كتب- أحمد التلاوي
بعد مفاوضات ماراثونيَّة مُرهقة ملأت أخبارُها ونقاشاتُها وسائل الإعلام وجلسات "السَّمَر" والنقاش السياسي في العالم العربي وخارجه أعلنت حركتا المقاومة الإسلامية، حماس وفتح أنَّهما قد توصلا لاتفاقٍ توافُقي على اختيار الدكتور محمد عيد شبير الرئيس السابق للجامعة الإسلاميَّة بغزة لتولِّي منصب رئاسة حكومة الوحدة الوطنيَّة الفلسطينيَّة المقبلة خلفًا لإسماعيل هنية.
وقد جرى اختيار شبير- المرشح الذي كانت حركة حماس تفضِّلُه- بعد رفض رئاسة السلطة وقيادة حركة فتح مقترح حماس السابق بأنْ يخلف الدكتور باسم نعيم وزير الصحة الفلسطيني رئيس الحكومة إسماعيل هنية في منصبه هذا بعد أن أعلن هنية يوم الجمعة الفائت عن استعداده للتخلي عن رئاسة الحكومة الفلسطينية ما دام ذلك في صالحِ الشعب الفلسطيني، ولا سيما فيما يتعلق بمسألةِ الحصار الذي تفرضه القوى الغربية والكيان الصهيوني على الفلسطينيين بمشاركةٍ عربيَّة حتى الآن بعد عجزِ النظام الرسمي العربي على التحلِّي بالإرادة اللازمة لذلك.
وقد جاءت تسمية شبير لذلك المنصب في أعقاب المحادثات التي جرت بين قيادات حماس وفتح يوم الأحد الماضي 12/11/2006م، بحضور كلٍّ من هنيةٍ ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس اللذان أجريا مُحادثات منفصلة انتهت إلى التوافُق السابق على شبير كمرشحٍ لرئاسةِ الحكومة الجديدة المُتَوَقَّع إعلانها في غضون أيام، والتي يُعَلِّق عليها الفلسطينيون آمالاً طوالاً لفك الحصار، ثُمَّ أعلن شبير نفسه موافقته على هذا الترشيح يوم الإثنين 13/11 ليضع نفسه في مواجهة الدفاعات الهائلة للأزمة الفلسطينيَّة، التي أَعْضَلَت الكثيرين من قبله في منصبه هذا وفي غيره من مفاصل الحياة السياسيَّة الفلسطينيَّة.
وقبل التطرُّق لمضمون شخصيَّة رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد، ومواقفه المتوقَّعَة من جُملة الأزمات الراهنة في الداخل والخارج الفلسطينيَّيْن، فقد وجب الإشارة إلى حقيقةٍ مُهمَّة في هذا الصدد ومفادها أنَّ هناك العديد من الإشارات التي يمكن من خلالها استشفاف أنَّ اختيار شبير ليس هو "النهاية السعيدة" لمشاكل الفلسطينيين بما في ذلك المستوى الخاص بالسياسة الداخلية وانقسامات الساحة السياسيَّة الفلسطينيَّة.
ولعل أبرز هذه الإشارات المخاض الصَّعْب الذي جاء به محمد شبير ذاته إلى هذا الموقع المهم من الحياة السياسيَّة الفلسطينيَّة، إضافةً إلى استمرار ذات جذور الأزمة الفلسطينيَّة في الوقت الراهن على الجانبين الداخلي والخارجي كما سنرى.
مَن هو محمد شبير
هو الأستاذ الدكتور محمد عيد شبير الرئيس السابق للجامعة الإسلاميَّة في قطاع غزة والتي أسسها الشيخ الشهيد أحمد ياسين مؤسس حركة حماس وعدد من رموز العمل الأكاديمي والإسلامي في قطاع غزة، وشبير هو أحد أبرز الرموز الأكاديميَّة المُقَرَّبَةِ من حركة حماس في داخل القطاع.
الدكتور محمد شبير من مواليد العام 1946م، وحاصل على بكالوريوس الصيدلة من جامعة الإسكندرية المصريَّة في العام 1968م، وقد استكمل دراساته العليا في جامعة ويست فرجينيا الأمريكيَّة حيث نال منها شهادة الدكتوراه في التحاليل الطبية.
وقد عَمِلَ شبير بعد عودته مُحاضرًا بالجامعة الإسلاميَّة في غزة، وتَدَرَّج في مناصبه فيها حتى تمَّ تعيينه في منصب أستاذ مساعد ومشارك في كليَّة العلوم/ قسم التحاليل الطبية بالجامعة، ثمَّ تمَّ اختياره رئيسًا لقسم التحاليل الطبية بالجامعة، ثم عميدًا لكلية العلوم فيها، ثمَّ القائم بأعمال رئيس الجامعة، حتَّى تولَّى منصب رئاسة الجامعة في العام 1993م؛ حيث أحدث فيها العديد من التطويرات الكبيرة على المستويَيْن الأكاديمي والعمراني، وقد أنجز خلال فترة رئاسته للجامعة أكثر من 15 بحثًا في مجال التَّحاليل الطبيَّة.
وقد ترك منصبه هذا في منتصف شهر أغسطس 2006م الماضي بعد بلوغه سن الستين، وكان من اللافت أنَّه بالرغم من إنجازاته فيها فقد رفض التجديد بالرغم من إلحاح إدارة الجامعة ومجلس أمنائها عليه في هذا المُقام، ثُمَّ تفرَّغْ للتَّدريس والبحث العلمي.
وللدكتور شبير علاقات دوليَّة وعربيَّة واسعة النطاق، كما كان عضوًا في جمعيَّة الميكروبيولوجي الأمريكيَّة، بجانب كونه عضو في مجلس التَّعليم العالي الفلسطيني منذ العام 1993م عندما تولَّى منصب رئاسة الجامعة الإسلاميَّة في غزة.
وبالرغم من ابتعاد هذا الأكاديمي الفلسطيني الذي وجد نفسه فجأةً في أحد أخطر المناصب السياسيَّة في الشرق الأوسط عن العمل السياسي والأمور السياسيَّة، فإنَّه من جانب آخر فقد تربَّى في بيتٍ دعويٍّ وسياسي راقٍ؛ فوالده هو الشيخ عيد شبير، وكان من أبرز رموز الإخوان المسلمين في قطاع غزة.
ملفاتٌ عويصة
على الرغم من حالة التفاؤل التي تسود الساحة الفلسطينيَّة بعد التَّوافُق على شخصيَّة الدكتور محمد شبير وانتهاء تقريبًا المشاورات الخاصة بحكومة الوحدة الوطنيَّة الفلسطينيَّة الجديدة إلا أنّ هناك العديدَ من الظواهر- كما سبق القول- تؤكد أنَّ الطريق أمام رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد لن يكون سهلاً.
فعلى المستوى السياسي الداخلي لا توجد تعَهُّدات أو ضمانات حقيقيَّة على قيادات حركة فتح أو رموز الفساد فيها لعدم تكرار الممارسات السابقة التي أدَّت إلى حالة الفوضى السياسيَّة والأمنيَّة التي سادت قطاع غزة في السنوات السابقة من قبل تولِّى حركة حماس للسلطة في الأراضي الفلسطينيَّة، فتلك العناصر التي تقف وراء حالة الفوضى هذه لا يهمها العملية السياسيَّة في الأراضي الفلسطينيَّة قدر اهتمامها بمصالحها.
كما أنَّ عناصرَ عدم الاستقرار هذه لا تخضع بشكلٍ كاملٍ لسيطرة قيادة الحركة أو قيادة منظمة التحرير الفلسطينيَّة مُمَثَّلَة في أبو مازن.
ومن ثمَّ فإنَّ أجندة هذه العناصر- مثل محمد دحلان وجبريل الرجوب وغيرهما من قادة المؤسسات الأمنيَّة والسياسيَّة الفلسطينية في العهد السابق قبل تولِّي حماس السلطة- لا تتطابق حتى مع أبسط عناوين أجندة حركة فتح، بل هي أقرب إلى الأجندة الصهيونيَّة وفق ما تعطيه بعض الرسائل المُتبادلة بين بعضهم وعدد من أعضاء الحكومة الصهيونيَّة مثل مراسلات دحلان مع وزير المواصلات الصهيوني شاؤول موفاز إبان تولي هذا الأخير لوزارة الحرب الصهيونيَّة، وهناك صور أصليَّة لهذه المراسلات موجودة لمَن أراد الاطلاع عليها.
فما بال حال موقف هؤلاء مع حكومة وحدة وطنيَّة تقودها حركة حماس، وهنا يمكن استنتاج بعض ملامح الصورة المستقبليَّة في هذا المقام.
ويعضد من احتمالات تصعيد عناصر الفساد الداخلي في الأراضي الفلسطينيَّة أنَّ الطرفَ الصهيوني سوف يعمد للمزيد من التصعيد في المرحلة القادمة على المستويَيْن السياسي والعسكري ضد الفلسطينيين؛ وذلك لأنَّ الصهاينة غير معنيين بنجاح تجربة حكومة الوحدة ولا بأي تطوُّر سياسي آخر على الصعيد الفلسطيني، بل على العكس سيعمد الصهاينة لإفساد تجربة حكومة الوحدة للتدليل على فشل أي بديلٍ سياسي فلسطيني أمام العالم مما يَرْفَع عنهم أي قيد أخلاقي أو سياسي أمام الأطراف العربية والدولية المحايدة في الأزمة الفلسطينيَّة، وفي ملفات الشرق الأوسط بوجهٍ عام، وهو هدفٌ يلتقي فيه الصهاينة مع قادة الفساد في الداخل الفلسطيني.
إضافةً إلى هذا فإنَّ تشكيلَ حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينيَّة كفيلٌ بتهدئةِ وتوحيد الصف الوطني والشعبي الفلسطيني، وتدعيم اتِّجاه التَّسوية في الملف الفلسطيني بعد رفع الحصار الذي بدأت كلٌّ من فرنسا وإيطاليا في قيادة جهد أوروبي ودولي لرفعه عن الفلسطينيين، وكلاهما هدفان لا يريد الصهاينة له أنْ يتحقق.
الملف العربي والدولي
بجانب ملفي رأب الصدع في الداخل الفلسطيني، وقضية رفع الحصار ومعالجة آثاره على مختلف المستويات السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، والوقوف بوجه إعصار العدوان الصهيوني المتواصل ضد الفلسطينيين، يواجه رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد وحكومته العديد من الملفات على المستوى الإقليمي والدولي، وأبرز الأسئلة التي سوف يواجهها هي كيف سوف يدير ملف العلاقات مع طرفٍ مسلمٍ "مغضوبٍ عليه" من "الشَّريك" أو "الصَّديق" الأمريكي في المنطقةِ مثل إيران، مقابل ما هو مطلوب من شبير ووزراء الحكومة الجديدة في صدد إدارة ملف العلاقات مع العرب على المستوى الرسمي بكل تعقيدات علاقات الأطراف العربيَّة المُهمَّة والفاعلة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
فمحور مصر والأردن والمملكة العربيَّة السعوديَّة على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، والقاهرة وعمَّان متورطتان إلى أذنيهما في تحالفٍ سياسي واقتصادي مع الكيان الصهيوني مما يُقيِّد من أيديهما إذا ما حاولا دعم الفلسطينيين بفرض أنَّ هذا قد حدث.
على جانبٍ آخر هناك أزمات باقي الأطراف العربيَّة الفاعلة مع الولايات المتحدة والغرب مثل سوريا المُحاصَرَة، والعراق المحتل الذي خرج من معادلةِ القوة العربيَّة ولكن مؤقَّتًا كما تقول المقاومة العراقيَّة، وهو ما يحرم الفلسطينيين من دعمٍ مهم كان من المُمْكِن أن ينالوه في هذه المرحلة الحساسة من تاريخهم.
وبالرغم من ذلك فمحمد شبير مُجْبَر على التَّعامل مع هذا الملف الشائك؛ لأنَّ رفع الحصار عن الفلسطينيين لو تمَّ فسوف يكون من جانب العرب أولاً ثمَّ الاتحاد الأوروبي فاللجنة الرباعيَّة الدوليَّة وهو الهدف الأهم الذي يُفَكِّر فيه الفلسطينيون في الوقتِ الراهن، وهو ما دفع إسماعيل هنية إلى ربط تركه لمنصبه بمسألة رفع الحصار كما تَقَدَّم.
دوليًّا، وبالرغم من حسن نوايا حكومة اليسار الإيطاليَّة بقيادة رئيس الوزراء رومانو برودي واليمين الفرنسيَّة بزعامة الرئيس جاك شيراك تجاه الفلسطينيين في مرحلة ما بعد حكومة الوحدة، ووجود اتجاه روسي موازي ولكن على استحياءٍ للعب دور إيجابي مع الفلسطينيين حال رفع الحصار؛ إلا أنَّ الطرف الأمريكي حاكم وبقوة للمواقف في الشرق الأوسط لصالح الكيان الصهيوني في انحيازه الكبير له، لا سيما مع استمرارِ تيار المحافظين ورموزه [ديك تشيني، رايس، هادلي، بولتون وغيرهم] في السيطرة على مفاصل الإدارة الأمريكية رغم الهزيمة الأخيرة في الكونجرس.
وهو ما بدا من تحدي واشنطن مؤخرًا للمجتمع الدولية والإرادة الإنسانيَّة بأسرها عندما استخدمت الفيتو ضد مشروع القرار العربي الخاص بالمجزرة الصهيونيَّة الأخيرة في بيت حانون.
هذه هي ملامح من الصورة الداخلية والخارجيَّة التي يتسلَّم فيها شبير الحكومة الفلسطينيَّة الجديدة، فكيف سيتعاطى معها هو وحكومة الوحدة، الأيام القادمة وحدها هي التي سوف تُجيب عنها.