كتب- أحمد التلاوي

لم يكن أشدُّ الأطراف تفاؤلاً في الشرق الأوسط ليتصوَّرَ أو يتوقعَ بعضًا من ملامح نتائج ومقررات قمة مجموعة الثماني الكبرى التي عُقِدَتْ على مدار الأيام القليلة الماضية في مدينة سان بطرسبرج الروسية مسقط رأس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ترأس بلاده حاليًا المجموعة التي تضمُّ أكبر الرؤوس الاقتصادية في العالم، والتي تسيطر على نحو ما بين 60% إلى 70% من حجم الاقتصاد العالمي، وعلى حوالي 90% من ترسانته النووية والصاروخية.

 

ولعل أبرز "مفاجآت" القمة هو ذلك الموقف الذي تمخَّض عنها في شأن الصراع الحالي في الشرق الأوسط، في ظل استمرار الاعتداءات الصهيونية في كلٍّ مِن قطاع غزة وكامل لبنان وليس جنوبه فقط؛ حيث صدر بيانٌ عن القمة يدعو- ضمن شروط أخرى حدَّدتها المجموعة لاستعادة الاستقرار في الشرق الأوسط- الكيانَ الصهيونيَّ إلى وقفِ إطلاق النار ودعم مهمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في لبنان لإنهاء الأزمة الراهنة هناك، مع دعوة الكيان الصهيوني لضبط النفس وعدم استهداف المدنيين والبُنَى التحتية في لبنان، وهو موقفٌ أكَّد عليه بالذات كلٌّ مِن الرئيس الفرنسي جاك شيراك والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان.

 

 جاك شيراك

 

هذا الموقف رأَى فيه الكثيرُ من المراقبين أولاً سحبًا لقسم كبير من الدعم الدولي للكيان الصهيوني، بما يزيد من وطأة الضغوط الراهنة على الصهاينة وقياداتهم السياسية والعسكرية، بعد تنامي الأنشطة العسكرية لحزب الله وتحقيقها للمفاجأة الإستراتيجية عبر الاستخدام المكثَّف للصواريخ لضرب أهدافٍ حيويةٍ صهيونيةٍ، كما رأَوا في هذا الموقف- ثانيًا- مع الملابَسات التي أحاطت به وبصدوره شقًّا كبيرًا أحدَثَه هذا الموقف بين قادة دول مجموعة الثماني الكبرى، مع تفسير كل من هؤلاء القادة لمُقرَّرات القمة على النحو الذي يرغبه.

 

فالرئيس الفرنسي رأَى فيما صدر عن قمة الثماني دعوةً صريحةً للكيان الصهيوني لوقف إطلاق النار، أمَّا الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن- الذي استهلَّ مشاركته في القمة بالقول إنَّ "إسرائيل تُدافع عن نفسها في مواجهة "الإرهاب" وحزب الله هو سبب الأزمة"- فقال إنَّ موقف قمة الثماني يعني أنَّ المجموعة أعطت للكيان الصهيوني الحقَّ في اختيار الوقت المناسب لإطلاق النار، وهو ما لم يرد في البيان الختامي الصادر عن القمة أو في تصريحات أيٍّ من القادة المشاركين فيها.

 

رسائل عديدة

فيما يتعلق بالشرق الأوسط كان هناك العديد من الرسائل التي وجَّهتها قمة الثماني في مدينة سان بطرسبرج عبْر أكثر من موقف وعلى أكثر من اتجاه، وكان الموقف الأول هو تأكيد الولايات المتحدة لموقفها الداعم للكيان الصهيوني، ولكن وفْق شروط تُمَثِّل برغم كل شيء انقلابًا في السياسة الخارجية الأمريكية.

 

فمن جهة رَسَّخَتْ الولاياتُ المتحدة موقفَها القائل بأنَّه من "حقِّ الكيان الصهيوني الدفاع عن نفسه"، وتبنَّت في مجلس الأمن الدولي مواقف أدَّت إلى تعطيل مشروع القرار العربي لإدانة الجرائم الصهيونية في قطاع غزة، وعَطَّلَت المجلسَ كله فيما يتعلق بالموقف في لبنان، ولكنها في المقابل دعَت الكيانَ الصهيونيَّ إلى ضبط النفس وعدم استهداف المدنيين، مع أهمية عدم إضعاف حكومة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة.

 

وهو موقف تبنَّته مختلف البلدان المشارِكة في القمة، ودعمت من خلاله الأمم المتحدة التي دَعَتْ على لسان أمينها العام كوفي عنان الكيانَ الصهيونيَّ إلى عدم استهداف المدنيين أو البُنَى التحتية اللبنانية.

 

على مستوى آخر عاد الرئيس الفرنسي إلى القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في الثالث من سبتمبر من العام 2005م، فيما يتعلق بما وَرَد في القرار في صدَدِ "نزع سلاح كافة الميل