- أولمرت يعتقل نوابًا ووزراء في حكومة حماس للإفراج عن جندي!!
- الطائرات الحربية الصهيونية تحلِّق فوق أحد قصور بشار الأسد.
تقرير- أحمد التلاوي ومحمد عزت
ثمانية وعشرون أسيرًا- وربما ثلاثون- من النوَّاب والوزراء الفلسطينيين.. أي أكثر من ثُلُث الحكومة الفلسطينية المحميِّين بموقف كافة أعراف القانون الدولي، وبالذات اتفاقيات جنيف الأربع الموقَّعة في العام 1949م، أخذتهم سلطات الاحتلال الصهيونية من بين صفوف الفلسطينيين- وكلهم من حركة حماس- صباح اليوم الخميس 29 يونيو 2006م، ومن قَبلُ غارةٌ إنذاريةٌ على شمال سوريا وتحليقٌ للطائرات الحربية الصهيونية فوق أحد قصور الرئاسة السورية، واجتياحٌ موسَّعٌ لقطاع غزة ومناطقَ في الضفة الغربية، كل هذا وغيره يجري الآن بحذافيرِه في الشرق الأوسط الذي يبدو وكأنَّ أبواب الجحيم قد انفتحت فيه.
حيث تسارعت الأحداث داخل الأراضي الفلسطينية المحتلَّة بصورةٍ لم يكن يتوقعها أحدٌ من المراقبين أو حتى المُحَلِّلين، وأخذت شكلاً دراميًّا متسارعًا لا يمكن لأحد أن يتوقَّع إلى أيِّ مدى سوف تصل إليه، وذلك منذ نجاح عملية معبر "كرم أبو سالم" وأَسْر الجندي الصهيوني جلعاد شاليت الذي لمع اسمه وعلق في أذهان الفلسطينيين، وفي مقدمتهم أهالي الأسرى في سجون الاحتلال.
حيث جدَّد الآمال في فتح مفاوضات مع الحكومة الصهيونية- التي اتهمت رئيسَ المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس خالد مشعل بالمسئولية عن هذه العملية- للإفراج عن الأسيراتِ والأطفال المعتقلين في سجون الاحتلال، إلا أن رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت أعلن رفضَه لأيِّ حديثٍ عن إطلاق سراح أي أسيرٍ مقابل الجندي الصهيوني، وتَوَعَّد باستخدام وسائل "بالغة الشدة" لاستعادةِ الجندي الصهيوني الأسير، وجاء الردُّ الصهيونيُّ في صورة هُجومٍ مُوَسَّع أُطْلِق عليه "أمطار الصيف"، بدأته قوات الاحتلال الصهيونية من فجر يوم أمس الأربعاء 28/6/2006م على قطاع غزة، وأعلنت أنه على مراحل عدِّة، وهذا هو أكبر توغُّلٍ داخل القطاع منذ نجاح المقاومة الفلسطينية في إجبارِ الاحتلال الصهيوني على الرحيل عن القطاع، واضطراره للجلاء عن غزة في سبتمبر من العام 2005م الماضي.
ومنذ تلك العملية والوضعُ في تَصَاعُدٍ مستمرٍّ على كافة الأصعدة سياسيًّا وميدانيًّا من جانب الحكومة الصهيونية، والتي قامت باتصالاتٍ عدة إقليميًّا وعالميًّا، للضغط على السلطة الفلسطينية؛ للسعي للإفراج عن الجندي الصهيوني شاليت، وكأنه أفضل من كلِّ من اختطفتهم وقتلتهم قوات الاحتلال الصهيوني من المدنيين الفلسطينيين، رغم كونه عسكريًّا تمَّ أسرُه من داخل دبابته.
تصعيد إقليمي
واستمرَّ الكيان الصهيوني في محاولات تَدْميرِ النظام السياسي الفلسطيني، وتَقْوِيض حكومة حماس الفلسطينية المنتخبة، وخَلْقِ فراغٍ في السلطة يدفع الفلسطينيين للتذمُّرِ من تراجع الخِدْمات الحكومية المتعبة أصلاً من الحصار المالي المفروض على الحكومة الفلسطينية، ودَفْع بعض أوساط حركة فتح لاستغلال الموقف للقفز على شرعية حماس.
ثم نَحَت الحكومة الصهيونية إلى المزيد من التصعيد الإقليمي، والوجهة هذه المرة سوريا وليس غزة أو الضفة، حيث قال وزير العدل الصهيوني حاييم رامون: إن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل الموجود بدمشق على قائمةِ الاغتيالات التي تعتزم أجهزةُ الحرب الصهيونية تنفيذَها، حيث اتهم رامون مشعل بالمسئولية عن هجوم معبر كرم أبو سالم، ودعا لضغوطٍ دوليةٍ على دمشق لطرد مشعل من الأراضي السورية، مما يعطي انطباعًا أكيدًا بأن القصد من وراء هذا الاتهام هو التصعيد ضدَّ دمشق.
وقد تزامن ذلك مع إعلان الكيان الصهيوني على الملأ أمام العالم أجمع أن مقاتلاتٍ حربيةً تابعةً لها قد حلَّقت الأربعاء 28/6/2006م فوق قصرِ الرئيس السوري بشار الأسد القريبِ من اللاذقية شمال سوريا، وبرَّر الكيان الصهيوني هذه العملية، كما قالت المتحدثة باسم جيش الحرب الصهيوني: "بسبب ما تقدمه سوريا من دعم وحماية إلى حماس المسئولة عن خطف جنودنا، وإلى منظمات "إرهابية" أخرى"، على حدِّ زعمها.
وجاءت هذه الحادثة بعد أن هدَّد مسئولون صهاينة باستهداف قادة حماس بدمشق وعلى رأسهم خالد مشعل الذي اتهمته تل أبيب بإعطاءِ الأوامر لتنفيذ العملية الفدائية قرب غزة، والتي أسفرت عن مصرع ثلاثة صهاينة وأَسْر رابع.
ضد القانون الدولي!!
وفي صورةٍ أخرى من الصور التي تعبِّر عن حجم الإرهاب الصهيوني قام جنود الاحتلال بحملة اعتقالات ضدَّ عناصر الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة حماس، ليرتفعَ عددُ المعتقلين من وزرائها ونوابها ورؤساء البلديات المنتمين للحركة إلى 64 منذ فجر اليوم الخميس 29/6/2006م، من بينهم 8 وزراء وأكثر من عشرين نائبًا.
وقالت مسئولةٌ عسكريةٌ صهيونيةٌ: إن هذه الإجراءات جاءت "لأنه ثَبَتَ أنَّ حماس ضالعةٌ" فيما دعته بـ"الإرهاب"، لا سيما في هجوم الأحد على معبر كرم أبو سالم، وتَابَعت المسئولة- التي رفضت الكشف عن اسمها-: "إن "إسرائيل" لا تنوي استخدامَ كوادر حماس من وزراء ونواب ورؤساء بلدية لمبادلتهم من أجل الإفراج عن الجندي الأسير لدى الفصائل الفلسطينية"، مما يشير إلى وجودِ أهدافٍ أخرى ذاتِ طابعٍ سياسيٍّ وراء هذه العملية.
وهو ما تكشفه تصريحات هذه المسئولة، حيث أوضحت- وِفْقَ ما تناقلته وكالات الأنباء- أن من أسمتهم بـ"الموقوفين" سوف يُحَالُون إلى القضاء، "ونأمل أن يتمَّ تمديد حجزهم الاحترازي"، حسب تعبيرها، مما يعني رهائنَ سياسيين وليس أمنيين، كما في نموذج حالة قيادي فتح مروان البرغوثي المعتقل حاليًا لدى الكيان الصهيوني.
مُخَطَّط فلسطيني!!
وهذا الحدث يهدف ضمن ما يهدف له إلى إفشالِ حكومة حركة حماس، رغم شرعيتها التي تعود إلى صناديق الاقتراع، واستبدال حكومة أخرى بها، تقبل "التفاهم" مع الكيان الصهيوني، ويدل الوضع السياسي العام في الأراضي الفلسطينية على وجودِ مُخَطَّطٍ آخرَ أكثرَ خطورة في هذا الصدد؛ لأنه ينبع من الداخل الفلسطيني، ويتماهى مع الخطط الصهيونية، وهو المُخطط الذي بدأت تروِّج له أوساطٌ قياديةٌ عُلْيَا في حركة فتح، وعبَّر عنه صراحةً عزَّام الأحمد رئيس كتلة حركة فتح في المجلس التشريعي الفلسطيني.
فقد نقلت إخبارية (الجزيرة) الفضائية عن عزام الأحمد تصريحًا له دلالتُه في هذا التوقيت، قال فيه: "الفلسطينيين الآن أمام فراغٍ قانوني، وشللٍ في عمل الحكومة الفلسطينية يجب التصرف فيه بسرعة"، وأضاف أنه يدعو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن "لاستغلال صلاحياتِه القانونية كرئيس منتخب للسلطة الفلسطينية"، و"نَقْل صلاحيات الحكومة الفلسطينية برئاسة حماس إلى منظمة التحرير الفلسطينية"، وأخيرًا إيجاد دور لأبو مازن ذاته في إدارة دولاب العمل اليومي الفلسطيني، دون التخلِّي عن الوزراء والنواب المعتقلين.
هذا الحديث من الخطورة بمكان؛ لأنه يدل على وجود "موجة واحدة" للتفكير لدى بعض الأوساط الفلسطينية مع الصهاينة، مما يدل على أن الأمرَ أكبرُ بكثيرٍ من مجرد اجتياح غزة أو اعتقال عددٍ من النواب والوزراء على خطورة هذا الحدث.
إن الهدف الرئيس هو تصفيةُ تجربةِ حماس في الحكم، مع ما يعنيه ذلك من القضاءِ على الانتصار الذي أحرزه مشروع المقاومة الفلسطينية المسلَّحة بوصول حركة المقاومة الاسلامية حماس إلى الحكم في الأراضي الفلسطينية.
ولكنَّ المراقبين لا يقفون عند هذا الحدِّ، بل يؤكدون أن العصا سرعان ما سوف تنقلب على الساحر، وهناك من المؤشرات ما يؤكد خطأ الرهانات الصهيونية والفتحاوية معًا في هذا الصدد، لأن الشعب الفلسطيني احتضن المشروع المُقاوِم منذ عقودٍ طويلة، ولن يكونَ هناك فارقٌ بين الضرب في غزة اليوم، والضرب في أعوام 1955م، و1956م، و1967م وغيرها من أعوام الكفاح الفلسطيني الطويل ضدَّ المحتل الصهيوني.
كما أن البُعْدَ الشعبيَّ لحركة حماس وأرضيتها الجماهيرية يضمنان بقاء الحركة ومشروعها للحكم في فلسطين، حتى لو انتهت قواعدها البيروقراطية، كما أنه ليس هناك نَصٌّ قانونيٌّ يقول بشغور منصب الوزير أو النائب إذا ما تمَّ اعتقالُه، فهناك نوابٌ فلسطينيون معتقلون من الأصل، كما أن توزيع المهام الوزارية على حكومة تسيير أعمال سيكون من السهل على حكومة حماس ترتيبُه في ظلِّ هذه الظروف.
إن أجواءً دمويةً غامضةً خلقتها الآلةُ العسكريةُ الصهيونية في المنطقة، فهل الكيان الصهيوني قادر على تحمُّل تبعاتها؟.. هذا ما سوف تردُّ عليه المقاومةُ الفلسطينية.