تحليل يكتبه- أحمد التلاوي

عادت الخيام إلى العاصمة اللبنانية بيروت مجددًا في مشهد مخيف على كافة الأصعدة، أعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة الأليمة، بالرغم من تأكيد كافة أطراف اللعبة السياسيَّة في لبنان أنَّ التحركات الأخيرة التي خرجت بها التيارات الشيعيَّة وبعض الأطراف المارونيَّة الأخرى في لبنان إلى الشارع مستهدفةً إسقاط الحكومة الحالية التي يتزعمها فؤاد السنيورة لن تخرج عن حواجز الانضباط السياسي والسلم الأهلي.

 

وفي واقع الأمر تأتي مخاطر الوضع الراهن في لبنان- لا سيَّما إذا ما وُضِعَتْ بجوار الصورة الدموية المرعبة في العراق وتطورات ما يحدث في فلسطين وما يتم ترتيبه لسوريا وإيران- لتمسَّ الأمن القومي العربي بشكل يمكن أنْ يؤدي إلى انفجارٍ مهولٍ للوضع في الشرق الأوسط، يتجاوز تراكمات الملفات السابقة بحمام دم قد يصل إلى أطراف العالم كله، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي تحرص إدارتها الحاليَّة بأجندتها اليمينيَّة المتطرفة على تصدير الأزمات إلى العالم.

 

وتعود خطورة الانفجار اللبناني إلى ارتباطه بعدد من أبرز المشكلات في الشرق الأوسط، وهي مشكلة نموذج الطائفيَّة الإقصائيَّة في لبنان بكلِّ تعقيداته، كما أنَّ للملف اللبناني العديد من الارتباطات الخارجيَّة الإقليميَّة والدوليَّة التي تمس صميم الأمن والسلم الدوليَّين، لاعتبارات تخصُّ القضايا والأطراف الأبرز الفاعلة في لبنان مع أطراف وقضايا إقليميَّة ودوليَّة أخرى هي الأهم الآن.

 

صورة مُعَقَّدة!!

الصورة في لبنان الآن شديدة التَّعقيد، ولا يمكن الجزم فيها بشيءٍ محدَّدٍ، لا على مستوى العوامل التي تقف وراء تطورات الأحداث على النسق الحالي في الشارع السياسي والشارع الفعلي، ولا على مستقبل الوضع السياسي والأمني العام في لبنان.

 

 الصورة غير متاحة

 نبيه بري

والحقيقة أنَّ تعقيد الصورة في لبنان في الوقت الحالي يجيء من خلال العديد من العوامل، أولها حالة التشابك والتداخل الكبيرة الحاصلة في الخريطة السياسيَّة في لبنان حاليًا، واتجاهات الانقسام فيها، فهناك أطرافٌ مارونيةٌ متوائمةٌ مع أجندة المعارضة الشيعية التي يقودها حزب الله ومعه حركة أمل بزعامة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري؛ حيث يتحالف ميشيل عون زعيم التيار الوطني الحر والعائد بقوة من باريس في مرحلة ما بعد الخروج السوري من لبنان مع حزب الله وأمل في الاحتجاجات الحالية.

 

من جهة أخرى يقف مع الحكومة التي يقودها فؤاد السنيورة- الذي هو التلميذ البارّ لتيار الحريري- رأس الكنيسة المارونيَّة اللبنانيَّة البطريرك نصر الله بطرس صفير، وأطراف سياسيَّة مارونية لها قوتها وشعبيتها مثل حزبَي الكتائب- بزعامة كريم البقرادوني وآل الجُمَيِّل مؤسسي تيار الكتائب- والقوات اللبنانيَّة المحظور بزعامة سمير جعجع الخارج من غياهب سجون وزارة الدفاع اللبنانيَّة في تطورات ما بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

 

وفي هذا الإطار ومع عدم وجود حدود واضحة لأطراف الاستقطاب السياسي الحالي في لبنان بين المعارضة والموالاة يبدو للوهلة الأولى أنَّ الانقسام في لبنان ذو حدود سياسيَّة أو هويَّة سياسيَّة وحزبيَّة محضة حول قضايا ذات طابع سياسي بدورها تتعلق بالعلاقات مع سوريا ومصير سلاح المقاومة الإسلاميَّة ضد الكيان الصهيوني، وكذلك قضية المحكمة الدوليَّة الخاصة بمحاكمة المتورِّطين في اغتيال رفيق الحريري، وفي الأحداث الأمنيَّة الأخرى التي جرى دمجها في هذا الملف، منذ محاولة اغتيال وزير الاتصالات اللبناني الأسبق مروان حمادة في خريف العام 2004م وحتى اغتيال وزير الصناعة بيير الجميل قبل أيام.