أبنائه في الشتات وفي فلسطين 48.

 

ففي هذا البند تنازلٌ واضحٌ وصريحٌ عن بقية أرض فلسطين المسماة "فلسطين 48" وتخلٍّ واضح عن فلسطينيي 48، واعتراف ضمني بالكيان الصهيوني وإقرار بشرعية وجوده، ومع إشارة هذه البند إلى سعي الشعب الفلسطيني لإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 67 فإنه يفهم ضمنًا أيضًا أن عبارة عودة  اللاجئين التي جاءت بعدها ستكون إلى هذه الدولة.

 

البند (2) يحصر شرعية منظمة التحرير في انضمام حماس والجهاد لها، ويغفل بقية القوى والتيارات السياسية والتنظيمية الأخرى والقطاع الفلسطيني العريض غير المصنف ضمن هذه الأطر.

 

كما أن هذا البند يحاول تثبيت الادعاء بأن منظمة التحرير "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده" وهذا يتنافى مع الواقع الحالي، فهناك سلطة، وهناك حكومة فلسطينية منتخَبة بأغلبية فلسطينية لتعبر عن الشعب الفلسطيني وقضاياه، أما المنظمة فقد نشأت في وضع لم يكن فيه سلطة أو أي تمثيل رسمي للفلسطينيين، وبالتالي فإن الأولى أن يكون الممثل الشرعي والوحيد هو الحكومة وليست المنظمة التي ثبت فساد قادتها وعمالة بعضهم!!

 

كما حدد هذا البند نهاية عام 2006 لتشكيل المجلس الوطني الجديد 2006 بما يضمن تمثيل جميع القوى والفصائل والأحزاب الوطنية والإسلامية، وهنا دعوةٌ ظاهرها إيجابي، إلا أنها مع ربطها بالتمثيل النسبي واتباع "سياسة المحاصصة" تغيب مبدأ الانتخاب، وهو يعد في حد ذاته عودةً إلى تقاسم السلطة والنفوذ بين مجموعات وشخصيات معينة!!

 

البند (3) يحمل في طياته التناقضَ والغموضَ، فهو يقر بحق المقاومة في الأراضي المحتلة عام 67 بكافة أشكالها، بينما ينفيها ضمنًا عن فلسطينيي 48 بكافة أشكالها أيضًا!! ذكر هذا البند "المقاومة الشعبية الجماهيرية ضد الاحتلال" ولم يوضح المقصود من المقاومة الشعبية، رغم تكراره هذا المصطلح، وهو ما يتناقض مع ما جاء في بداية البند من "التمسك في خيار المقاومة بمختلف الوسائل" وهل "المقاومة الشعبية" التي يقصدها هي المقاومة المسلحة أو هي المقاومة من خلال المظاهرات السلمية ضد الاستيطان والمجاز وبناء الجدار؟!

 

مبادرة السلام العربية

تحدث البند (4) عن "الإجماع الوطني الفلسطيني" على أن هناك مثل هذا الإجماع وأنه أمرٌ مسلَّمٌ، وبالرجوع إلى تصريحات أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية وأبرز شخصية في فتح نجد أن هذا الأمر غير قائم وما يعززه خطاب أبو مازن أمام مؤتمر الحوار الوطني (25/5/2006م) الذي أكد فيه أن ثوابته تختلف عن ثوابت إسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية وأحد أبرز قادة حماس, فأين الإجماع إذًا؟!

 

وتحدث البند عن "الشرعية العربية وقرارات الشرعية الدولية المنصفة لشعبنا" والمقصود بالشرعية العربية هي مبادرة السلام العربية التي طُرحت في بيروت، والتي أَسقطت حق العودة وتدعو للاعتراف بالكيان، وبهذا يتناقض هذا البند مع البند الأول الذي يدعو إلى ضمان عودة اللاجئين!!

 

وتحدث هذا البند عن الشرعية الدولية للمرة الثانية بعد البند الأول، على افتراض أنها منصفة للحقوق الفلسطينية، وهذا قولٌ منافٍ للحقيقة؛ لأنها دائمًا ما كانت المؤسسات الدولية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والدول الداعمة للصهاينة والمتآمرة على الحقوق العربية والفلسطينية وواقع الحال يؤكد هذه الحقيقة.

 

البند (5) يظهر فيه بوضوح الأسلوب الفتحاوي من التأكيد على "احترام مسئوليات وصلاحيات الرئيس المنتخب بإرادة الشعب الفلسطيني بانتخابات حرة ديمقراطية ونزيهة" وهذه الجملة تحمل ضمنًا مطالبةً بتفويض الرئيس أبو مازن في كل شيء للالتفاف على حكومة حماس المنتخَبة، مع التأكيد على أن الرئيس منتخَبٌ "بإرادة الشعب الفلسطيني بانتخابات حرة ديمقراطية ونزيهة"، وذلك دون التأكيد على أن المجلس التشريعي وحكومة حماس منتخبان بإرادة الشعب وفي انتخابات نزيهة بالفعل على عكس ما حدث في انتخابات الرئاسة التي شابها التزوير والتلاعب.

 

أيضًا يزعم هذا البند أن السلطة شُيِّدت بدماء وتضحيات وعذابات الشعب الفلسطيني، وهذه مغالطة أيضًا؛ حيث جاءت هذه السلطة وفق اتفاق أوسلو الذي فرض الاعتراف بالكيان الصهيوني والتعامل معه, كما أن هذه السلطة تنازلت عن 78% من أرض فلسطين التاريخية وجاءت على حساب الشعب؛ حيث جاءت لقمع المقاومة واعتقال الوطنيين وترأستها شخصياتٌ استولت على مقدَّرات الشعب الفلسطيني وأذاقته صنوف العذاب.

 

اشترط البند (6) قيام حكومة الوحدة الوطنية على أساس "الوثيقة"، رغم القصور والتناقض والغموض فيها!!

 

يقر البند (7) مبدأ التفاوض الذي يرفضه قطاع عريض من الشعب الفلسطيني، على خلفية المجازر اليومية وضياع الحقوق الفلسطينية في أنفاق التفاوض المظلمة، كما يحاول هذا البند إقحام أبو مازن في التفاوض مع الكيان، وهو أمرٌ ليس من اختصاصه وإنما يعود للمنظمة، والأمر الإيجابي الوحيد في هذا البند هو الدعوة إلى عرض أي اتفاق مصيري على المجلس الوطني الجديد أو إجراء استفتاء عام، وذلك دون طرح قانون أو تشريع ينظم مثل هذه الخطوة، وهو ما لم يحدث في السابق على اتفاقات ضاعت فيها معظم أراضي فلسطين تمت بين السلطة والمنظمة من جهة، وبين الكيان الصهيوني من جهة أخرى.

 

يدعو البند (12) إلى التمسك بأمور عامة غير محددة كـ"الإجماع العربي والعمل العربي المشترك" و"دعوة الحكومات العربية لتنفيذ قرارات القمم العربية السياسية والمالية والاقتصادية والإعلامية" ويفهم منه ضمنًا المطالبة بدعم وتأييد المبادرة العربية للسلام المشار إليها آنفًا.

 

في البند (13) رفضٌ للتدخل في الشئون الداخلية وليس هناك توضيحٌ للمقصود بهذا التدخل، مع عدم توضيح الموقف من وساطة وتدخل أطراف دولية كالولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وأطراف عربية كمصر التي تستضيف مؤتمرات الحوار الفصائلي وتضغط على بعض الأطراف الفلسطينية.

 

يتناقض البند (15) مع ما جاء في البند الثالث الذي نص على "خيار المقاومة بمختلف الوسائل"، يؤكد هذا البند أن غزة محررة، وهذا يناقض الواقع، فما زالت السيطرة بيد الاحتلال والقصف اليومي متواصلةً، فيما يحاصر الاحتلال القطاع من كافة الجوانب برًّا وبحرًّا وجوًّا، ومجزرة الشاطئ وعمليات القصف اليومية خير دليل، كما أن السيطرة على المعابر ما زالت بيد الاحتلال، هذا البند يُسقط أيضًا منطقة 48 ويحصر الحديث عن فلسطين في منطقة 67 فقط!!

 

يهدف هذا البند إلى وقف عسكرة الانتفاضة ووقف الانتفاضة المسلَّحة ونزع سلاح المقاومة، وهو طرحٌ "فتحاوي" صِرف، أكد عليه أبو مازن مرارًا وتكرارًا، وبهذا يوضح هذا البند المقصود بـ"المقاومة الشعبية" الواردة في البند الثالث.

 

في البند (16) خلطٌ واضحٌ بين الفلتان الأمني صنيعة الأجهزة الأمنية الرسمية التي تسيطر عليها فتح وبين العمل المقاوم، واتهام المقاومة بأنها مسئولة عن الفلتان الأمني الذي قادته الأجهزة الأمنية، حتى فيما بينها في إطار الصراع على الصلاحيات والنفوذ، وليس أدلَّ على ذلك من إعدام موسى عرفات وتيسير خطاب!!

 

كما أن في هذا البند قفزًا على الحقائق، من خلال الزعم بأن الأجهزة الأمنية كانت تقوم بحماية الوطن والمواطنين، وهو زعمٌ يخالف الحقيقة؛ حيث تورطت الأجهزة الأمنية برئاسة قادتها الفتحاويين في تسليم مقاومين وتبادل المعلومات مع الأجهزة المخابراتية الصهيونية والأمريكية ضد المقاومة الفلسطينية وقادتها، وليس اغتيال الشيخ ياسين والرنتيسي وأبو علي مصطفى وجمال أبو سمهدانة وغيرهم كثيرين ببعيد!!

 

يدعو البند (17) إلى" الالتزام بالمرجعية السياسية المنتخَبة التي حددها القانون" ولم يحدد مَن هي هذه المرجعية، هل هي الرئيس أبو مازن بوصفه رئيسًا لمجلس الأمن القومي؟! وإذا كان كذلك فإن هذه الدعوة هي بمثابة محاولة "فتحاوية" للالتفاف على صلاحيات الحكومة وإدارتها للأجهزة الأمنية لوضع كل الأمور الخاصة بالأجهزة بِيَد أبو مازن لتصبح السيطرة الأمنية في يد فتح لاستغلالها بشكل يسيء للقضية الفلسطينية، كما كان يحدث إبان عهد السيطرة الفتحاوية على كافة مؤسسات السلطة.

 

"وثيقة فتحاوية"

هذه هي "الوثيقة" محل الخلاف، والتي أعلن ممثلو حماس والجهاد في سجن "هداريم" الانسحابَ منها لتبقى "وثيقة فتحاوية" موقَّعةً من شخصية فتحاوية، يروّج لها قادة فتح، وعلى رئسهم رئيس السلطة أبو مازن, ويبذلون كل المحاولات لفرضها على الشعب وبقية الفصائل الفلسطينية التي رفض خمسٌ منها الاستفتاء على هذه الوثيقة.

 

أما بخصوص مدى صحة قرار أبو مازن الدعوة للاستفتاء فهو قرارٌ غير دستوري وغير شرعي، ولا يملك أبو مازن حق الدعوة لاستفتاء كهذا؛ لأنه وفقًا للقانون الأساسي الفلسطيني (الدستور الفلسطيني) "لا صلاحية دون نص"، ولم يرِد في القانون الأساسي ما يشير إلى جواز أو وجوب الأخذ بنظام الاستفتاء الشعبي، وما هي الجهة صاحبة الصلاحية في ذلك؟ كما هو الحال في الدساتير في كل من مصر وسوريا وتونس والجزائر واليمن، وبالتالي فإن محاولة أبو مازن غير دستورية وغير قانونية، تحركها أهواء جهوية لحساب حركة فتح.

 

الخلاصة أن هذه "الوثيقة" هي "فتحاوية" الهوى والهوية، وبالتالي لا يمكن أن تكون أساسًا لمشروع وطني بل هي مشروع لحرب أهلية ومحاولة لاستغلال الأسرى سياسيًّا لحساب حركة شاخت سياسيًّا وأصبحت عبارة عن مرتع لمافيا فلسطينية، تأبى أن تترك السلطة والنفوذ حتى بعد انكشاف فضائحها، وما زالت تتاجر بالشعارات الثورية والوطنية!!

 

من الواضح أن المحرك الرئيسي للعبة الاستفتاء هذه هو طموح أبو مازن ومِن ورائه حركته فتح أن يؤدي الاستفتاء إلى إسقاط حكومة حماس؛ لذلك كان وراء إفشال مؤتمر الحوار الوطني ليجعل البديل هو الاستفتاء حول تلك "الوثيقة"؛ لذلك سارعت واشنطن والعواصم الغربية والعربية بدعم أبو مازن في خطوة الاستفتاء ومواصلة التضييق على حماس، وكان الاستفتاء سيعيد فتح للسلطة، وهو توقع يتميز بالغباء السياسي، وربما يقضي على ما تبقى من فتح وينتهي المستقبل السياسي لأبو مازن، إذ كيف سيتم انتخاب فتح بعد انتخابات فشلت فيها فشلاً ذريعًا قبل أقل من خمسة أشهر؟! وكيف ستفوز فتح وهي ما زالت منقسمةً وما زال الفاسدون يسيطرون على قيادتها؟! وكيف سيصوِّت الشعب الفلسطيني لقيادات فتح بعد فتح ملفات فسادهم وإهدارهم للمال العام؟! وكيف سيصوِّت الشعب الفلسطيني لفتح وقادتها بعد أن علم أنهم متواطئون في مؤامرة الحصار والتجويع؟!

 

ولا شك في أن المواجهة السياسية بين فتح وحماس ستدخل مرحلةً جديدةً حول مسألة إجراء الاستفتاء العام على تلك "الوثيقة" وهو ما سيُلقي بظلاله على الساحة السياسية الفلسطينية.

 

ويبقى سؤال أهم: ماذا لو تم إعادة انتخاب حماس للمرة الثانية بعد الاستفتاء والدعوة لانتخابات برلمانية ورئاسية جديدة؟ هل ستسلم فتح وقادتها بالنتائج أو ستواصل التآمر من جديد، خاصةً أن كل المؤشرات تفيد بحتمية فوز حماس في أي انتخابات قريبة؟!